سلطان العجلوني

قضية الأسرى والمفقودين والشهداء الأردنيين لدى الصهاينة من القضايا الوطنية بامتياز، وهي تحظى بإجماع منقطع النظير يشمل تحت عباءته الأهالي والمتضامنين والمعارضة والحكومة وعموم الشعب الأردني على حد سواء، فكل هؤلاء مجمعون على ضرورة إطلاق سراح الأسرى وكشف مصير المفقودين واستعادة جثامين الشهداء.

"
ترى الحكومات المتعاقبة أن العمل الدبلوماسي والحوار الهادئ واستغلال العلاقات الطيبة مع الإسرائيليين هي السبل المثلى لعلاج قضية السجناء، في حين يرى الأهالي والمتضامنون معهم والمعارضة أن هذه الأساليب لم ولن تجدي نفعا
"
كلهم مجمعون على ذلك سواء كانوا من أفراد الجيش العربي الأردني أو من الأردنيين المنتسبين لفصائل المقاومة أو من أولئك الذين لم يكن لهم أي انتماء سياسي ولا حزبي، وقاموا بما أملاه عليهم واجبهم الديني والقومي تجاه إخوانهم في فلسطين وهم يشكلون السواد الأعظم من مجموع الأسرى والشهداء والمفقودين.

في مقابل الإجماع على مبدأ الإفراج عن الأسرى وكشف مصير المفقودين واستعادة جثامين الشهداء، فإن الخلاف حول كيفية تحقيق ذلك يتحول في كثير من الأحيان إلى خلاف حاد وتناقض في الآليات والأساليب بين الحكومة والنواب المحسوبين عليها ومن يرى رأيها من الكُتاب والإعلاميين من جهة، وبقية الأطراف المعنية بهذا الملف من جهة ثانية، وخصوصا لجنة أهالي الأسرى والمفقودين والشهداء واللجنة الوطنية للدفاع عن الأسرى والمفقودين والشهداء.

ترى الحكومات المتعاقبة أن العمل الدبلوماسي والحوار الهادئ واستغلال العلاقات الطيبة مع الإسرائيليين هي السبل المثلى لعلاج هذه القضية والوصول إلى نتائج مرضية، في حين يرى الأهالي والمتضامنون معهم والمعارضة أن هذه الأساليب لم ولن تجدي نفعا، وأن الدبلوماسية الأردنية لم تترك فرصة إلا وضيعتها.

فقد حدث أن ضيعت الحكومة فرصة توقيع اتفاقية السلام التي لم تتضمن كلمة واحدة عن الأسرى والمفقودين والشهداء، كما ضيعت فرصة ذهبية عندما اعتقلت الشرطة الأردنية مجموعة من الموساد اعتدت على رئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل وحاولت اغتياله، وغيرهما من الفرص المهدورة.

لذلك كله فهم يرون أن على الحكومة الأردنية تغيير وسائلها واللجوء إلى وسائل ضغط أخرى تمتلكها كسحب السفير الأردني من تل أبيب، وتعطيل أو تشويش تنفيذ بعض الاتفاقيات الاقتصادية والأمنية والسياسية، خاصة أن الأردن يعتبر جسراَ مهما لإسرائيل نحو الوطن العربي سياسيا واقتصاديا وأمنيا.

هذا التناقض بين المستويات الرسمية والشعبية له مردود سلبي على القضية برمتها، وكان من الممكن بل من الواجب أن تتكامل الأدوار وتتضافر الجهود من خلال تشكيل لجنة مشتركة تجمع الجهات الحكومية والشعبية والحزبية تتبنى خطة عمل واقعية متدرجة تبدأ بإعداد الكشوف الموحدة بأسماء الأسرى والشهداء والمفقودين.

يجب التذكير بأن هناك حتى اليوم فجوة كبيرة بين القائمة التي تتحدث عنها الحكومة وتلك التي تتحدث عنها اللجنة الوطنية أو لجنة الأهالي.

بعد توحيد الكشوف يبدأ توزيع الأدوار والمهام، من الدور الإعلامي التوعوي المتعلق بتعريف الأردنيين من كل الفئات بهذه القضية الوطنية، مرورا بتنظيم الفعاليات التضامنية ودعم الأسرى والمفقودين وأسرهم (مع أسر الشهداء) ماديا ومعنويا، ووصولا إلى الدور التفاوضي الذي سيكون بطبيعة الحال من اختصاص الحكومة والجهات الرسمية ولن ينازعها أحد فيه.

في الآونة الأخيرة سمعنا عن تحرك نيابي بادر إليه عدد من أعضاء البرلمان الأردني، ويشمل أكثر من نصف الأعضاء من كافة الكتل النيابية والمستقلين في سبيل العمل على إطلاق سراح جميع المعتقلين والسجناء الأردنيين في السجون الأميركية والصهيونية والعراقية والسورية وغيرها، أو العمل على نقلهم إلى سجون أردنية لإتمام محكومياتهم فيها.

"
التناقض بين المستويات الرسمية والشعبية له مردود سلبي على القضية، وكان من الواجب أن تتكامل الأدوار وتتضافر الجهود عبر تشكيل لجنة مشتركة تجمع الجهات الحكومية والشعبية والحزبية تتبنى خطة عمل واقعية
"
ومع أنني متشائم من إمكانية أن يقوم مجلس النواب بأي دور جدي وفاعل، خاصة إذا شاءت الحكومة غير ذلك، وأني أظن أن هذا التحرك يندرج تحت إطار رغبة المجلس الجديد المتهم بأنه مجلس رجال الأعمال الذين اشتروا مقاعدهم بالمال السياسي بإثبات أنهم أعضاء في مجلس جاد يهتم بقضايا المواطنين ويستمع إلى آلامهم، فإنني آمل أن يخيب ظني ويكون هذا الحراك حراكا إيجابيا.

وأما أيضا أن يكون جديا وأن يتم التعاون بين مجلس النواب والجهات المعنية وتفعيل دور المجلس بحيث لا يقتصر -كما في السابق- على بعض الأعضاء "المشاغبين" الذين وجهوا مساءلات للحكومة، لكنهم لم يتمكنوا من إقناع المجلس بعقد جلسة واحدة تخصص لمناقشة هذا الملف الوطني وتم يومها تهريب نصاب الجلسة بإيحاء من الحكومة.

والآن لنتحدث عن الجوانب العملية أو قل ما المطلوب وما هو الممكن؟

طبعا المطلوب هو إطلاق سراح كافة الأسرى وكشف مصير كل المفقودين واستعادة جثامين الشهداء، لكن كلنا يعلم أن الأمر ليس بهذه السهولة في ظل معادلة القوة التي تحكم العلاقات الدولية اليوم، فلنحاول إذا تجزئة الملف ومعالجة أجزائه واحدا تلو الآخر علنا نصل إلى نتائج إيجابية وعملية ولو في جزء منه.

أولا- الشهداء، ونعني بهم أولئك الذين ثبتت شهادتهم وعلم مكان دفنهم وما زالت جثامينهم محتجزة لدى الصهاينة لهذا السبب أو ذاك، مثال على ذلك الشهيد نايف الكعابنة الذي شارك في عملية فدائية يوم 8/11/1990 مع سالم وخالد أبو غليون وأمين الصانع وإبراهيم غنيم، وقد استشهد في العملية وحكم على جثمانه (في سابقة لم نسمع بمثلها في التاريخ) بالبقاء محتجزا مدة 25عاما!

والآن، وبعدما عاد رفاقه سالمين إلى أرض الوطن بات من الواجب أن نستعيد جثمانه الطاهر، ولا أرى أين الصعوبة في استعادة الشهيد بعدما نجحنا في إعادة الأحياء.

وأود التنويه هنا بأن الكيان الصهيوني يحتفظ بما يُسمى مقابر الأرقام وهي تحتوي على جثامين الشهداء الذين ترفض إسرائيل تسليمهم لذويهم لاعتبارات انتقامية ولإشباع أحقاد دفينة.

ولا أحد يعلم هوية هؤلاء الشهداء ولا عددهم، كما أننا لم نسمع المتغنين بحقوق الإنسان يثورون أو يثيرون القضية.

ثانيا- قضية المفقودين، ونعني بهم أولئك الذين ثبت دخولهم الأراضي المحتلة واشتبكوا مع قوات الاحتلال ثم فقدت آثارهم ولم يعرف ما إذا كانوا وقعوا في الأسر أم نالوا الشهادة.

والأصل أن نتعامل معهم على أنهم أحياء يرزقون ما لم يثبت عكس ذلك بقرائن مادية لا تقبل التأويل، خصوصاَ أن هناك العديد من الشهادات والدلائل على وجود سجون سرية مليئة بأسرى مجهولي الهوية يتم إجراء تجارب نفسية وطبية وعسكرية عليهم.

قضية المفقودين هي أكثر القضايا إيلاما وأقلها اهتماما، فحتى اليوم لم نسمع أحدا من المسؤولين الأردنيين يتحدث عنها أو يتطرق إليها من قريب ولا بعيد.

ولا يعقل أن تبقى عشرات العائلات الأردنية في قلق وانتظار المجهول منذ عام 1967 وحتى يومنا هذا دون أن يشعروا بأن هناك من يتابع ويسأل ويحاول، ومن حقهم على وطنهم الذي ضحى أبناؤهم بأرواحهم من أجله أن يعطيهم ولو مجرد قبر يزورونه ويبكون عنده.

ثالثا- قضية الأسرى، وتنقسم إلى قسمين: الأسرى الموجودون في سجون الاحتلال الصهيوني، والأسرى الأربعة الذين تم نقلهم إلى سجن أردني قبل نصف عام.

"
إلى متى تبقى أشلاء شذاذ الآفاق من اليهود أغلى من إنساننا العربي الذي نصرح صباح مساء أنه أغلى ما نملك؟
"
ولنبدأ بالثانية، فقد اتفقت الحكومتان الأردنية والإسرائيلية على نقل أربعة أسرى تم أسرهم عام 1990 إلى سجن أردني بحيث يقضون فيه مدة 18 شهرا حسب قوانين مراكز الإصلاح والتأهيل الأردنية.

الحكومة بررت هذه الخطوة بأنها الطريقة الوحيدة لإعادتهم إلى الأردن واعتبرت ذلك إنجازا وطنيا عظيما.. جيد، ولكن هناك فرق بين التزام المرغم والتنفيذ الحرفي الدقيق الراضي.

صحيح أن الحكومة وضعتنا نحن الأربعة في ظروف أفضل بكثير من بقية "النزلاء" ولكنها تستطيع أن تفعل أكثر من ذلك دون أن تخرق الاتفاقية أو تنسحب منها، فهي تستطيع مثلا أن تضعنا رهن الإقامة الجبرية كما سبق أن فعلت مع أحد المسؤولين السابقين أدين باختلاس أموال البلد مع الفارق، أو تسمح لنا بإتمام الدراسة الجامعية التي بدأناها في سجون الاحتلال، فلا يُعقل أن يسمح لنا الاحتلال بالدراسة الجامعية ونُحرم منها في وطننا، وما إلى ذلك.

وحكومة الذهبي اليوم لديها هامش أوسع من الحكومة السابقة التي وقعت الاتفاق مع الجانب الإسرائيلي، ولها في قضية الممرضات البلغاريات خير مثال وأوضح سبيل.

نعود إلى الأسرى الموجودين في سجون الاحتلال الصهيوني، ونقول إن العمل على إطلاق سراحهم له الأولوية والأسبقية، ولكن إلى أن يحين ذلك، يجب أن نسعى إلى تخفيف وطأة الأسر عنهم من خلال تكثيف زيارات السفارة لهم، وإن كانت لم تزرهم منذ نصف عام، وترتيب زيارات عائلية دورية كل عدة أشهر بدلا من كل عدة سنوات، والعمل على السماح لهم بالتواصل الهاتفي مع ذويهم، وإيصال احتياجاتهم من نقود وملابس وكتب وما إلى ذلك.

وهذه أمور من السهل جدا تحقيقها، ولها أثر كبير في رفع معنوياتهم وتسهيل حياتهم، خاصة أنهم يعانون إلى جانب الأسر من الغربة والبعد عن الوطن.

بقي أن نتحدث عن الدور المطلوب من الإعلام، فبينما تتبنى وسائل الإعلام المحسوبة على المعارضة الأردنية وبعض وسائل الإعلام العربية هذه القضية، ما زال الإعلام الرسمي يمارس التعتيم المسيس ويتجاهل عامدا هذه القضية الوطنية بامتياز، وقد كان من المفروض أن يعكس آمال الأردنيين وآلامهم أينما وجدوا، ولا يقتصر نشاطه على دعم هذا المتسابق في برنامج غنائي أو ذاك.

في الختام أجدني مضطرا إلى إجراء مقارنة رمزية بين تعامل الصهاينة مع هذا النوع من القضايا وبين تعامل حكوماتنا العربية معها، فكلنا يعلم ما الذي فعلته إسرائيل بلبنان بحجة أسر اثنين من جنودها، وما هو الثمن الذي دفعته لحزب الله مقابل استعادة أجزاء من جثث الجنود، وهي ما زالت تشكل الفريق تلو الفريق للبحث في رمال سيناء عن بقايا لما تقول إنهم جنود فُقدوا في حروبها المتتالية مع مصر.

فإلى متى تبقى أشلاء شذاذ الآفاق أغلى من إنساننا العربي الذي نصرح صباح مساء أنه أغلى ما نملك؟

إن قضية الأسرى والمفقودين والشهداء قضية كل الأردنيين، وعلى كل الأردنيين أن يسألوا أنفسهم: هل أولوها الاهتمام اللازم أم لا؟
__________________
عميد الأسرى الأردنيين

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك