راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

منذ تمكنت الدول الكبرى من غرز الخنجر المسموم في قلب أمة العرب تخلصا من العبء اليهودي النفسي والاجتماعي، وتعويقا لكل محاولات النهوض والتوحد في المنطقة، ومنعا حتى من تواصلها الجغرافي، مذ ذاك احتل موضوع الصراع مع هذا الكيان القضية المركزية التي تتمحور حولها الصراعات والتحالفات وتتمايز على أساس الموقف منها الصفوف، ويستدل من خلال الجهة التي ترفع هذا اللواء على موقع القيادة الفكرية والسياسية في الأمة.

"
الغريب أنه كلما صمدت المقاومة أكثر وطورت إبداعاتها التقنية والعملية، ازدادت دول العرب تهالكا على التطبيع مع الكيان اللقيط، سرا إذا ما أمكن الجهر، مكررة وردها الذي أدمنت عليه: استجداء السلام ممن تأسس كل فكره وتاريخه وثقافته على الحرب والتدمير
"
لقد تتابع منذ النكبة تساقط أنظمة متهمة بالخيانة وقامت أخرى بديلا عنها رافعة لواء تحرير فلسطين، ملأت الدنيا وشغلت الناس لدهر بأهازيج التحرير، حتى إذا اختبرت في الميدان فخابت ارتحل الناس عنها بأحلامهم إلى الحركة الوطنية الفلسطينية التي حملت الراية على خلفية توجهاتها اليسارية العلمانية، فسارت بالقضية أشواطا، بلورت الشعور الوطني الفلسطيني وأحيت لديه وفي الأمة آمال التحرر.

ونجحت في طرح القضية على الصعيد العالمي وفي المحافل الدولية مدرجة إياها ضمن قضايا التحرر الوطني من الاستعمار، وكانت تضحياتها جساما، إلا أن تحولات دولية وإقليمية حصلت منذ أواخر الثمانينيات زلزلت الأسس التي قامت عليها المنظمة، فتداعت قوى إسنادها، فانكشف ظهرها.

وهذا ما دفعها بشكل متسارع إلى أخطر تحول، من مشروع واضح للتحرير، على غرار كل قوى التحرر في العالم، إلى مشروع غائم لشبح "دولة"، لا يزال يتقلص حتى انحصر في كانتونات معزولة لا تعدو كونها جملة من السجون، على رأسها سلطة حارسة، وظيفتها الأساسية القيام على أمن المحتل وتقويض كل شكل من أشكال المقاومة.

وهكذا تحول جيش التحرير إلى شبكة أمنية ضخمة يتولى الاحتلال وحلفاؤه تدريبها وتسليحها وتمويلها للقيام بوظيفة الحراسة، يقاس استحقاقها للدعم والتمويل بمدى نجاحها في تقديم الحماية للاحتلال ومستوطناته السرطانية -دائبة التمدد- وتقويضها لكل مشروع أو محاولة للمقاومة.

وعلى قدر ذلك يحدد الاحتلال نوع الامتيازات التي تقدم لرؤسائها وأسرهم في التنقل وفي فرص الإثراء ولو من طريق استيراد الإسمنت لبناء المستوطنات.

كان من الطبيعي في مناخ صعود صحوة الإسلام ووصول المشروع الوطني بقيادة منظمة التحرير إلى حالة الانسداد التام واستشراء الفساد في القادة أن تنتقل راية التحرير إلى الأيدي المتوضئة التي فجرت الانتفاضة الأولى والثانية وأفصحت تربيتها الإيمانية عن مستويات فدائية أسطورية عززتها خبرات تقنية راقية، نجحت في تطوير أدوات للمقاومة هزت ولا تزال دولة الاحتلال وشعبها وجيشها "الذي لا يقهر" في العمق.

لقد غدا الأمر في فلسطين على قدر كاف من الوضوح، التمايز بين قوى المقاومة والتحرير يتقدمهم الإسلاميون في حماس والجهاد، وبين جماعات وشخصيات كانت لها يوما ما ريادة في المقاومة إلا أنها تحولت بفعل التطورات الحاصلة إلى رصيد من أرصدة الاحتلال.

حسمت أمرها مع المقاومة، لا تتردد في وصم بطولاتها بالعبث، متخذة من التصدي لها للفوز بكلمة استحسان من مسؤول أميركي ولو من الدرجة العاشرة، ومن التفاوض مع العدو والبحث معه عن تسوية، أي تسوية، غاية المنى ومصدر الشرعية الأعلى، مولية دبرها شيئا اسمه المقاومة أو العالم العربي. فالمستقبل هناك مع الغرب وإسرائيل!

مفارقة عجيبة: يحدث هذا التهالك بحثا عن أي تسوية بينما تتفاقم أزمة الراعي الأكبر للكيان الدخيل، في العراق وفي أفغانستان وفي لبنان وفلسطين وفي الصومال وفي إيران، بفعل تصاعد قوى المقاومة ودفعها الدولة العظمى والقوى المرتبطة بها إلى أفدح الأزمات النفسية والاقتصادية والسياسية والعسكرية.

كما تتفاقم أسباب تأزم دولة الاحتلال بما حققته المقاومة في لبنان وفلسطين من إطاحة بأهم مقومات وجود الكيان الدخيل، أعني قدراته الردعية التي أرهب بها جيوش العرب.

وبدل أن ينعكس ذلك على صاحب القرار العربي فيجرؤ على رفع عينه في وجه الضغوط المسلطة عليه ويستعيد ما فرط من استقلال قراره كما فعلت دول أخرى في العالم: روسيا والصين والهند ودول أميركا اللاتينية مستفيدة من نجاح حركات مقاوماتنا في كسر شوكة قوى الهيمنة الدولية، لم نر لا سلطة عباس ولا دول العرب قد أفادت شيئا من إنجازات المقاومة، لا على صعيد العلاقة مع الكيان الدخيل صمودا في وجه إغراءاته وابتزازاته، ورفضا لضغوط حماته الغربيين لصالح التطبيع معه، ولا على صعيد دعم المقاومة الباسلة.

بل الذي حدث هو على الضد من ذلك تماما أنه بقدر ما صمدت المقاومة أكثر وطورت إبداعاتها التقنية والعملية، فحلقت عاليا في سماء الفداء والإنجاز وعشق الأوطان بقدر ما ازدادت دول العرب تهالكا على التطبيع مع الكيان اللقيط، سرا إذا ما أمكن الجهر، مكررة وردها الذي أدمنت عليه: استجداء السلام ممن تأسس كل فكره وتاريخه وثقافته على الحرب والتدمير.

ولولا الانتفاضات المتتالية والأعمال الفدائية البطولية التي أحبطت مشاريع الشرق أوسطية وكل التسويات الخادعة لكان اليوم علم المعرة والخزي لا يرفرف في ثلاث عواصم عربية فقط بل فيها كلها.

"
لا يختلف حال الأنظمة التي لم تطبع عن المطبعة كثيرا فهي ما تفتأ تحوم حول الحمى مقتنصة كل مناسبة للتعبير عن حسن نواياها تجاه دولة الاحتلال وصدقها فيما تعهدت به من استعداداتها التطبيعية غير المحدودة لولا أن الظروف غير مناسبة
"
شرعية التحرير والشرعية الديمقراطية
: تعيش الدول العربية أزمات متفاقمة معظمها يرتد إلى أزمة الشرعية، بمعنى التوافق بين الحاكم والمحكوم، فالأحزاب التي حكمت باسم شرعيتها المستمدة من قيادتها لحركة التحرر من الاستعمار قد استهلكت بعد نصف قرن من الحكم الفردي الفاسد بقايا تلك الشرعية.

وتحت ضغط المطالبات بالتغيير الديمقراطي قبلت بمسوح مفضوحة من الديمقراطية، معوّلة على الأجهزة الأمنية مصدرا فعليا للشرعية فتضاعفت في العقدين الأخيرين أعداد وميزانيات رجال الأمن في بلد مثل تونس ومصر ما لا يقل عن ستة أضعاف، مما لا يتحمل الاقتصاد الوطني عبء النهوض بتكاليفه.

فكان لا مناص من الدعم الأجنبي المالي والأمني باعتبار أن الوظيفة الأمنية لهذه الأنظمة قد تحولت إلى جزء من الوظيفة الأمنية الدولية ومصالحها في هذه المنطقة: إسرائيل والنفط.

لقد كانت اتفاقيات "كامب ديفد" التي نقلت مصر من دولة مواجهة للصهيونية إلى جزء من نظام دولي يحمي إسرائيل، في حاجة ماسة من أجل فرضها على شعب مصر وحمايتها، إلى التمويل، فلم يكن صدفة أن تتلقى مصر مليارات الدولارات من الولايات المتحدة ثمنا للتنازل عن جزء من السيادة وعن دورها القومي.

ذلك التنازل الذي يلقى مقاومة شعبية متصاعدة تقتضي مواجهتها جيشا من الأمن لحراسة النظام وتنازلاته السيادية. وكل ذلك يحتاج إلى تمويل.

ولنفس الغرض يتلقى الأردن من الولايات المتحدة كذلك مقابلا سنويا للدور الدركي الذي يقوم به بكل إخلاص في حماية الاحتلال.

كما تلقى نظام القمع في تونس من القروض والهبات ما فاق أي دولة أخرى بحساب عدد السكان، فكان أول شريك يقبل في النادي الأوروبي، وذلك في أوج سنوات القمع ضد الإسلاميين وحقوق الإنسان.

وهكذا تتفاقم أزمة الشرعية في الأنظمة العربية سواء منها تلك التي استندت إلى شرعية التحرر من الاستعمار أو تلك التي استندت إلى شرعية تحرير فلسطين بعد أن أجمعت كلها على الاعتراف بالكيان الصهيوني ووقفت على أعتابه تعرض عليه السلام الذليل، معلنة أن السلام هو خيارها الإستراتيجي الوحيد. وترجمة ذلك الصريحة إعلان الاستسلام.

وهل لمن أعلن أنه محكوم عليه بالسير في طريق واحد خيار؟ إنه ليس للعاجز عن الحرب لاسترداد حقه من حظ غير الاستسلام.

نظام عربي مطحون وطاحن: والمشكل أن النظام العربي مطحون بين غطرسة أميركية صهيونية لا تقبل بغير الاستسلام الكامل، وبين شعوبه التي يشتد التحامها بحركات المقاومة وقد جربتها، فوثقت بها، فراهنت عليها في استعادة الكرامة المنتهكة والأرض السليبة.

وهكذا يزداد وضع الأنظمة التي طبّعت مع الكيان الصهيوني حرجا، كلما تصاعدت وتيرة المقاومة ردا على وحشية الاحتلال المتنمر، فيشتد غليان الشارع وضغوطه من أجل حمل الأنظمة على تمزيق الراية الصهيونية وتطهير البلد من رجسها بينما الأنظمة عاجزة عن ذلك وقد قبضت الثمن وتخشى أن يكلها النظام الدولي لنفسها ولشعوبها. وبدل أن تستجيب لضغوط شعوبها تلجأ إلى طحنها، استجابة للإرادة الدولية.

ولا يختلف حال الأنظمة التي لم تطبع كثيرا فهي ما تفتأ تحوم حول الحمى مقتنصة كل مناسبة للتعبير عن حسن نواياها تجاه دولة الاحتلال وصدقها فيما تعهدت به من استعداداتها التطبيعية غير المحدودة لولا أن الظروف غير مناسبة.

فترى هذا يلتمس مصافحة يد صهيونية في ردهات الأمم المتحدة والآخر يختطف قبلة في جنازة والثالث ينفض الغبار عن أجداث يهودي توفي في الزمن الغابر، فيقيم له مزارا، والرابع يتغطى بغطاء الأمم المتحدة لدعوة شارون لمؤتمر ينعقد في بلاده.

كلهم يحومون حول الحمى والمشكل في دولة الاحتلال أنها من البخل والغطرسة والاحتقار لهم أن تضن عليهم بورقة توت تستر ماء وجوههم تجاه شعوبهم، فتقبل برد فتات من الحق المضيّع.

ومما يزيد وضع هذه الأنظمة سوءا أنها فشلت في الاستعاضة عن شرعية التحرير بشرعية الديمقراطية، وهو فشل يبدو محتما، ما دامت هذه الشعوب الواقعة في منطقة القلب من العالم: عبرها يتم التواصل، وفي أرضها ترقد الطاقة التي تحرك دواليب الحضارة، وفي القلب فرض الكيان الدخيل بالحديد والنار، ما دامت هذه الشعوب في تقسيمها مصلحة دولية.

فأي تحول ديمقراطي يطلق طاقات هذه الشعوب المكبلة والمحروسة بأضخم الأساطيل ليس من شأنه إلا أن يفرز أنظمة تستهدف بالضرورة حرق الخطوط الحمراء: توحيد هذه الشعوب، في دولة أمة على غرار كل القوميات الكبرى ويضع حدا لنهب الثروات ويلتحم بمشروع تحرير فلسطين. وكلها خطوط حمراء دوليا.

وعلى الضد مما أنتجته التحولات الديمقراطية في أوروبا الشرقية التي أنجبت مواليد تشبه آباءها الغربيين الرأسماليين فإن أي تحول ديمقراطي في منطقتنا ليس من شأنه إلا أن يلد أنظمة تستهدف خرق خطوطهم الحمر، وهو ما يجعل النضال الديمقراطي في المنطقة يواجه إرادة دولية وميزان قوة متغلبا.

وما حدث في فلسطين نموذج مصغر لما يمكن أن يحدث في أي قطر عربي، مما لا تزال السياسة الدولية وامتدادها الإقليمي في هم من البحث عن سبل احتوائه حتى لا تتكرر هذه السابقة.

"
النظام العربي غير قادر على مصالحة شعوبه بالاستجابة لمطالبها في دعم المقاومة وفي الحريات العامة وفي العدل الاجتماعي وفي تحقيق دولة الأمة، مع أن تلك الاستجابة لو أقدم عليها هي التي ستجدد شرعيته المستهلكة
"
الغرب ليس إلها
: وليس ذلك يعني حكما بالفشل الأبدي على عملية التحول الديمقراطي في المنطقة ما دامت مواجهة بإرادة دولية بسبب ما تهدف إليه بالضرورة من توحيد لأمة العرب وحسن توظيف لثرواتها في مشروع نهضوي وتحرير لفلسطين، وكلها خطوط حمراء.

فالغرب بزعامة الولايات المتحدة ليس إلها لا راد لقضائه وإلا ما تحررت شعوب وانهزم احتلال. وليس بعيدا عنا ما تتخبط فيه الجيوش الأميركية والصهيونية والأطلسية، وهي أعظم جيوش العالم، من خسائر واختناقات على يد المقاومة الإسلامية المتصاعدة.

وسينتهي الأمر لا محالة بانسحاب كل أجناد الاحتلال من أرض العرب والمسلمين واعتراف الغرب بأنه ليس إلها، فيقبل بشريعة العدل في علاقته بشعوبنا بدل شريعة القوة والغطرسة، ويقبل بحق شعوبنا في الديمقراطية على غرار كل شعوب الأرض.

وعندها تحكم شعوبنا بأنظمة تختارها بإرادتها الحرة فتنجز طموحها القومي في التوحد الذي تأخر -على طريق الوحدة الإسلامية والإنسانية- وتميط عنها رجس الاحتلال الصهيوني كما فعلت بعد 200 سنة مع أسلافه الإفرنج وتستعيد سيادتها على ثرواتها لتوظفها في خدمة مشروعها النهضوي.

وهكذا يبدو جليا تفاقم أزمة النظام العربي أزمة الشرعية وما تولد عنها من أزمات، بعد أن تآكلت شرعية التحرر من الاستعمار، وبعد أن فقد الاستظلال بشرعية تحرير فلسطين متهافتا على التطبيع، وبعد أن فشل في الاستعاضة عن ذلك بشرعية الديمقراطية بفعل ما يعمر شعوب هذه المنطقة من طموحات غير مقبولة دوليا.

وهذا يجعل المعادلة التي تحكم هذه المنطقة مختلفة عن المعادلة التي تحكم مناطق إسلامية أخرى مثل تركيا، سواء أحكم هناك الإسلاميون أم العلمانيون، الوضع مختلف كالموقف من إسرائيل ومن الحلف الأطلسي ومن النظام الرأسمالي.. فهل الإسلاميون المتولهون بالنموذج التركي مستعدون لتقديم تنازلات مماثلة ثمنا للحكم؟

إن النظام العربي يبدو في مأزق لا مخلص منه، فهو غير قادر، بسبب تصاعد وعي شعوبه والتحامها أكثر فأكثر مع حركات المقاومة، على الاستجابة الكاملة لما هو مطلوب منه دوليا من تطبيع ومن فتح كامل للأسواق أمام النهب الدولي الذي أخذت ثمراته المرة تتكثف غضبا شعبيا وبطالة ونضوبا للموارد الأساسية للعيش بما ينذر بمجاعات وانتفاضات لا تبقي ولا تذر.

كما أن النظام العربي غير قادر على مصالحة شعوبه بالاستجابة لمطالبها في دعم المقاومة وفي الحريات العامة وفي العدل الاجتماعي وفي تحقيق دولة الأمة، مع أن تلك الاستجابة لو أقدم عليها هي التي ستجدد شرعيته المستهلكة فيواجه الضغوط الخارجية المسلطة عليه من أجل تقديم المزيد من التنازلات.

وفي المحصلة هو أقرب إلى الاستجابة إلى ضغوط الخارج منه إلى ضغوط الداخل، وفي ذلك مصرعه. أليس ما يأتيه عباس من رفض للجلوس مع هنية، بينما يتهالك على الجلوس مع جزاري شعبه حتى قبل أن تجف أياديهم من دماء شعبه، نموذجا للسياسات المتبعة لدى إخوانه من الحكام العرب في رفض التصالح مع شعوبهم وحركاتها المعارضة الجادة وعلى رأسها الحركات الإسلامية، بينما هم يتهالكون سرا وجهرا على التطبيع.

ستظل القضية الفلسطينية معظم هذا القرن محور الصراع الإقليمي والدولي ومجال الاختبار لكل القوى والأيديولوجيا والتحدي الأكبر أمام النظام العربي المتهافت على أي تسوية.

وقد يقبل عند تعذر التسوية بأي هدنة أو تهدئة تفكك الضغوط الشعبية المتصاعدة، إذ ليست تلتقي قوى أمتنا حول قضية مثل هذه القضية المباركة الدائبة على فرز ونبذ عناصر الفساد في الأمة وتجميع وتصعيد قوى المقاومة والصلاح.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك