فاضل الربيعي

فاضل الربيعي

- ولد في بغداد عام 1952 - عمل في سنوات شبابه في الصحافة العراقية والعربية - يعمل اليوم باحثا ً متفرغا ً في المركز العراقي للدراسات الإستراتيجية بعمان وخبيرا ً في مركز دراسات الوحدة العربية- بيروت

وصف أحد المعلقين الإيرانيين البارزين، زيارة الرئيس محمود أحمدي نجاد لبغداد بأنها فصل جديد في العلاقات الإيرانية العراقية، وهذا صحيح وحقيقي تماما، ولكنه نسي أن يضيف أنها كذلك فصل جديد في العلاقات الإيرانية الأميركية، إذ ما كان لها أن تتم بأي حال من الأحوال، لولا أن الأميركيين كانوا يتحرقون شوقا لها، أكثر من أصدقائهم العراقيين، وربما أكثر حرصا منهم لأن تجري بأفضل ما يمكن من الظروف.

"
زيارة أحمدي نجاد بالفعل زيارة تاريخية لأنها ساهمت في كتابة فصل جديد بالعلاقات مع الأميركيين قد يتضمن الموافقة على حل يشبه الحل الكوري لمشكلة البرنامج النووي
"
وهذا حقيقي تماما، أيضا وينسجم مع الوقائع التي سبقت موعد الزيارة، حين اتفق الطرفان الإيراني والأميركي على تأجيل جولة من المحادثات بين الطرفين، كانت مقررة في بغداد وتم إرجاء موعد عقدها إلى وقت لاحق، يكون بعد عودة نجاد إلى طهران.

لهذا السبب، ومهما كابر أصدقاء إيران الثوريون في المنطقة، ومهما سعوا إلى كتم مشاعرهم الحقيقية، فإن "الزيارة التاريخية" كانت في النهاية، ومن هذه الزاوية وحدها، نتاج "اتفاق إيراني أميركي" على الفصل الجديد من العلاقات.

وهي لهذا السبب وحده أيضا، ستبدو محرجة وربما صادمة لوجدانهم السياسي ولشعاراتهم ومتعارضة كليا وبكل المقاييس مع أفكارهم وتصوراتهم التقليدية عن الدور الثوري الذي تلعبه إيران على صعيد "قيادة مشروع مقاومة الهيمنة الأميركية" بل ولتصوراتهم النمطية عن انفراد طهران بلعب هذا الدور، من حيث عجز عنه العرب شعوبا وحكومات.

وقد يكون مشهد استعراض الحرس الرئاسي في مطار بغداد، ثم الموكب المهيب الذي قاد أحمدي نجاد إلى قلب المنطقة الخضراء، من بين المصادر المباشرة لهذا الحرج أو الشعور بالصدمة، ففي خاتمة المطاف، وشاء المصدومون أم أبوا، سوف يصعب نكران حقيقة أن الرئيس "الثوري" الإيراني شق طريقه مبتسما نحو "القلعة الأميركية" في قلب بغداد.

وبالطبع، فهو لم يدخلها دخول الفاتحين كما خُيل لبعض "الثوريين الرومانسيين" بل دخلها باحثا ومفتشا عن مخرج من العزلة الخانقة، ومن دوامة البقاء طويلا "خارج القلعة".

لذلك، ومهما قيل عن أهدافها، فقد كانت الزيارة بمثابة الكيلومتر الأول الذي كان يجب على إيران قطعه، إذا ما رغبت بالاندماج في النظام الإقليمي الجديد والانضمام إلى دوله "الطيبة والمتعقلة".

وليس ثمة مكان أكثر أهلية لاختبار إمكانية الاندماج، وإمعان النظر في معالم الطريق التي يمكن أن يؤدي إليها الكيلومتر الأول من زيارة بغداد ودخول "قلعتها الأميركية الحصينة" ولقاء الأصدقاء.

ومن هذا المنظور وحده، فإن أكثر ما يجب أن يلفت النظر في وقائع زيارة نجاد "التاريخية" لبغداد، أنها مثلت أول تعبير عملي عن المدى الذي يمكن أن تذهب فيه "الخمينية الجديدة" الصاعدة في إيران، والحدود التي يمكن أو يجب أن تتقدم نحوها دون تردد، من أجل ترتيب أوراق طهران استعدادا لمواجهة استحقاقات المرحلة المقبلة من الصراع على حدود دورها الإقليمي واستطرادا ملفها النووي.

ويبدو أن الزيارة التي حظيت برضى الأميركيين وتشجعيهم، كانت تعبيرا صريحا عن هذا الاستعداد.

ومن غير شك فإن "المصدومين وجدانيا" من الزيارة، سوف يواصلون تشبثهم بفكرة زائفة مفادها أن إيران "الخمينية الجديدة" لن تقطع حبالها مع ماضيها الثوري وماضي الخمينية بوجه أخص، وستواصل برغم ما سببته من حرج لأصدقائها، رفض الاندماج في النظام الإقليمي، أو التقدم مترا واحدا على طريق تحويل هذا الاستعداد إلى حقيقة على الأرض.

وكما أن الثوريين في التاريخ -كما برهنت الكثير من التجارب- غالبا ما يُصابون بداء "الأوهام الصغيرة" ويعاندون حقائق الواقع، فإن أصدقاء طهران سوف يكتشفون عاجلا أو آجلا، أن إيران "الخمينية الجديدة" أكثر واقعية منهم، ومن "إيران الخمينية القديمة" نفسها، وأن خدع التاريخ ومجريات وقائعه القاسية، هي التي تفرض على الثورات، لا التفكير بانتهاج سياسات أكثر براغماتية، ولا الكف عن التصرف بعقلية الثورة وحسب، وإنما الابتعاد كذلك عن تراثها.

"
لم يكن نجاد خمينيا متشددا قبل الثورة، بل كان على العكس مقربا من جماعة شيعية مناهضة لفكرة الإطاحة بالشاه تدعى الحجتية تعمل من منطلق فقهي على منع أي محاولة لمصادرة دور الإمام المهدي المنتظر أو النيابة عنه
"
وبعيدا عن كل ما قيل ويُقال عن أهداف الزيارة، فإن من بين أكثر أهدافها حيوية وأهمية أنها كانت مناسبة شديدة الاستثنائية لإطلاق "إستراتيجيات" إيران الجديدة هذه، والتي ستقوم من الآن فصاعدا على المزاوجة بين خطاب ما بعد الثورة وبين السلوك البراغماتي للدولة، وستصبح الثورة مجرد مخزن ذكريات مفتوح، بينما تغدو الدولة أكثر فأكثر، أشبه بتلميذ طيب يقف في طابور طويل بانتظار دوره في امتحان الاندماج الإقليمي، وليتقبل دون كثير جدال حقيقة المتغير العالمي لعلاقات القوة.

لقد اختارت طهران بعناية تامة أرض عدوها القديم العراق، لتكون هي المكان الذي يجب فيه اختبار ردود الفعل على إعلان هذه الإستراتيجيات.

وكعادتها في استخدام الجمل الثورية الصاخبة فقد روجت طهران قبل وأثناء الزيارة، لفكرة ساخرة تقول إنها تمثل أكبر تحد للإدارة الأميركية، وهذا بالمطلق غير حقيقي ولا يمكن تصديقه.

ومع ذلك، فإن زيارة أحمدي نجاد أصبحت بالفعل زيارة تاريخية لأنها ساهمت في كتابة فصل جديد في العلاقات مع الأميركيين، قد يتضمن الموافقة على حل من نوع ما لمشكلة البرنامج النووي.

والمعلومات المسربة من طهران وبغداد تحدثت عن نقاش جرى في أوقات مختلفة مع الأميركيين حول "حل كوري" أي حل شبيه بالحل الذي توصلت إليه واشنطن مع كوريا الشمالية، وجرت بمقتضاه مبادلة البرنامج بسلة حوافز.

ولذلك يجب أن لا يبدو أمرا مخالفا لكل التوقعات، أن تجد "الخمينية الجديدة" نفسها وفي شروط الاضطرار، مستعدة للتفاوض مع الأميركيين انطلاقا من العراق، على حدود دورها الإقليمي ولكن بعد تقليم أظافرها النووية، ذلك أن طهران تدرك أن علاقات القوة ستحول دون الجمع بين الملف النووي والدور الإقليمي.

في الواقع، لم يكن الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد بخلاف ما يعتقد الكثيرون "خمينيا" متشددا في أي وقت قبل ثورة فبراير/شباط 1979 التي أطاحت بشاه إيران.

على العكس، كان مقربا من جماعة شيعية نشطة، مناهضة لفكرة الإطاحة بالشاه تدعى "الحجتية" بقيادة الشيخ الحلبي، وكانت معادية على طول الخط للخمينية، وتعمل من منطلق فقهي فلسفي خاص على منع أي محاولة لمصادرة دور "الإمام المهدي المنتظر" أو النيابة عنه في المهام الدنيوية.

وفي الكثير من الحالات سعت الحجتية إلى قطع الطريق أمام كل الجماعات الشيعية الأخرى التي نادت بإسقاط الشاه، وجادلتها فقهيا وبقوة معترضة على أي خط جهادي يحرف طريق الحق.

لقد آمن نجاد في مطلع شبابه بهذا التيار، وكان وعيه السياسي للعالم يتشكل انطلاقا من الإيمان العميق بأن هذا النوع من الواجبات التاريخية ليس من اختصاص البشر، بل هو تكليف إلهي ومن اختصاص الإمام المهدي المنتظر.

وكان أمرا متوقعا، مع تطورات الأحداث المتسارعة في إيران الشاه منذ شتاء 1978 أن تصطدم الحجتية مع الخمينية، ثم أن يبلغ هذا الصدام ذروته في الأشهر الأولى من الثورة، حين تعالت الأصوات المنادية بأن واجب البشر الساخطين والغاضبين على الظلم يحتم عليهم انتظار المخلص لا الإنابة عنه، لأن المهدي لم ينصب أحدا للنيابة عنه.

كان فكر الحجتية على طول الخط متعارضا مع الخمينية التي قالت بالإنابة وأرست الأسس المتينة لمبدأ "ولاية الفقيه" فكريا وسياسيا وفقهيا.

"
مصالح الدولة قد تتطلب استرداد تراث الحجتية ومقاومة روح الثورة، فتتبدى الولايات المتحدة في صورة سلطة غاشمة لا طاقة لأحد بمناهضتها بل عليه أن يترك المهمة للإمام الغائب
"
ولأن الثورة الجماهيرية الكبرى التي فجرها الخميني جرفت من أمامها سائر التيارات السياسية والدينية المعادية لها، كما أزاحت من طريقها كل القوى الاجتماعية التي ارتبطت بالشاه، بل أرغمت بعضها على الانخراط في الثورة، أو اختيار طريق العزلة عن الجماهير، فقد شمل هذا التحول التاريخي الهائل في المجتمع الإيراني الحديث تيار الحجتية الذي سوف يجد نفسه معزولا تماما.

وفي صيف العام نفسه وبعد أشهر فقط من نجاح الثورة شق الشيخ الحلبي مع مجموعة صغيرة من أتباعه من بينهم علي أكبر ولايتي الذي سوف يصبح وزيرا للخارجية فيما بعد، طريقهم إلى منزل الخميني، حيث أعلن بين يديه أنه "يحل تنظيم الحجتية" ويلتحق بالثورة.

في العام التالي عندما اندلعت الحرب مع العراق، وجد نجاد نفسه مع متطوعين كثيرين في جبهاتها، ويُقال إنه كان من بين أكثر هؤلاء حماسة لترويج وتبني قصة تقول إن الخميني التقى على جبهات الحرب بالإمام المهدي المنتظر.

وفي هذا الوقت من تطور شخصيته الفكرية بدا نجاد مثل زعيمه الجديد الخميني، مؤمنا إيمانا لا يتزعزع بأن "طريق القدس" تمر من كربلاء.

آنذاك، كان نجاد من بين أصغر الشباب الملتحقين بجبهة الحرب سنا، ولكنه كان من أكثرهم حماسة واستعدادا لخوضها حتى النهاية ومهما كان الثمن.

وُيقال، إنه حين سمع بعد ثماني سنوات من الحرب عبارة الإمام الخميني، وهو يصف موافقته على وقفها، بأنه أمر شبيه "بتجرع كأس السم" أصيب بصدمة وجدانية عنيفة، وبدا كما لو أنه هو وليس الخميني، منْ أُرغم على "تجرع الكأس".

لكن الشاب الذي نجا من الموت في جبهات الحرب سرعان ما شق طريقه في عالم السياسة والسلطة، وأصبح -في وقت قصير- محافظا لمدينة طهران ثم رئيسا للبلاد.

وهاهو "نجاد اليوم" يشق طريقه من بغداد إلى كربلاء، لا ليتأكد من "خدع الجغرافيا" وأن هذه الطريق الصحراوية الموحشة لم تكن توصل "نجاد الأمس" إلى القدس، وإنما ليتأكد بنفسه أن الحالم بالسير فوق ترابها الطاهر يجب أن يدرك "خدع التاريخ" أيضا، لأن مواجهة الظلم قد لا تكون من واجب البشر، وهي بالفعل فوق طاقتهم، وأنها قد تكون في الأصل من اختصاص الإمام الغائب الذي سيخرج ليملأ الأرض عدلا بعدما مُلئت جورا.

وحين تشق الخمينية الجديدة طريقها إلى كربلاء عبر المنطقة الخضراء وفي قلب "القلعة الأميركية" فإنها وبفضل محمود أحمدي نجاد، ستجد نفسها وهي تفتش عن جواب للسؤال القديم: هل يجب الدخول في صراع مكشوف مع الظالمين أم أن واجب المظلومين هو ترك المهمة للإمام الغائب؟

هذا "الحجتي القديم" الذي كان يتحرق شوقا لاحتلال بغداد من أجل زيارة كربلاء وجد نفسه يمشي في شوارعها أخيرا، ولكن مفعما بشعور غريب بأن مصالح الدولة قد تتطلب استرداد تراث الحجتية ومقاومة روح الثورة.

وحينئذ، تبدت الولايات المتحدة الأميركية في عينيه في صورة سلطة غاشمة لا طاقة له على مناهضتها، وكل ما عليه فعله، هو أن يترك المهمة للإمام الغائب.

المصدر : الجزيرة

التعليقات