محمد بن المختار الشنقيطي

محمد بن المختار الشنقيطي

أستاذ الأخلاق السياسية بمركز التشريع الإسلامي والأخلاق في قطر


الرحلة الحثيثة إلى الجحيم
أوهام المجتمع المتحلل
عبثية الحرب المفتوحة

خمسة أعوام مضرجة بالدماء مفعمة بالدمار، مات فيها قرابة المليون عراقي، ونزح الملايين إلى المنفى الداخلي أو الخارجي، وتحول العراق إلى مسلخة بشرية لا قيمة فيها لحياة الإنسان أو إنسانيته. مواكب الموت تسير بروتين قاتل، والسائرون في الجنائز لا يدرون هل يصلون إلى المقبرة أحياء أو أمواتا.

خمسة أعوام مليئة بالدروس لمن يريد أن يفهم، وبالعبر لمن يريد أن يعتبر. وأهم هذه الدروس والعبر أن البناء على الوهم وهم، وأن تحرير العقول سابق على تحرير البلدان.

الرحلة إلى الجحيم
لقد حول الاحتلال الأميركي العراقيين إلى أيتام على مأدبة اللئام، وجعل من الإنسان العراقي المعروف بعزه وكبريائه مستعبَدا في وطنه. وجرب المحتلون في الإنسان العراقي صنوف الإذلال والاستغلال، من افتضاح الأجساد المعذبة العارية في سجن "أبو غريب"، إلى اغتصاب الفتيات البريئات وحرقهن تسترا على الجريمة، إلى اقتحام البيوت والدوس على الكرامة بالنعل الثقيلة. كل هذا تحت شعار التحرير والحرية، وحقوق الإنسان والديمقراطية!!

ونسي المحتل الواهم أن عصر الإمبراطوريات قد ولى إلى غير رجعة، وأن الاحتلال السياسي لمنطقة الخليج الذي نجح فيه عقودا مديدة لا يضمن له نجاح الاحتلال العسكري المباشر، حيث الخريطة أوضح والتمايز أبين.

"
الأوهام الإمبراطورية التي تتغذى عليها النخبة السياسية الأميركية قد دمرت العراق وأنهكت القوة الأميركية خلال الأعوام الخمسة الماضية، لكن المستقبل قد يكون أدهى وأمر إذا لم يسد صوت العقل والحكمة
"
ولم تكسب الولايات المتحدة من احتلال العراق سوى إنهاك قوتها وسقوط هيبتها وركود اقتصادها. والأفدح من ذلك أن احتلال العراق فتح جرحا بليغا في العلاقة بين أميركا والعالم الإسلامي لن يندمل في الأمد المنظور.

لقد أصاب مايكل شوير كبد الحقيقة حينما عنون كتابه الجديد بعنوان: "الرحلة الحثيثة إلى الجحيم.. أميركا والعالم الإسلامي بعد غزو العراق" (Marching Toward Hell: America and Islam after Iraq). ومايكل شوير بالمناسبة هو رئيس "شعبة أسامة بن لادن" في السي آي أي سابقا، وهو من أكثر الخبراء الأميركيين دراية ونزاهة وصراحة في القول.

وفي القلب من هذه الرحلة المشؤومة إلى الجحيم، تجاهُل النخبة السياسية الأميركية جوهر الخلاف بينها وبين الشعوب الإسلامية، وجهلها المتعمد لمطامح المسلمين المشروعة إلى العدل والحرية والديمقراطية.

لقد ضرب شوير مثلا على حوار الطرشان هذا فكتب في مقدمة كتابه ساخرا: (حينما يقول بن لادن: "أخرجوا القوات الأميركية من جزيرة العرب" تجيب واشنطن: "إنك لن تحرم نساءنا من حق الانتخاب". وحينما يقول: "أوقفوا دعمكم للمذبحة الروسية ضد الشيشان" تجيب واشنطن: "إنك لن تشوش على انتخاباتنا". وحينما يقول بن لادن: "أوقفوا دعمكم للحكومات العربية البوليسية التي تقمع وتعذب مواطنيها" تجيب واشنطن: "لا صوت يعلو فوق صوت الحرية").

إن الأوهام الإمبراطورية التي تتغذى عليها النخبة السياسية الأميركية قد دمرت العراق وأنهكت القوة الأميركية خلال الأعوام الخمسة الماضية، لكن المستقبل قد يكون أدهى وأمر إذا لم يسد صوت العقل والحكمة في الولايات المتحدة.

ورغم أن الغالبية الساحقة من الأميركيين تعارض استمرار الحرب في العراق أو فتح حرب جديدة مع إيران، فإن من يدعوهم مايكل شوير "الحمقى والمؤمنين بأولية إسرائيل" لا يزالون قادرين على تجاهل رأي الشعب الأميركي والتلاعب بمشاعر الخوف والتحيز لإشعال نار الحرب وتغذيتها باستمرار، وتسميم العلاقات بين الأميركيين وكافة المسلمين عبر العالم.

أوهام المجتمع المتحلل
لكن الأسوأ والأكثر إثارة للأسى مما فعله الاحتلال بالعراق هو أن العراقي عامل أخاه بحقد وعداء، فسالت الدماء مدرارة في حرب أهلية طائفية لا تبقي ولا تذر، تطايرت فيها أجساد الإخوة أشلاء، وتحولت قباب المساجد هباء، ويحسب كل من الإخوة المقتتلين جهلا أنه يكسب بخسارة أخيه، ويرفع على أشلائه سلَّما للمجد. وما ثَمَّ –والله- إلا استنزاف الذات وإنهاكها، وإلا الانتحار الجماعي والاندثار.

"
تصارعت الأوهام الثلاثة (الشيعة والأكراد والسنة) لتقاسم جسد العراق الجريح، ونسي الواهمون الثلاثة أن حرا بين أحرار خير من مَلِك بين عبيد، وأن الحرص على كسب كل شيء هو أوسع الأبواب إلى خسران كل شيء
"

لقد حسب الشيعي العراقي أن المحتل الآتي من وراء البحار يحمل بشرى تحويل مجرى التاريخ، وتصحيح المسار الذي انحرف منذ أربعة عشر قرنا ليلة السقيفة، وظن الواهم أن الاحتلال جاء ممهدا الأرض لبناء دولة أهل البيت ومذهب أهل البيت، مقيما للعدل والقسط الذي سلبه الملوك والمستبدون عبر القرون. وما أكبره من وهم أن يتخيل متخيل أن إستراتيجيات القوى الإمبراطورية تصحح أخطاء التاريخ أو ترفع الظلم عن المظلوم.

وحسب الكردي العراقي أنه يستطيع أن يبني "هونغ كونغ" جديدة في جباله المنيعة والعراقيون جياع مذعورون في الوسط والجنوب، أو أن يرفع رايته الاستقلالية خفاقة ويتجاهل ملايين العراقيين الآخرين المرتبطين به برباط التاريخ والجغرافيا والدين، المشتركين معه في مرارات الماضي وآمال المستقبل. وما أفدحه من خطإ أن يتوهم واهم أن الذين جاؤوا من وراء البحار بحثا عن الثروة والنفوذ سيحققون له خطة أو حلما لا يخدم خططهم وأحلامهم.

وحسب العربي السني العراقي أن من الممكن الاستمرار في اعتبار بقية العراقيين مواطنين من الدرجة الثانية. فبنى تصوره على أوهام الدعاية البعثية التي قدمت الأكراد العراقيين في صورة حفنة من صعاليك الجبال، لا إخوة في الدين والوطن، وقدمت الشيعة العراقيين في صورة طابور خامس، منحرف الاعتقاد، عربي اللسان، فارسي الهوى، لا إخوة في الدين والوطن والقومية.

وحسب هذا العربي السني الواهم أن عهد الاستبداد والانفراد مستمر، أو أن تجاهل غالبية العراقيين ممكن إلى الأبد.

وتصارعت الأوهام الثلاثة لتقاسم جسد العراق الجريح، والإثخان عليه وهو يحتضر من ضربة المحتل القاتلة على رأسه. ونسي الواهمون الثلاثة أن حرا بين أحرار خير من مَلِك بين عبيد، وأن الحرص على كسب كل شيء هو أوسع الأبواب إلى خسران كل شيء.

إن ما يحتاجه العراقيون اليوم هو دولة ديمقراطية حرة، لا سنية ولا شيعية، ولا عربية ولا كردية. وإنما دولة مرتبطة بمواطنيها على أساس عقد المواطنة والمسؤولية الفردية والمساواة أمام القانون.

دولة تعترف بتعدد هوية العراقيين الثقافية والمذهبية، وتفخر بتعدد أعراقها وطوائفها ولغاتها. وأول الطريق إلى بناء دولة منسجمة من أشلاء المجتمع المتحلل الحالي هو التخلي عن أوهام السيطرة على إخوة الوطن، والاعتراف بحق الاختلاف، وبناء ثقافة الإجماع الطوعي والإنسانية المشتركة، والتعاضد الاجتماعي في معركة التحرير والبناء.

عبثية الحرب المفتوحة

"
معارك القاعدة غلفتها المبالغات الأيديولوجية، ونقصها الضبط الأخلاقي والتوجيه المنهجي، فتحولت إلى مواجهة هوجاء وحرب مفتوحة. إنها حرب من غير هدف واضح لضخامة أهدافها، ومن غير عدو واضح لكثر أعدائها
"
ويبقى طرف آخر في ثلاثية الأوهام هذه يستحق وقفة خاصة. هذا الطرف هو تنظيم القاعدة ومن سار في فلكه من أفراد وتنظيمات سلفية جهادية.

لقد ولدت القاعدة وأخواتها من الاحتلال الروسي لأفغانستان وحرب الخليج عام 1991 والجرح الفلسطيني المفتوح، ومن مآس أخرى كثيرة تضرب بأطنابها على العالم الإسلامي.

لكن معارك القاعدة غلفتها المبالغات الأيديولوجية، ونقصها الضبط الأخلاقي والتوجيه المنهجي، فتحولت إلى مواجهة هوجاء وحرب مفتوحة. إنها حرب من غير هدف واضح لضخامة أهدافها، ومن غير عدو واضح لكثر أعدائها.

إن الخلفية الأيديولوجية التي صدرت عنها القاعدة جعلتها تنحرف نحو هذا الدرب المظلم، على خلاف العديد من حركات التحرير الناجحة التي سبقتها أو وازتها في العالم الإسلامي.

فتراث ابن تيمية الذي يسيطر على العقلية السلفية اليوم عموما، وعلى التنظيمات السلفية الجهادية خصوصا، تراث مفرِّق للمسلمين، قاصر النظرة للعلاقة بغير المسلمين. ومن أسباب ذلك الحدة والشدة التي طبعت شخصية ابن تيمية والأزمة العاصفة التي غلفت العالم الإسلامي في عصره، خصوصا الغزو المغولي المدمر.

لقد اشتكى العلامة الحافظ الذهبي، وهو أكبر تلاميذ ابن تيمية، من شدة شيخه ابن تيمية، وقوة اندفاعه في هجومه على مخالفيه، "ولفظه المبكي المنكي" حسب تعبير الذهبي.

كما انتقد علماء كثر ابن تيمية لميله إلى تكفير المخالفين من المسلمين. لكن السلفيين الحاليين –ومنهم أنصار القاعدة- لا يقرؤون الرجل في سياق عصره، بل يلتهمون تراثه التهاما دون تدقيق، فيستسهلون اتباعه في الحكم على المخالفين من المسلمين أحكاما قاسية مفرقة للصف، وفي إيمانه بالصراع الأبدي بين المسلمين وغير المسلمين، بدلا من النظر إلى الحرب على أنها حالة استثناء غير طبيعية.

إن نظرة سريعة على بعض خطابات بن لادن والظواهري، وتسرعهما في إصدار الأحكام العقدية والسياسية، تكشف عن أزمة الخطاب والفكر التي تعيشها القاعدة، والتي تعزل التنظيم اليوم عن التيار الإسلامي العام.

فأنت تجد مثلا في خطابات الرجلين اتهامات سخية بالكفر والردة أو بالعمالة والتخاذل على أطراف كثيرة علمانية وإسلامية، لا يجمع بينها جامع، من شيعة العراق إلى سنته، ومن حسني مبارك إلى الإخوان المسلمين، ومن محمود عباس إلى حركة حماس، ومن حكام الخليج إلى قيادات المغرب العربي، ومن ملك الأردن إلى رئيس اليمن.

ويتسم خطاب القاعدة بالتخليط وعدم التناسق أحيانا، فأسامة بن لادن يفتي بتحريم المشاركة في الانتخابات، ويسمي البرلمانات "مجالس شركية"، بينما يدافع عن حماس حينما تم استهداف نجاحها الانتخابي.

"
العراق اليوم يختصر أزمة العالم الإسلامي المضنية سياسيا وعسكريا وأيديولوجيا، كما يعكس بصدق علاقة العالم الإسلامي بقوى الهيمنة الدولية. ولا سبيل إلى الخروج من هذه الأزمة سوى التحرر من الأوهام الذاتية وتحرير الآخرين من أوهامهم
"
وبهذه الخلفية الأيديولوجية والخطاب المشوش دخلت القاعدة وامتداداتها الحرب في العراق، وهو بلد متعدد المذاهب والطوائف والملل والنحل، فأشعلت الصراعات الكامنة، وصبت الزيت على النار الهامدة، وألغت من حسابها غالبية العراقيين، وهي التي دخلت البلاد تحت شعار تحريرهم.

والخلاصة أن الصراع في العراق خلال الأعوام الخمسة الماضية هو في جوهره صراع بين تصورات وهمية يسعى كل منها إلى التمدد على حساب غيره: الوهم الإمبراطوري الأميركي الذي يجهل أن الشعوب المسلمة لم ترضخ لاحتلال قط، ويتمسك بعهد ولَّى كان فيه الغزو طريقا إلى الثروة والمجد.

والوهم الطائفي العراقي الذي يمزق البلد المثخن بجراحه، ويحُول دون بناء أي تصور للعيش المشترك. ووهم القاعدة التي فتحت حربا كونية واسعة الأهداف، تؤطرها أيديولوجيا ضيقة الرؤية، تقتل من تسعى إلى تحريرهم، وتستفز من ترجو دعمهم.

إن العراق اليوم يختصر أزمة العالم الإسلامي المضنية سياسيا وعسكريا وأيديولوجيا، كما يعكس بصدق علاقة العالم الإسلامي بقوى الهمينة الدولية. ولا سبيل إلى الخروج من هذه الأزمة سوى التحرر من الأوهام الذاتية وتحرير الآخرين من أوهامهم.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك