صالح السنوسي

صالح السنوسي

أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة بنغازي


لدى الغرب قدرة كبيرة على تفسير كل الأفعال الصادرة عنه تجاه الآخرين بأنها أفعال خيرة تمثل القيم والمبادئ النبيلة المقصورة على حضارته في مواجهة همجية وقصور أبناء الحضارات الأخرى، كما أن لديه القدرة نفسها على إظهار أفعال الآخرين التي تدخل في جدل مع حضارته على أنها أفعال ناقصة على صعيد الإنجاز وتافهة على صعيد العطاء والمساهمة في مسيرة الحضارة الإنسانية.

"
أفعال الغزو والاحتلال والتدمير التي يقوم بها الغرب تبدو في نظره أفعالا خيرة لأنها تساهم في تقدم الجنس البشري، ولأنها تتم بقصد زرع قيم ومبادئ إنسانية متفوقة في أرضية ثقافات وحضارات تعاني من قصور على صعيد هذه القيم والمبادئ
"
وحسب هذا المنطق فإن أفعال الغزو والاحتلال والتدمير التي يقوم بها الغرب تبدو رغم قسوة مظهرها الخارجي أفعالا خيرة لأنها تساهم في تقدم الجنس البشري، ولأنها تتم بقصد زرع قيم ومبادئ إنسانية متفوقة في أرضية ثقافات وحضارات تعاني من قصور فاضح على صعيد هذه القيم والمبادئ يحرم أبناءها من حقهم في اللحاق بركب الحضارة الإنسانية التي يقودها الغرب منذ أثينا وروما.

هذا المفهوم الذي تبنته الغالبية الساحقة من مفكري وفلاسفة الغرب في كل مراحل التاريخ، تم تجذيره في ثقافة الغرب من خلال قنوات التنشئة الثقافية والاجتماعية عبر قرون طويلة حتى أمسى الغزو والاحتلال واستعمار الشعوب الأخرى في نظر الغالبية العظمى من أبناء المجتمعات الغربية، أفعالا لا تبدو شاذة ولا سيئة، بل تدخل في إطار المجرى الصحيح والعادي للأمور.

حسب هذا المفهوم أو ثنائية الخير والشر هذه يتم تفسير معارك وانتصارات الغرب ضد الشرق على أنها انتصار الحق والخير والبهاء والجمال على الشر المستطير والظلامية والدمامة، بينما تظهر هزائم الغرب أمام الشرق -وهى قليلة والحق يقال- على أنها منزلقات مخيفة وخطيرة وقى الله الإنسانية شرها.

وهي تبقى أفعالا ناقصة في الزمان والمكان ومبتورة لم تكتمل في مواجهة الغرب وإلا كانت صيرورة نتائجها ستكون كارثية على الحضارة الإنسانية.

لقد عمل مؤرخو وفلاسفة أوروبا على انتقاء نماذج لوقائع ومراحل تاريخية منذ ما قبل الميلاد لتشكيل مخيال غربي موحد يجسد السمو الأخلاقي، وتفوق الإرادة والقوة في مقابل الشرق سواء كان عربيا أو فارسيا.

فما يهم من الشرق هو هذا الشرق الذي كان منذ ما قبل الميلاد منافسا ومصارعا ومعادلا حضاريا للغرب ثم أصبح لاحقا موضوعا لإستراتيجيته ومصالحه، أما ذلك الشرق البعيد بمعناه الصيني والياباني فلم يدخل الغرب في صراع حقيقي معه إلا في القرن التاسع عشر.

يقول الفيلسوف الألماني هيغل عن الحروب بين فارس واليونان إنه خلال تلك المعارك وذلك الصراع كان التاريخ الإنساني بكامله في الميزان، لأنه كان صراعا بين ديمقراطية أثينا الوليدة وملوك فارس الذين كانوا يرون فيها دولة إرهابية.

ستتبنى أجيال من المفكرين والمثقفين الغربيين هذا النهج في تفسير الحروب التي دارت بين إمبراطورية فارس واليونان وذلك لوضع اللبنات الأولى لحضارة غربية واحدة أعلنت وجودها في التاريخ من خلال نماذج رائعة لانتصارات باهرة دفاعا عن قيم إنسانية خالدة وستصبح معارك مثل سالاميس وماراثون وثرموبيلا مصدرا للإلهام في تاريخ الغرب وتجسيدا للقيم التي دافع عنها اليونانيون ذوو العدد القليل المشتتون في جزر متناثرة في وجه قوة عاتية يقودها طغاة شرقيون.

المفكر الإنجليزي جون ستيوارت ميل يرى أن معركة ماراثون بين الفرس واليونانيين أهم بالنسبة للإنجليز من معركة هاستنج وهى المعركة التي هزم فيها النورمانديون الإنجليز في عام 1066 ميلادية.

"
تاريخ الغرب لا يقبل في صرحه الشامخ سوى حجارة النصر وجماجم المهزومين، أما الهزائم الميدانية فإنها تتحول إلى انتصارات مدوية من أجل الأخلاق والتضحية والمبادئ
"
ويقول ميل إن هزيمة أثينا -التي سلمت إرث الديمقراطية والثقافة إلى روما ومنها إلى الغرب- على يد أكاسرة الفرس لو وقعت كانت ستكون نهاية بداية جذور الغرب، ولو وقعت لما كنا رأينا الغرب اليوم.

إن الادعاء بتأسيس بدايات وعي الغرب لنفسه على أساس هزائم الآخرين الحقيقية والمفترضة سيظل هو النهج الذي يقود نظرة الغرب وسلوكه تجاه الآخرين، فالتعاون والندية والاحترام وضع اضطراري مؤقت وشاذ في مفهوم علاقته بالآخر الذي ينبغي أن يكون فقط موضوعا للهزيمة والقبول بالغرب والاستسلام.

ولذا فإن تاريخ الغرب لا يقبل في صرحه الشامخ سوى حجارة النصر وجماجم المهزومين، أما الهزائم الميدانية النادرة فإنها تتحول إلى انتصارات مدوية من أجل الأخلاق والتضحية والمبادئ.

ميشال مونتان الذي يعتبر أحد آباء اللغة الفرنسية الذين حرروها من اللغة اللاتينية يقول عن معركة ثرموبيلا التي خسرها اليونانيون ضد الفرس، "رغم أن كل معارك اليونانيين كانت انتصارات لم تبزغ الشمس على مثيل لها، فإن أروع معاركهم كانت ثرموبيلا التي خسروها".

هكذا أصبحت هزيمة اليونانيين في معركة ثرموبيلا رمزا للتضحية من أجل المبادئ في تاريخ الغرب، وهي المعركة التي قاتل فيها 298 إسبرطيا ضد مليون فارسي حسب المصادر الإغريقية فقط، والتي يتبنى صحتها تاريخ الغرب.

وحسب الرواية قتل الإسبرطيون جميعهم مع الملك ليونيداس الذي جعل منه تاريخ الغرب مثالا عظيما للتضحية كما جعل من ثرموبيلا رمزا يستنهض الأجيال وطريقا ماراثونيا نحو الحرية.

وقد وصفها اللورد بايرون الإنجليزي الذي تقمص شخصية ليونيداس وقتل وهو يحارب الأتراك إلى جانب اليونانيين بعد مضي ما يقارب ألفي عام على موقعة ثرموبيلا.

ورغم أنه لا مقارنة في ميزان القوى بين الأطراف المشاركة في معركة ثرموبيلا إن صحت المعلومات الإغريقية، وأن خيار المقاومة الذي اختاره الإسبرطيون يعد انتحارا بكل المقاييس فإن ميثولوجيا وأساطير الغرب اعتبرته فعلا رائعا مجللا بالتضحية والفخار وجديرا بأن تحتذيه الأجيال.

"
مقاومة أبناء الحضارات الأخرى لغزوات الغرب في ظل موازين قوى غير متكافئة، تعد في نظر الغرب أفعالا جنونية عبثية يقوم بها انتحاريون متعصبون مجانين يستعيضون بالهستيريا والهذيان الذهني عن العقل الذي يحترم الحقائق العلمية وموازين القوى
"
أما مقاومة أبناء الحضارات الأخرى لغزوات الغرب في ظل موازين قوى هي أيضا غير متكافئة، فتبدو في نظر الغرب أفعالا جنونية عبثية يقوم بها انتحاريون متعصبون مجانين يستعيضون بالهستيريا والهذيان الذهني عن العقل الذي يحترم الحقائق العلمية وموازين القوى فيجنب النفس البشرية مأساة المعاناة العبثية، وبالتالي فليس جديرا بأي عاقل أن يحتذي أو يحترم العبثية والغباء.

أما عن مدينة إسبرطة والملك ليونيداس فيقول الروائي الإنجليزي وليم غولدنغ الذي زار المدينة في ستينيات القرن الماضي، "إن النفس البشرية تتفاعل مع التضحية والشجاعة كما ترتعش كأس النبيذ مع ذبذبات إيقاع آلة الفولانو، ومهما كان بعض من حقيقة ليونيداس مبالغا فيه، فإنه هو الذي بفضله الآن أستطيع أن أذهب أينما أريد وأكتب ما أحب, لقد ساهم في جعلنا أحرارا".

اللورد جورج ناثنيال كورزون زار بدوره مدينة كسرى التي هدمها الإسكندر بعد مضي قرن ونصف على معركة ثرموبيلا، وتلك طريقة في الانتقام درج الغرب على منوالها حتى اليوم، فقال واصفا أطلال المدينة "إنها درس مهم في التاريخ وتأخذ مكانها ضمن الأشياء التي لم تعد موجودة، ولكن أحجارها الصامتة توجه لنا رسالة ليس من الصعب فهمها".

في حين كتب بيتر جرين في كتابه "عام معركة سالاميس" الذي صدر منذ أكثر من ثلاثين عاما يقول فيه إنه رغم الاعتقاد بحقيقة أن الانتصارات اليونانية كانت النقطة الحاسمة في التاريخ الأوروبي، فإن المساجد والمنارات توجد الآن في كل أنحاء أوروبا وهي توجد حتى في أثينا.

هكذا تبدو الحروب الفارسية اليونانية معاصرة وليست قديمة بل لعلها في نظر الغرب هي أولى حروب صدام الحضارات، غير أن الحقيقة الثابتة التي ما انفك الغرب يذكر بها هذا الجزء من الشرق، هي أن أي قوة يجب إخصاؤها سواء كانت عربية أو فارسية، ديمقراطية أو دكتاتورية، تعبد الله أو تعبد النار.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك