علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


- حماس باقية وفاعلة
- اعتراف بحماس
- دعوات إسرائيلية للحوار مع حماس

وضعت جملة التطورات التي تلاحقت في الفترات الماضية على جبهة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي مجمل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين التاريخية أمام نقاشات من نوع جديد، فرضت نفسها تلقائيا مع تصاعد الأسئلة المصيرية التي أصبحت أسئلة يومية تطرح نفسها على كافة مستويات وشرائح المجتمع الصهيوني.

ومن بين الأسئلة التي كانت ولا تزال الأكثر تواترا نجد تلك المتعلقة بجدوى السياسة الإسرائيلية المتبعة تجاه حركة حماس بشكل خاص، وعموم قوى المقاومة الفلسطينية بشكل عام.

"
هناك قناعة شبه راسخة لدى الإسرائيليين بأن حماس تتمتع بتأييد اجتماعي قوي وحضور مؤسساتي فاعل وبتأثير سياسي غير متناه داخل الرأي العام الفلسطيني وقدرة على التكيف مع الظروف الصعبة
"
حماس باقية وفاعلة
على الرغم من تواصل عمليات الاغتيالات والتصفيات الإسرائيلية ضد قادة الصفين الأول والثاني من قادة حماس والجهاد وغيرهما من قوى المقاومة، والمس المتواصل بالقيادات السياسية، فإن قناعة شبه راسخة لدى الإسرائيليين باتت تشير إلى أن حركة حماس تتمتع بتأييد اجتماعي قوي وحضور مؤسساتي مؤثّر.

كما أنها تحظى بتأثير سياسي غير متناه داخل الرأي العام الفلسطيني، وقدرة على التكيّف في الظروف الصعبة، وخاصية مميزة بصفتها حركة جماهيرية تربطها المؤسسات بترابط متين لحاجات المجتمع، مما جعلها قوة سياسية من الصعب تجاهلها من حيث حضورها ونشاطها المدني في المستقبل الواضح للعيان.

ومما بات واضحا للإسرائيليين أن أجيالا جديدة من شبان ورجالات المقاومة لا تزال تنبع وتتوالد في فلسطين، إذ لم تستطع آلة القتل والتدمير الإسرائيلية اجتثاث المقاومة وفصائلها، ولا تحييدها ووضعها خارج دائرة الفعل والتأثير.

وزاد من حدة الأسئلة المطروحة داخل الدولة الصهيونية التحولات الأخيرة التي وقعت، حين استطاعت حركة حماس في الأشهر الثلاثة الماضية تحقيق نقلتين نوعيتين في حدثين متتاليين في سياق حضورها وتأثيرها في ساحة الفعل الفلسطينية، وفي ساحة العمل السياسي بعد أشهر مما جرى في قطاع غزة منتصف يونيو/حزيران 2007.

وفي النقلتين الحدثين بدت حركة حماس القوة الأكثر تأثيرا في الشارع الفلسطيني في الداخل والشتات، وفي المعادلة الفلسطينية الداخلية أمام القطب الآخر المشكل من الإطار الرسمي للسلطة الوطنية الفلسطينية ومعها بعض القوى الفلسطينية المحدودة الفعالية والتي تدور في فلكها.

ففي الحدث الأول ليل 22-23 يناير/كانون الثاني الماضي اقتحمت تنظيمات حركة حماس النسائية والطلابية السور المركب الذي يفصل بين قطاع غزة ومصر، وتدفق جموع الفلسطينيين إلى الجانب المصري في خطوة نوعية وتحول دراماتيكي ذي معنى بعيد الأثر.

وعلى الأقل أثبت الحدث ذاته أن الفلسطينيين قادرون في نهاية المطاف على اجتراح الوسائل والطرق والأساليب الممكنة لإحداث كسر نسبي في الحصار، مما ولد بين الناس في القطاع والضفة الغربية والشتات الفلسطيني مشاعر إيجابية عالية قاربت حلم الفلسطينيين بالتحرير والانعتاق.

وفي الحدث الثاني بمفاعيله التي ما زالت تدب على الأرض، استطاعت حركتا حماس والجهاد الإسلامي في المقام الأول ومعها باقي القوى الفلسطينية أن تقودا بنجاح نسبي معركة الصمود على أرض القطاع، وأن تحطما مستويات من الحصار، سواء عبر تصعيد مستوى العمل المقاوم أو القيام بعمل دراماتيكي كإسقاط السور، كما استطاعتا أن تتمكنا من تجاوز محنة الخسائر الباهظة المادية والبشرية على حد سواء.

فقد فشلت السياسة الإسرائيلية التي كان هدفها ممارسة الضغط الحياتي والاقتصادي على القطاع لتدمير وكسر حركة حماس والجهاد الإسلامي والجبهة الشعبية عبر الحصار على غزة، في مسعى كان يأمل منه الطرف الإسرائيلي دفع حركة حماس نحو الزاوية، ليتبقى أمامها طريقان فقط، إما أن تختفي مع برنامجها وتتخلى عن دورها بالمعنى السياسي لصالح السلطة الرسمية الفلسطينية، وإما أن تكف عن أن تكون حماس هي حماس عبر تغيير مفهومها السياسي تماما وأن تقبل بشروط اللجنة الرباعية الدولية.

"
بعض الإسرائيليين قرأ لحظات انهيار السور في رفح باعتبارها الفرصة المواتية لإسرائيل بأن تزيح عن كاهلها المسؤولية عن قطاع غزة بدفعه تجاه مصر والتخلص من هذه المشكلة
"
اعتراف بحماس
وفي إطار النقلتين النوعيتين المشار إليهما حدثت بالتوازي وبالتأثير بعض التفعيلات الدولية التي تؤشر إلى انكفاء الأحلام والآمال الإسرائيلية بتحطيم قوة الحضور السياسي والعملي لقوى المقاومة الفلسطينية، كما تؤشر لتطور مكانة حركة حماس.

وفي هذا السياق صدر تقرير للجنة برلمانية بريطانية مشتركة بين كل الأحزاب بضرورة إنهاء مقاطعة حركة "حماس" باعتبار المقاطعة سياسة أثبتت فشلها.

وتبع ذلك التقرير اللقاء المطول الأخير منتصف مارس/آذار 2008 بين وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في دمشق مع رئيس المكتب السياسي لحركة حماس السيد خالد مشعل.

وصدر بعد ذلك تقرير أخير عن "مجموعة الأزمات الدولية" يوم 19/3/2008 يقر بأن سياسة إسرائيل القائمة على "عزل حماس وفرض العقوبات على غزة قد أفلست وأعطت عكس نتائجها المرجوة"، في وقت "تتزعزع فيه مصداقية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وغيره من البراغماتيين، كما أن عملية السلام تمر بحال من الجمود".

وأشار التقرير إلى أن "هذه النظرية قد سقطت بسرعة"، موضحا أن "الحركة الإسلامية تتجه نحو إقامة إطار فاعل للقوة".

وتلت التقرير نفسه مبادرة لمجلس الشيوخ (وهو هيئة دولية تتشكل من زعماء ودبلوماسيين قدامى في العالم) توجهت لإسرائيل باقتراح قدمه أربعة من أعضائها الكبار هم: الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر والأسقف ديسموند توتو ورئيسة أيرلندا السابقة ميري روبنسون، وذلك "لحثها على وقف إطلاق النار مع حماس عبر حوار إسرائيلي مباشر معها والاعتراف بدورها وسط الفلسطينيين والكف عن منطق العزل".

وفي هذا السياق ارتفعت بعض الأصوات الإسرائيلية الداخلية تعبر عن طيف من الآراء السياسية التي عبرت عن مشاعر ومواقف محددة.

فمنها ما أقر بأن ما حدث من تطورات أخيرة في الشهور الماضية كان نصرا وإنجازا خالصا لحركة حماس على سياسة الحصار التي تنتهجها حكومة إسرائيل، بينما عمل بعضها على إثارة العديد من المخاوف العميقة من المعاني الأمنية لاقتحام السور الذي كان يفصل بين مصر وقطاع غزة.

فقرأ البعض في إسرائيل لحظات انهيار السور في رفح باعتباره الفرصة التي أصبحت مواتية لإسرائيل لأن تزيح عن كاهلها المسؤولية عن قطاع غزة، بدفعها تجاه مصر والتخلص من هذه المشكلة.

لكن هذا الموقف تمت مواجهته بالافتراضات التي أعلنتها المصادر الأمنية الإسرائيلية منطلقة من أن مصر لن تكون قادرة على أداء هذا الدور، كما أنه ليس لمصر مصلحة في أن تأخذ على عاتقها المسؤولية عن غزة.

دعوات إسرائيلية للحوار مع حماس
بات الإسرائيليون على يقين تام من أن حركة حماس ما زالت تملك حضورا قويا في الضفة الغربية تستطيع من خلاله إحباط أي طريق سياسي وإعادة "قلب الطاولة"، وأن بإمكانها تصعيد العمل المسلح.

ومن بين الأصوات الإسرائيلية التي امتلكت رأيا آخر في المنحى ذاته، كان الرأي المنادي بالعمل من أجل ترتيب تهدئة جديدة حيث جرت ولا تزال تجري اتصالات عديدة واجتماعات في مدينة العريش المصرية بين وفدي حركتي حماس والجهاد الإسلامي مع الجهات المصرية المعنية لإنجازها، بالرغم من قيام إيهود باراك بوضع حد للشائعات التي تفيد بأن إسرائيل تقوم باتصالات غير مباشرة مع حركة حماس عبر الوساطة المصرية.

وقد أعلن باراك أن العمليات العسكرية الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية ستتواصل، في حين بدت السلطة الوطنية الفلسطينية في موقف شديد الإحراج لم تستطع فيه أن تعلن وقفها الفوري للمفاوضات كما كانت تطالبها جميع القوى الفلسطينية بما في ذلك كتائب شهداء الأقصى.

فأعلنت فقط عن وقف المفاوضات لأيام محدودة، لكنها تابعت الاجتماعات مع حكومة أولمرت بما في ذلك التنسيق الأمني، بالرغم من قيام قوات الأمن الإسرائيلية بأعمال التوغل والاغتيالات داخل مدن ومخيمات الضفة الغربية.

"
أصوات إسرائيلية تقترح بديلا تصفه بأنه الأكثر معقولية، وذلك بفتح قنوات الحوار المباشر أو غير المباشر والتفاوض مع حركة حماس بهدف استقرار الوضع من جانب، والبحث في إمكان التفاوض مع إطار فلسطيني أوسع يجمع فتح وحماس
"
في هذا السياق، وفي معمعان المناقشات الإسرائيلية والآراء المنطلقة في إسرائيل من كل حدب وصوب، فإن أصواتا خافتة بدأت تنطلق على لسان المزيد من الشخصيات العامة، بمن فيهم ضباط كبار في الاحتياط، يطلقون مواقف تدعو للمفاوضات مع حماس.

ويقترح هؤلاء بديلا يصفونه بأنه الأكثر معقولية عبر فتح قنوات الحوار المباشر أو غير المباشر والتفاوض مع حركة حماس بهدف استقرار الوضع من جانب، والبحث في إمكانية التفاوض مع إطار فلسطيني أوسع يجمع فتح وحماس.

وهم في ذلك ينطلقون مما حدث في قطاع غزة حديثا من تحطيم للمعابر مع مصر ومن صمود وثبات فلسطيني، مع تقديراتهم بأن حركة حماس يمكنها استئناف القتال وتحطيم الهدوء الشكلي، وأنها ما زالت تملك حضورا قويا في الضفة الغربية تستطيع عبره إحباط أي طريق سياسي وإعادة "قلب الطاولة"، وأن بإمكانها تصعيد العمل المسلح، وتاليا تحديد كفة المسيرة السياسية.

وعليه فإنهم يقترحون سلب حركة حماس هذه المفاعيل بضبط إسرائيل لنفسها إزاء تصعيد عمليات إطلاق الصواريخ، والانطلاق نحو الحوار مع حماس التي غدت "الذراع الجنوبي لذاك الأخطبوط الذي يحيط بإسرائيل" على حد تعبير بعض الصحافيين الإسرائيليين، ومحاولة إغوائها والتقاطها سياسيا.

وهذا هو ما كرره الصحفي الإسرائيلي أليكس فيشمان على صفحات يديعوت أحرونوت في عددها الصادر يوم 28/3/2008 حين حذر من ما أسماه تطور عمل الهيئة العسكرية لحماس التي تعنى بالهندسة العسكرية و"الفن العسكري" في قطاع غزة، والتي توصلت إلى إنجاز من خلال إنتاج سلسلة من صواريخ القسام ذات مقاييس تصل إلى مدى 21 و22 كلم.

وعلى هذا الأساس يقترح المحرر السياسي لصحيفة هآرتس في عددها الصادر يوم 11/3/2008 قيام حوار حتى لو كان مختبئا ومختفيا عن الأبصار مع حركة حماس عبر الطرف المصري لترتيب هدنة ولو مؤقتة، توقف حركة حماس فيه نار الصواريخ، وتوقف إسرائيل بالتوازي هجماتها على قطاع غزة والضفة الغربية، وتفتح المعابر مثل كرم سالم (كرني) وبيت حانون، وتعود إلى اتفاق المعابر بالنسبة لمعبر رفح.

وبهذا الصدد جاءت نتائج استطلاعات الرأي الأخيرة في إسرائيل التي أجرتها "هآرتس- ديالوغ" بإشراف البروفيسور كميل فوكس من جامعة تل أبيب منتصف مارس/آذار الماضي حين أجاب فيها الجمهور اليهودي في فلسطين المحتلة عام 1948 بأغلبية كبيرة، داعيا إلى الحوار المباشر مع حركة حماس كانعكاس واقعي لجملة من التطورات والأحداث التي جرت في العامين الماضيين.

وقد أشارت نتائج الاستطلاع الأخيرة والمنشورة على صفحات هآرتس إلى وجود أغلبية إسرائيلية وصلت نحو 64% من الذين يعتقدون بأن على إسرائيل أن تتفاوض مباشرة مع حماس، وأن تقوم بصفقة تبادل لإطلاق الأسير جلعاد شاليط، بينما عارض الحوار والمفاوضات مع حماس أقل من ثلث العينة أي بنسبة 28%.

أما في استطلاع عينة من جمهور اليمين العقائدي الصهيوني (حزب الليكود) فنحو نصف العينة 48% يؤيدون المفاوضات مع حماس، مقابل 51% يعارضونها، وفي حزب إيهود أولمرت (كديما: يمين الوسط) فإن 55% يؤيدون فتح قنوات التفاوض المباشر مع حركة حماس، وفي أوساط حزب العمل (اليسار الصهيوني) تؤيد نسبة 72% ذلك.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك