محمد أبو رمان

دولة الرعاية والتقاسم الوظيفي
من العلاقة الزبونية إلى دولة الجباية
تحول اقتصادي في سياق فراغ سياسي
البحث عن روافع للعبة السياسية

يمر الاجتماع السياسي الأردني بمرحلة تحول بنيوي تعيد تشكيل الحياة العامة، لكن من مدخل اقتصادي بحت، ودون وجود رؤية وطنية مفهومة توضح طبيعة اللحظة التاريخية وما بعدها.

بل على النقيض من ذلك، بينما تفرض التحولات الاقتصادية الجديدة نمطاً مغايراً من العلاقات السياسية بين الدولة والمجتمع، لا تزال الحياة السياسية تصر على المضي وفق المعادلة القديمة على وقع الشروط الاقتصادية السابقة.

النمط السياسي القديم لم يعد قادراً على التحكم بمخرجات المعادلة الاقتصادية، وسيولّد العديد من الأزمات والاختناقات السياسية والاجتماعية إلى حين بناء قواعد جديدة للعبة السياسية، سواء تمّ ذلك من خلال عملية انتقال منظمة ومدروسة أم من خلال عملية عشوائية تنتج عن التضارب والصراع بين القوى المختلفة.

دولة الرعاية والتقاسم الوظيفي

"
التقاسم الوظيفي بين الأردنيين من أصول أردنية وفلسطينية مع هيمنة دور القطاع العام سياسياً واقتصادياً، شكّل بنية الاجتماع السياسي الأردني خلال المرحلة السابقة، وصاغ طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع
"
لحظة التحول السياسية السابقة التي حكمت الحياة السياسية الأردنية خلال العقود الثلاثة السابقة بدأت مع فترة السبعينيات من القرن المنصرم، على أثر الصراع السياسي والعسكري بين الجيش الأردني والمنظمات الفلسطينية.

فقد أدى إلى رسم شكل العلاقة بين الدولة والمواطنين، فاعتمدت الدولة بصورة كبيرة في مؤسساتها السيادية وأغلب الدوائر الحكومية، على "الأردنيين من أصول أردنية"، بينما اتجه "الأردنيون من أصول فلسطينية" إلى القطاع الخاص، بصورة عامة.

تزامنت تلك المرحلة مع نمو عوائد الثورة النفطية الخليجية التي انعكست على الأردن بصورٍ شتى، في مقدمتها المساعدات المالية التي تضاعفت خلال الحرب العراقية-الإيرانية في الثمانينيات، ومن خلال توفير فرص للعمالة الأردنية في الخليج، وحصول الأردن على منح نفطية عراقية تسد احتياجاته من المحروقات وتعفيه من فاتورة كبيرة.

واتخذت الدولة سياسات أبوية أدت إلى تضخم أجهزتها والقطاع العام بصورة كبيرة، وتولي الدولة إدارة العديد من المجالات الاقتصادية وخلق فرص عمل واحتضان للأردنيين من أصول أردنية وتوفير غطاء اقتصادي لشريحة واسعة من المواطنين، ما ساهم بصورة أساسية في بناء طبقة وسطى من موظفي الدولة، اعتماداً على عوامل سياسية لا اقتصادية.

هذا التقاسم الوظيفي بين الأردنيين (من أصول أردنية وفلسطينية) مع هيمنة دور القطاع العام سياسياً واقتصادياً، شكّل بنية الاجتماع السياسي الأردني خلال المرحلة السابقة، وصاغ طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع.

فقد اتسمت بنمط "العلاقة الزبونية" التي تكتسب فيها الدولة "شرعيتها الواقعية" من خلال تقديم الغطاء الاقتصادي والخدمات الرئيسية للمواطنين، مع دعم السلع الرئيسية والمحروقات وتوفير الخدمات بأسعار تناسب الشريحة العامة من المواطنين.

أول بالون اختبار حقيقي لنمط "العلاقة الزبونية" بين الدولة والمجتمع كان مع وقوع الأردن في أزمة اقتصادية خانقة تجلت في انخفاض قيمة الدينار الأردني في النصف الثاني من الثمانينيات، فاستعانت الدولة ببرنامج "إصلاح اقتصادي" لم يدم طويلاً بسبب أحداث تمرد واسعة في مدن الجنوب الأردنية.

من العلاقة الزبونية إلى دولة الجباية

"
جماعة الإخوان المسلمين لم تقم بدور ملحوظ ورئيسي في الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، بل كانت حدة الاختلاف بينها وبين الحكم تأتي على خلفية قضايا سياسية، بصورة خاصة على علاقة بالتسوية النهائية والقضية الفلسطينية
"
في بداية التسعينيات، أعاد الحكم الأردني الالتزام مع المؤسسات الاقتصادية الدولية ببرنامج للتحول الاقتصادي، لكن بخطوات مترددة وبطيئة، نجم عنها توتر في علاقة الحكم مع "الأردنيين من أصل أردني" الذين بدؤوا يشعرون بانكشاف غطاء الدولة عنهم في مجالات إستراتيجية في مقدمتها ضعف فرص العمل التي بات من الصعوبة توافرها في مؤسسات الدولة، بالتوازي مع ضعف قدرة الطبقة الوسطى في الدولة على الصمود والبقاء في ظل تراجع قيمة مداخيلها الاقتصادية بصورة عامة، وترافق ذلك مع بداية صعود ونمو غير متوازن للقطاع الخاص، واتساع طبقة وسطى تتكون -في الأغلب- من "الأردنيين من أصول فلسطينية".

شكّلت أحداث ما سمي بـ"انتفاضة الخبز" في مدن الجنوب عام 1996 والتي تخللتها عمليات تمرد ومواجهات بين الجيش والمتظاهرين الغاضبين من الظروف الاقتصادية واستجابة الدولة لشروط صندوق النقد الدولي.. إنذاراً آخر حول الأزمة في علاقة الدولة مع المجتمع، بخاصة أن هذه الأحداث انطلقت أيضاً من مدن الجنوب التي تمتاز تقليدياً بالولاء للحكم.

ولعل رصد فترة التسعينيات التي شهدت درجات أولية من التحول الاقتصادي، يشير إلى أن نمط المعارضة السياسية الرئيسية في البلاد تشكل من جماعة الإخوان المسلمين التي تحظى بنفوذ واسع من "الأردنيين من أصول فلسطينية" وتلتزم باللعبة السياسية.

لكن الجماعة لم تقم بدور ملحوظ ورئيسي في الاحتجاج على الأوضاع الاقتصادية، بل كانت حدة الاختلاف بينها وبين الحكم تأتي على خلفية قضايا سياسية، بصورة خاصة على علاقة بالتسوية النهائية والقضية الفلسطينية.

في المقابل برزت حركات احتجاج وتمرد داخل أوساط "الأردنيين من أصول أردنية"، ومن ذلك صعود الحركة "السلفية الجهادية" -التي تُكفّر الدولة ومؤسساتها- في مدن ومناطق أردنية، مع بروز شخصيات أردنية تُقدّم سقفاً مرتفعاً من النقد السياسي، كما هي الحال مع ليث شبيلات وتوجان فيصل، ومحمود العواملة الذي تمّ اغتياله على يد قوات أمنية عام1995، في حالة فريدة وغامضة في التاريخ السياسي الأردني.

تحول اقتصادي في سياق فراغ سياسي

"
التحولات الاقتصادية لم تؤد إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية، فبدا المشهد العام وكأننا أمام تحولات اقتصادية ثقافية اجتماعية بنيوية في سياق حالة من العجز والضعف السياسي، أصاب حتى المؤسسات السياسية الدستورية
"
مع بداية عهد الملك عبد الله الثاني نهاية عام 1999، بدا واضحاً توجه الملك الجديد نحو الاهتمام بالشأن الاقتصادي بصورة خاصة، والمضي قدماً في برنامج "الإصلاح الاقتصادي" على قاعدة إحلال القطاع الخاص محل الدولة في إدارة الحياة الاقتصادية وخلق فرص عمل، مع بدء الدولة بالتحلل من التزاماتها الاقتصادية بصورة كاملة، بما في ذلك دعم المحروقات وخلق فرص عمل ودعم السلع الأساسية، بل واكتفاء الدولة بدور الجابي (تحصيل الضرائب).

هذا التحول شهد تسارعاً كبيراً وملحوظاً في الآونة الأخيرة، تجلّى في إقرار مجلس الأمة الأردني مؤخراً لموازنة عام 2008 التي تخلو من دعم الدولة للمحروقات والسلع الأساسية، وتترك المواطن في مواجهة تحولات السوق مباشرة.

لكن في ظل معدل تضخم مرتفع وترهل في القطاع العام وارتفاع نسبة البطالة واتتشار جيوب الفقر، بصورة خاصة في المحافظات والمناطق، مما أنتج ملامح أزمة "المركز والأطراف" لكن بصبغة سياسية-ديمغرافية، إذ تشكل المحافظات البعيدة -وخاصة في الجنوب- الأغلبية الأردنية التي بدأت تشعر بحالة من الاغتراب السياسي والحرمان الاقتصادي وفجوة في العلاقة مع الدولة.

التحولات الاقتصادية لم تؤد إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية، فبدا المشهد العام وكأنّنا أمام تحولات اقتصادية ثقافية اجتماعية بنيوية في سياق حالة من العجز والضعف السياسي، أصاب حتى المؤسسات السياسية الدستورية (الحكومة والبرلمان) في حين تسيطر مؤسسات الظل (الديوان الملكي والأجهزة الأمنية) على مفاصل اللعبة السياسية، وهذا وذاك أديا إلى فراغ سياسي كبير.

في المقابل، تبدو القوى السياسية والحزبية وقد أصابتها حالة من التكلّس والجمود السياسي، وعدم قدرة على التقاط التحولات الاقتصادية ومخرجاتها وبناء مقاربات سياسية في الاستجابة لها وتمثيل مصالح شرائح واسعة من المجتمع، تجد نفسها مكشوفة أمام سياساتٍ اقتصاديةٍ بُنيت وفق منطق "ليبرالي" متطرف، يراعي جذب الاستثمار ومصالح أصحاب الشركات ورؤوس الأموال بالدرجة الأولى، في سياق تحالفٍ مبطّن بين قيادات سياسية نافذة وبين رأس المال جرى خلاله تكييف التشريعات والسياسات الاقتصادية على مقاسات محددة تنسجم مع هذا التحالف.

البحث عن روافع للعبة السياسية
تبدو المفارقة أنّ مؤسسة الحكم وهي تعاني من تآكل قاعدتها الاجتماعية التقليدية التي تتشكل بصورة أساسية من الأردنيين من أصول أردنية، بفعل ترهل القطاع العام وتراجع أهميته ونهاية عهد الدولة الرعوية ومنطق العلاقة الزبونية.. لم تستطع اكتساب قاعدة اجتماعية أخرى.

"
الشعور بالفراغ السياسي لم يكن غائباً عن تخطيط وقراءة مؤسسة الحكم، لكن التعامل معها اتسم بالمحدودية واستخدام إستراتيجيات مجرّبة ومستهلكة، عبر خلق هياكل سياسية موالية تحتضنها الدولة تحاكي نموذج حزب الدولة في النظم التوتاليتارية السابقة!
"

بل لا تزال علاقتها مع "الأردنيين من أصول فلسطينية" تعاني من أزمة بنيوية عميقة تجلّت في مجالات متعددة، أولاً إمساك الأردنيين بالمناصب الرسمية العليا، وبقاء المؤسسات السيادية بأيديهم، ووقوف "الحرس القديم" ضد زيادة مساحة التمثيل السياسي الفلسطيني في الدولة، بذريعة الخوف من مشروع توطين الفلسطينيين وإعادة تشكيل هوية الدولة السياسية، وهو هاجس شديد يسيطر على شريحة واسعة من الأردنيين من أصول أردنية.

على الجهة المقابلة، فإن الأزمة السياسية البنيوية التي تعاني منها مؤسسة الحكم، انعكست على العلاقة مع جماعة الإخوان المسلمين النافذة في أوساط الأردنيين من أصول فلسطينية، وتمثل الوجه السياسي للطبقة الوسطى الفلسطينية.

وقد واجهت الجماعة التيار اليميني-الأمني الذي صاغ الإستراتيجية الحالية في مواجهة الجماعة بهدف إضعافها وإعادة هيكلة دورها السياسي والاجتماعي، على خلفية سؤال العلاقة الأردنية الفلسطينية من جهة، وسؤال البديل الإسلامي من جهة ثانية، وأزمة العلاقة مع حركة حماس من جهة أخرى.

الشعور بالفراغ السياسي لم يكن غائباً عن تخطيط وقراءة مؤسسة الحكم، لكن التعامل معها اتسم بالمحدودية واستخدام إستراتيجيات مجرّبة ومستهلكة، من خلال خلق هياكل سياسية موالية تحتضنها الدولة، تحاكي نموذج "حزب الدولة" في النظم التوتاليتارية السابقة!

ومن أمثلة ذلك هيئة "شباب كلنا الأردن" أو "التيار الوطني الديمقراطي" الذي يمتلك الآن أغلبية نيابية بقيادة عبد الهادي المجالي، إلاّ أن هذه الهياكل لا تستند إلى رؤية سياسية ولا روافع اجتماعية متينة.

فضلاً عن أنها تحت تصرّف السلطة السياسية، فهي مهددة بالانفراط أو الجمود بأية لحظة، وبذلك لا يمكن أن تكتسب زخماً سياسياً شعبياً يشكل روافع اجتماعية حقيقية للعبة السياسية.

أبرز تجليات أزمة الحياة السياسية تتبدى في البرلمان الحالي إذ يتشكل من واجهات عشائرية لا تمتلك خطاباً سياسياً واضحاً، وشخصيات سياسية محسوبة على مؤئولين بارزين في الدولة، ومن رجال أعمال لا يعكسون مصالح القطاع الخاص ودوره السياسي، بقدر ما يمثلون مصالح خاصة وتحالفاً مع السلطة.

أما الصبغة السياسية فتغيب بصورة سافرة عن البرلمان، ويبقى موقع المعارضة فيه شاغراً، وتتجذر الصورة الشعبية عن دوره السلبي، وهو ما يظهر في استطلاعات الرأي بوضوح خلال السنوات الأخيرة.

الحكومة الأردنية حرصت على تمرير موازنة عام 2008، وعملية الدعم عن المحروقات وما ينتج عنها من ارتفاعات فلكية في مستوى المعيشة مع العمل على تجنب حدوث احتجاجات اجتماعية واسعة كما حصل في مراحل سابقة، واستعانت لتمرير هذه المرحلة بحملة إعلامية وسياسية واسعة، وقد حققت الحكومة نجاحاً تكتيكياً على المدى القريب.

لكن على المدى البعيد هنالك علامات استفهام كبيرة حول تحولات العلاقة بين المجتمع والدولة لا تستطيع الإجراءات الأمنية والإجرائية المحدودة الإجابة عليها.

"
إذا بقي المسار السياسي يتراجع واللبرلة الاقتصادية تتقدم فإن المخرجات الرئيسية ستكون ليس فقط تجذير الفجوة بين المجتمع والدولة، بل زيادة مساحة التوتر الاجتماعي وما يمكن أن ينتج عنها من أزمات بنيوية
"
فلو كانت التحولات الاقتصادية البنيوية تتم على قاعدة الانفتاح السياسي لأمكن احتواؤها وبناء قوى سياسية فاعلة تعكس مصالح الشرائح الاجتماعية المختلفة وتمثلها ضمن مؤسسات الدولة، ما يشكل أحد أعمدة الحماية للعبة السياسة وقدرتها على احتواء النزعات والنزاعات السياسية المختلفة واحتوائها ضمن المساحة السياسية، والحيلولة دون جمود اللعبة السياسية وخروج تلك الانفعالات الاجتماعية منها في صورة حركات احتجاج أو تمرد أو جماعات راديكالية.

فالأفق الوحيد في تجاوز أزمة الاجتماع السياسي الأردني يكمن في أن يتوازى الإصلاح الاقتصادي مع إصلاح سياسي يكفل أولاً اتساع قاعدة اتخاذ القرار، ومشاركة أكبر في تحمل المسؤولية والتداعيات الناجمة عن التحولات البنيوية في الدولة والمجتمع، ويؤدي ثانياً إلى إجراء تعديلات على برنامج الإصلاح الاقتصادي تعكس الموازنة بين مطالب الطبقة العامة والوسطى ومصالحهما وبين ضرورات وشروط الإصلاح الاقتصادي، ما يمنع احتكار تحالف السلطة ورأس المال لمخرجات اللعبة الاقتصادية والسياسية، وهذا بدوره يخدم مصالح هذا التحالف ويهدد الأمن الاجتماعي والاقتصادي على المدى البعيد الإستراتيجي.

بلا شك، فإن تعريف ملامح الإصلاح السياسي في الأردن ليس بالأمر اليسير نظراً لتعقّد المعادلة السياسية الداخلية، إلاّ أن هذا لا يمنع من البناء على "الحد الأدنى" من التوافق على برنامج الإصلاح السياسي، وهو ما يمكن أن نجد مقوماته في مشروع "الأجندة الوطنية" الذي تم تجاهله سابقاً، خاصة فيما يتعلق بإصلاح الحياة السياسية.

أما إذا بقي المسار السياسي يتراجع واللبرلة الاقتصادية تتقدم فإن المخرجات الرئيسية ستكون ليس فقط تجذير الفجوة بين المجتمع والدولة، بل زيادة مساحة التوتر الاجتماعي، وما يمكن أن ينتج عنها من أزمات بنيوية تهدد بتفكك المجتمع وبروز "حركات احتجاج" عنيفة.
ـــــــــــ
كاتب أردني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك