عبد الستار قاسم

القمة العربية السنوية على الأبواب، فماذا سينتج عنها؟ بالتأكيد لن تكون النتائج إلا متناسبة مع حجم أقطابها مجتمعين.

الأقطاب العظام يتخذون قرارات عظيمة، يعملون على تنفيذها بجد ودأب وحرص ومتابعة، والأقطاب الصغار يتخذون قرارات هزيلة خاوية لا يعملون على تنفيذها. هذه قاعدة تاريخية صحيحة تنطبق على العرب وعلى غير العرب.

"
القرارات العربية ستكون تصالحية دون أن تكون محددة المعاني، ستكون مرضية للجميع وقابلة للتفسيرات وتجنب كل نظام عربي عناء التطبيق، وستكون مرضية لكل من يشارك في صياغتها من العرب وغير العرب
"
القضايا بقدر عقول أصحابها، القرارات على قدر متخذيها، والمتابعة على قدر الإرادة، ومن كان عقله صغيرا تصغر قضاياه، ومن كان ضعيفا لا يستطيع القفز عن ضعفه، ومن كان متهتكا يعجز عن توظيف الجهود.

قمم عربية تعقد منذ العام 1964، والسيرة لا تتغير رغم الظروف التفصيلية المتباينة. أحاطت بقمة العام 1964 ظروف دعت حكام العرب إلى اتخاذ قرارات كبيرة على رأسها تحويل مياه نهر الأردن، ودعم الجهود من أجل تحرير فلسطين، لكن القرارات كانت أثقل من أن ترفعها السواعد.

وأحاطت بقمة بيروت عام 2002 ظروف مختلفة دعت الحكام العرب إلى اتخاذ قرارات هزيلة، لكن السواعد كانت أكثر هزلا من القرارات الهزيلة.

مع كل قمة عربية تستنفر وسائل الإعلام العربية خاصة الرسمية منها وتضخ الآمال في نفوس الناس وتعدهم بخير وفير قادم، وبعزة عربية طال انتظارها، ولا تكاد أسابيع تمر حتى تتبدد الآمال دون أن تعتذر وسائل الإعلام، علما بأن انعقاد القمة عبارة عن خبر وليس حدثا بمعنى أن للحدث تبعات وذيولا بينما قد لا يكون للخبر مثل ذلك.

بدأت وسائل الإعلام هذا العام 2008 الحديث عن القمة مبكرا لأن أجواء الأنظمة العربية ملبدة بالغيوم، وهي تخصص وقتا لا بأس به لجهود رأب الصدع أو تغييب الصدع مؤقتا أثناء انعقاد القمة. وربما هناك من الشعوب العربية من لم تسعفه قراءته للقمم العربية حتى الآن فينتظر بنوع من الشوق والأمل.

قمة العام 2008 لن تختلف في جوهرها ومجريات انعقادها ومضمون قراراتها عن القمم التي سبقت. سيكون هناك تأكيد على التضامن العربي وضرورة الترفع عن التنابز والأحقاد، وتأكيد على أهمية حل القضايا العربية العالقة في فلسطين والعراق والصومال ولبنان والسودان والجزائر والصحراء الغربية وجبال اليمن والجزر الإماراتية، ولكن دون الإشارة الواضحة إلى الجهة التي تملك مفاتيح الحلول.

وستكون هناك دعوة عربية تمثل آخر فرصة أمام العالم لتطبيق المبادرة العربية بخصوص فلسطين، ودعوات إلى الدفع باتجاه التقدم في مختلف مجالات الحياة وذلك باستثمار العقول والسواعد والأموال العربية.

القرارات العربية ستكون تصالحية دون أن تكون محددة المعاني والتفاصيل. ستكون قرارات مرضية للجميع وقابلة للتفسيرات العديدة التي تجنب كل نظام عربي عناء التطبيق، وستكون مرضية أيضا لدى دول أجنبية عديدة مثل الولايات المتحدة والصين وربما الأرجنتين وزيمبابوي. العبارات ستكون مطاطة، وسيبتهج بها كل من يشارك في صياغتها من العرب وغير العرب.

سنشاهد في القمة الكثير من القبلات والمعانقات والابتسامات العريضة، لكن دون أن تعبر بالضرورة عن النوايا الطيبة والقلوب الصافية والعقول المتفتحة. لكن من المحتمل أن تظهر في هذه القمة مشادات بين أطراف يتهم كل منها الآخر بالتهاون في قضايا الأمة والتعاون مع من يتربصون بالعرب.

وكالعادة، ستنقل وسائل الإعلام أحداث القمة مباشرة، وسيضطر العديد من المشاهدين العرب إلى التحول إلى القنوات الغنائية والترفيهية.

كالعادة، العرب مجتمعين غير قادرين. ربما يكون لهذه الدولة أو تلك، أو لدولتين أو أكثر قدرة على اتخاذ قرار وتنفيذه مثل الاستعداد للحرب أو العمل على الاستسلام أو محاربة ما يسمى بالإرهاب أو دعم المقاومة، لكن الجمْعة القممية العربية أعجز من أن تنفذ قرارا مهما إلا إذا تعلق بملاحقة المواطن العربي.

تنعقد القمة العربية القادمة ضمن ظروف ذاتية وموضوعية قائمة منذ سنوات طويلة حكمت على القمم العربية بالفشل، ومن الصعب أن يتوقع المرء تغييرا في نتائج القمة ما دامت الظروف الموضوعية والتاريخية نفسها هي السائدة.

من الناحية الذاتية، أرصد ما يلي:
1- الأنظمة العربية ما زالت أنظمة قمعية مستبدة مستأثرة مبذرة للأموال والثروات العربية، وهي أنظمة متحوصلة قبليا أو تسعى نحو القبلية فتجعل السلطة وراثية.

هذا النمط من الأنظمة السياسية يضع المصالح الخاصة فوق المصالح العامة، وهو نوع يقوم عليه أناس منغلقون ضيقو الأفق لا يرون أبعد من أنوفهم، وهم يلهثون فقط وراء من يثبت لهم سلطانهم فيأتمرون بأمره وينتهون بنواهيه.

"
إسرائيل لا تشكل تهديدا للأنظمة العربية رغم أنها تهدد الأمة، وحزب الله يهدد الأنظمة من حيث إن لانتصاره العسكري تأثيره على رغبة وقدرة الشعوب العربية على مواجهة الحكام
"
هذا النمط من الأنظمة يعمل على حماية نفسه وإطالة أمد حكمه، ولا يكترث بمصير الأمة إلا بالقدر الذي يتعلق بمصير حكمه.

2- الأنظمة العربية عبارة عن قبائل ترى كل قبيلة في نفسها صاحبة الأنفة والكبرياء التي تعلو على الآخرين، وهي أنظمة في منافسات حول أمراض اجتماعية ونفسية وليست في منافسات إنجازية تحقق لها العلو الحقيقي. إنها أنظمة تعاني من كل أمراض التعصب القبلي الجاهلي الذي يحتقر الآخرين ولا يترفع عن التآمر على الآخرين والحط من قدرهم. إنها أنظمة لا تمنح الثقة المتبادلة، ولا تطمئن إلى أبناء جلدتها، وهي أقرب ما تكون إلى بكر وتغلب.

3- الغالبية الساحقة من الأنظمة العربية عبارة عن أنظمة تابعة لا تختلف جذريا عن المناذرة والغساسنة. إنها أنظمة تحت الحماية المالية أو العسكرية الأميركية والإسرائيلية ولا يمكن أن تقفز عن إرادة حماتها ورغباتهم وسياساتهم.

لا يمكن لهذه الأنظمة أن تتخذ قرارات مالية أو اجتماعية أو اقتصادية أو فكرية أو أمنية أو عسكرية يمكن أن تغضب الحامي والممول، وإلا تكون قد غامرت باستمرارها. وبسبب هذه الحماية يهون على هذه الأنظمة الاقتتال الداخلي، لكنها لا تقبل الخروج عن طاعة القوى الخارجية. كرامتها تكمن في دحر الأعداء الداخليين، أما طاعة أوامر الخارج فعبارة عن حكمة وتعقل وتقية.

من الناحية الموضوعية، أرصد التالي:
1- لم تصنع الأنظمة العربية شيئا جديدا منذ القمة الأخيرة تستند عليه في اتخاذ قرارات جديدة بروح تنفيذية جديدة. العرب ما زالوا يستوردون غذاءهم من الغرب، وهم قوم لا ينتجون عامة، ولولا النفط لصعب عليهم الخروج من حياة البداوة القاسية، وهم لم يُحدثوا اختراقات علمية وتقنية يعتمدون عليها في مساعدة الذات أو التحدي أو البناء الداخلي، وهم يعانون من تخلف كبير في مختلف ميادين الحياة.

2- لم تحرز الأنظمة العربية انتصارا عسكريا على إسرائيل أو على أي عدو آخر يؤهلها للتطلع إلى مستقبل جديد. الوضع العسكري حيال التحديات الخارجية ما زال يفرض نفسه على النفسية العربية من خلال تكريس الشعور بالضعة والهوان واليأس، واللجوء إلى الماضي الذي قد يجد فيه العربي بعض العزاء.

3- ما زالت القوى الخارجية طاغية حتى الآن على القوى الذاتية، والأنظمة العربية لا ترى قوة في داخلها تمكنها من معالجة المشاكل أو مواجهة التحديات، وما زالت ترى في القوى الخارجية السيد القادر الذي بدونه يعم التيه والضياع.

الأنظمة لا ترى في نفسها قدرة على صناعة الحدث أو صناعة التاريخ، وإنما ترى في الواقع أمرا مستمرا لا سبيل لتغييره، وترى أن الذي يصنع التاريخ فقط هي تلك القوى الخارجة عن الذات.

4- قضايا الآخرين لا قضايا الأمة العربية هي التي تفرض نفسها على الأنظمة العربية. قضية ما يسمى بالإرهاب هي التي تشغل بال أغلب الأنظمة العربية، وهي توظف الكثير من طاقاتها لخوض حروب أميركا ضد الإرهاب، أما قضايا الأمة مثل قضية العراق فلا تجد الأنظمة لها متسعا.

هذا أمر منطقي من حيث إن أغلب الأنظمة العربية لا تملك أمرها وعليها أن تنصاع لسياسات سادتها.

5- واضح من خلال وسائل الإعلام العربية الرسمية أن أغلب الحكام العرب يعانون من المراهقة من حيث يستطيبون التمجيد الذاتي الكاذب، والأغاني التي تتغنى بهم وبإنجازاتهم، والاستعراضات العسكرية التي تمر من أمام منصاتهم الفخمة، إلخ.

مثل هؤلاء الحكام الذين يعيشون في القرن الـ21 إنما يحيون حياة القرون الظلامية الاستعبادية، ولا يمكن بالتالي أن يصلحوا لزمان غير زمانهم. إنهم من الماضي، ولا يمكن للماضي أن يكون حاضرا.

"
لدينا حداثة استهلاكية لكننا بدون حداثة إنتاجية، بل إن الإنتاج التقليدي يعاني من أزمات، ولدينا الكثير من الآليات الحديثة لكننا لا نملك المبادرة العلمية ولا التقنية
"
من المهم أن أستدرك بأن تطورا جوهريا قد طرأ على ساحة المنطقة، ومن المحتمل أن يحدث تغييرا على معادلات القوى والعلاقات المتداخلة.

لقد فشلت إسرائيل في حربها على لبنان عام 2006، وصمدت إيران أمام الضغوط الغربية وهي مستمرة في برنامجها النووي. وما زال انتصار حزب الله عام 2006 يتفاعل على الساحة الإقليمية من حيث الاستعداد التقني للحرب وتطوير أساليب قتالية جديدة.

أميركا وإسرائيل منهمكتان في تقييم الأمور والاستعداد والإعداد على اعتبار أن اختراقا للهيمنة الأميركية وللسيطرة الإسرائيلية قد حصل. والدولتان منهمكتان أيضا في تقييم القدرات العسكرية والعلمية الإيرانية بحثا عن سبل لاحتواء القوة الإيرانية أو تدميرها.

يبدو أن أغلب الأنظمة العربية منهمكة الآن في التعاون مع إسرائيل مباشرة أو بصورة غير مباشرة للقضاء على حزب الله، ومع أميركا لمحاصرة القوة الإيرانية المتزايدة.

هذا أيضا منطقي من حيث إن إسرائيل لا تشكل تهديدا للأنظمة العربية رغم أنها تهدد الأمة، وحزب الله يهدد الأنظمة من حيث إن لانتصاره العسكري تأثيره على رغبة وقدرة الشعوب العربية على مواجهة الحكام.

حزب الله يشكل خطرا غير مباشر على أغلب الأنظمة العربية بينما تشكل إسرائيل ضمانة لاستمرار هذه الأنظمة، ونفس المنطق ينسحب على إيران التي ترى فيها الأنظمة العربية خطرا داهما يمكن أن يقلل من النفوذ الأميركي في المنطقة.

هذا المتغير يعمق الانقسام في الساحة العربية، وإن كان من الممكن النظر إليه تاريخيا ومنطقيا على أنه إيجابي ولصالح الأمة، وهو تطور يعبر عن نضج الصراع الدائر في المنطقة الذي لا مفر سيحسم لصالح المستقبل، لأن الماضي لن يكسب المعركة لأنه قد مضى، والمستقبل يبقى للذين ينظرون إلى الأمام.

نحن العرب ما زلنا خلف التاريخ في مختلف المجالات إلا من مجال الاستهلاك. نحن لدينا حداثة استهلاكية، لكننا بدون حداثة إنتاجية، بل إن الإنتاج التقليدي يعاني من أزمات. ولدينا الكثير من الآليات الحديثة لكننا لا نملك المبادرة العلمية ولا التقنية، وإذا كنا سنلقي المسؤولية في هذا التخلف على أحد فإن الحكام الذين يجتمعون في القمة يحتلون رأس القائمة.

الحاكم الذي لم يدخل عالم الحداثة والتطوير العلمي والتحديث السياسي لا يمكن أن يكون قادرا على إدارة شؤون شعب أو أمة، ولا أن يكون مساهما في عملية البناء الحضاري.

القمة لا قيمة لها، وقد تكون آثارها سلبية من حيث إنها تسهم في تعزيز الإحباط لدى الإنسان العربي. قد لا يقوى أبناء القرن الـ21 على اتخاذ خطوات موفقة نحو التقدم والازدهار وتحرير الإنسان، فكيف إذا تعلق الأمر بأصحاب الكهوف؟
________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

التعليقات