ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

الشروط التعجيزية للحوار وأهدافها
تحالف حماس والقاعدة في القطاع
السخرية من سلاح المقاومة

في حوار له مع صحيفة الحياة اللندنية نشر بتاريخ 27/2/2008 كرر الرئيس الفلسطيني محمود عباس شروطه الثلاثة المعروفة للحوار مع حركة حماس (لعلها الأربعة في واقع الحال)، وهي العودة عن الانقلاب في قطاع غزة، الاعتراف بالمعاهدات والاتفاقات والشرعيات الدولية، الاعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب الفلسطيني (قبل إعادة تشكيلها كما نص اتفاق القاهرة 2005)، وأخيراً الموافقة على الذهاب إلى انتخابات تشريعية ورئاسية مبكرة.

ثم وجه لحركة حماس تهمة إيواء القاعدة في قطاع غزة، في ذات الوقت الذي سخر فيه من سلاح المقاومة في الضفة الغربية.

الشروط التعجيزية للحوار وأهدافها

"
شروط عباس التعجيزية للحوار هي عقاب لحركة حماس من جهة، وجرّ لها إلى مربع سياسي يشوّه صورتها وموقفها في أذهان الجماهير، بل يعيدها إلى وضع أسوأ بكثير من الذي كانت عليه قبل الانتخابات التشريعية مطلع 2006
"
من الواضح أننا إزاء شروط تعجيزية هدفها الرئيس هو رفض الحوار، وأقله تأجيله إلى وقت يمكن بعده تخفيفها مع الإبقاء على شرط العودة عن الانقلاب وقبول الانتخابات المبكرة، وربما الانتخابات في موعدها، إذا كان الموعد الطبيعي (مطلع 2010) قد اقترب بحسب تطور المفاوضات.

نقول ذلك لأن الشروط المذكورة هي عقاب لحركة حماس من جهة، وجرّ لها إلى مربع سياسي يشوّه صورتها وموقفها في أذهان الجماهير، بل يعيدها إلى وضع أسوأ بكثير من الذي كانت عليه قبل الانتخابات التشريعية مطلع العام 2006.

الأكيد أن حماس لن توافق على شروط الحوار التي يطرحها الرئيس رغم ما تعانيه في قطاع غزة، ورغم الحملة الشرسة عليها في الضفة الغربية، تلك التي تجاوزت كل الحدود باستهدافها لكل ما يمت إلى الحركة بصلة من بشر ومؤسسات.

هذا الموقف الرافض للحوار بالشروط المذكورة، وأقله المعطل لوصوله إلى نتيجة عملية، هو ما يريده الرئيس الفلسطيني على ما يبدو في هذه المرحلة التي يردد فيها في مجالسه الخاصة مقولة إن التحاور مع حماس وإعادتها إلى "حضن الشرعية" يعني وقف المفاوضات ومعها المعونات الدولية التي تقررت في مؤتمر باريس، بل وحتى العائدات الأخرى التي يتحكم بها الإسرائيليون مثل أموال الجمارك.

أما إعلانه قبول المبادرة اليمنية فيبدو في نظر البعض مناورة للخروج من مأزق الظهور بمظهر الرافض الدائم للحوار، مع العلم أن نص المبادرة على الانتخابات المبكرة لن يكون مقبولاً من حركة حماس بعد ما جرى، معطوفاً على شرط العودة عن الانقلاب، مع أن بعض الأوساط لا تستبعد أن يكون إذناً أميركياً إسرائيلياً قد توفر للشروع في شكل من أشكال الحوار لكسب الوقت، لاسيما إذا كان ثمة توجه إسرائيلي باجتياح قطاع غزة.

ليس ذلك فقط هو ما يدفع الرئيس الفلسطيني إلى وضع الشروط التعجيزية الهادفة إلى عدم العودة إلى معادلة الشراكة مع حركة حماس، إذ هناك ما هو أهم منه ممثلاً في المفاوضات السرية (العلنية) التي تجري بينه وبين رئيس الوزراء إيهود أولمرت من جهة، وبين أحمد قريع ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني من جهة أخرى، إذ يرفض الرجل أية قيود عربية أو محلية على حركته السياسية، فكيف إذا كانت قيوداً يفرضها شريك يختلف معه في برنامج الكفاح وبرنامج التسوية في آن؟!

نشير هنا إلى تقرير مهم نشرته وكالة معاً الإخبارية الفلسطينية بتاريخ 19/2 حول المفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية استندت فيه إلى تقرير للتلفزيون الإسرائيلي استطلع آراء محللين إسرائيليين.

يقول التقرير إن "عدد اللقاءات التفاوضية التي جمعت رئيس وفد التفاوض الفلسطيني أحمد قريع مع رئيسة الوفد الإسرائيلي تسيبي ليفني قد وصل 20 لقاء منذ مؤتمر أنابوليس، كما التقى رئيس السلطة أبو مازن مع رئيس وزراء "إسرائيل" إيهود أولمرت خمس مرات علنية ما يعني أن مجموع ساعات التفاوض وصلت 50 ساعة معتمدة". ونسب التقرير إلى محللين إسرائيليين "أن أولمرت وأبو مازن يطبخان الدجاجة ويخبئانها في الثلاجة لأن المائدة غير جاهزة بعد للوليمة".

كما نقل التلفزيون الإسرائيلي عن المحلل السياسي أمنون أبراموفيتش قوله "لا يعقل أن الوفدين الفلسطيني والإسرائيلي كانا يشربان القهوة أو يثرثران طوال 50 ساعة معتمدة من المفاوضات والتحضيرات الكبيرة التي رافقت ذلك"، مرجحاً أن "نتائج المفاوضات يجري إخفاؤها عن الجمهور مثلما عن القادة الآخرين حتى لا تفسد الإنجازات، لأن الوضع غير ملائم فلسطينياً وإسرائيلياً لإعلان النجاح".

"
في ظل ما يحدث على الساحة الفلسطينية من العبث أن يواصل البعض فتح ملف الحوار بين حماس وفتح في مثل هذه الأجواء، وانتظار ما سيفضي عنه مسار المفاوضات الجارية، سواء أكان اتفاقاً شاملاً أم إعلان مبادئ، أم حتى تأكيداً للمضي في برنامج خريطة الطريق
"
والسبب، بحسب ذات الرؤية، يتمثل في عجز السلطة الفلسطينية عن تنفيذ أي اتفاق، إلى جانب إمكانية انهيار ائتلاف الحكومة الإسرائيلية بعد انسحاب شاس على خلفية بحث ملف مدينة القدس الشرقية، فضلاً عن توقيع اتفاق بشأنها.

ولا  شك في أن زيارة جورج بوش القادمة في مايو/أيار المقبل هي دليل آخر على صحة هذا التحليل، إذ هل يعقل أن يأتي الرجل من دون أن يكون هناك ما سيفعله أو يعلنه.

ثم إن سقف المطالب التي يطرحها عباس وأولمرت والتناقض الكبير بينهما يفترض وقف المفاوضات وليس استمرارها على هذا النحو الذي نتابعه.

لكن الموقف يتعلق بحاجتهما إلى السرية، كل بحسب ظروفه الخاصة، فضلاً عن قناعة الرئيس الفلسطيني بأفضلية المفاوضات السرية على العلنية، مع العلم بأن صائب عريقات قد اعترف مؤخراً أيضاً بوجود مفاوضات سرية بعيداً عن وسائل الإعلام، في حين استقال عضو لجنة المفاوضات قدورة فارس احتجاجاً على تغييبه عنها.

لا يعني ذلك أن كل شيء قد غدا جاهزاً بالضرورة، فقد علمتنا التجربة الفلسطينية أن أية مفاوضات يمكن أن تنفجر في أية لحظة لهذا السبب أو ذاك، لكننا نشير إلى ذلك كي نقول إن من العبث أن يواصل البعض فتح ملف الحوار بين حماس وفتح في مثل هذه الأجواء، وانتظار ما سيفضي عنه مسار المفاوضات الجارية، سواء أكان اتفاقاً شاملاً أم إعلان مبادئ، أم حتى تأكيداً للمضي في برنامج خريطة الطريق، وتبعاً لذلك الكيفية التي ستتوافق عليها الأطراف المعنية لحل معضلة حماس في غزة.

مع العلم بأن بعض دوائر حركة فتح لا تجد أدنى مشكلة في أن تقوم القوات الإسرائيلية بإعادة احتلال القطاع وتسليمه للسلطة، فيما يروج بعضها أن الاجتياح قادم بعد وقت لن يطول، ربما بعد انتهاء فصل الشتاء الذي يشوّش عمل القوة الجوية الإسرائيلية.

في هذه الأثناء سيكون ملف منظمة التحرير وحركة فتح قد اتضحت ملامحه هو الآخر، حيث يسعى الرئيس إلى إضافة سبعة أعضاء بدل الموتى إلى اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، يقال إن سلام فياض سيكون من بينهم، وبالطبع كي تكون جاهزة لتمرير الاتفاق الموعود، ربما إلى جانب تغيير اللجنة المركزية للحركة على نحو يجعلها أكثر طواعية أيضاً.

تحالف حماس والقاعدة في القطاع
الجانب الثاني اللافت في حديث الرئيس الفلسطيني هو المتعلق بوجود القاعدة في قطاع غزة، حيث يتهم حركة حماس بمساعدتها ودعمها وإدخالها إلى القطاع، بل حتى التحالف معها، الأمر الذي يثير الكثير من التساؤلات، أولاً إزاء مصداقية الاتهام والثاني إزاء أهدافه.

يعلم الجميع أن خطاب القاعدة خلال العامين الماضيين كان مناهضاً لحماس، بما في ذلك خطاب أسامة بن لادن الذي كان يتجنب انتقاد الحركات الإسلامية، والذي لم يتورع عن القول إن "الحركة قد باعت دينها ولم تسلم لها دنياها".

"
لا هدف لتصريحات عباس بوجود القاعدة في غزة سوى تحريض الإسرائيليين على اجتياح القطاع من جهة إلى جانب تحذير الدولة المصرية من مغبة التسامح مع خروج الناس ودخولهم منها وإليها، وفي كلا الحالين ثمة تحريض على تعميق معاناة الناس
"
الأمر الذي ينطبق على أيمن الظواهري، وعلى بعض المجموعات المحسوبة على القاعدة في القطاع، كما هو حال جيش الإسلام وسواه من المجموعات الصغيرة المشابهة في ساحة تعج بالسلاح والمسلحين الراغبين في العمل في أي اتجاه كان، وخطاب "أبو عمر البغدادي" الأخير والبيان المنسوب إلى جيش الإسلام على خلفية توقيف بعض أعضائه بتهمة الاعتداء على الجمعية المسيحية في غزة يؤكدان ذلك.

والحال أن وجود القاعدة في قطاع غزة على وجه التحديد يشكل معضلة لحماس أكثر منها لأي أحد آخر، لأن غياب الأهداف الإسرائيلية القريبة في ظل السياج المحيط بالقطاع يحوّل جهد أعضائها إلى عبث داخلي يضر كثيراً بحالة الاستقرار الأمني التي تحرص عليها حماس. خلافاً لأي نشاط مقاوم في الضفة الغربية أو الأراضي المحتلة عام 48.

لا هدف لمثل هذه التصريحات في واقع الحال سوى تحريض الإسرائيليين على اجتياح القطاع من جهة، إلى جانب تحذير الدولة المصرية من مغبة التسامح مع خروج الناس ودخولهم منها وإليها، وفي كلا الحالين ثمة تحريض على تعميق معاناة الناس.

السخرية من سلاح المقاومة
تبقى النقطة الثالثة في الحوار الذي نحن بصدده، وهي تلك المتعلقة بالسلاح في الضفة الغربية، إذ ذهب الرئيس الفلسطيني إلى القول إن قصة "السلاح للمقاومة أكذوبة كبيرة لا تنطلي على أحد"، وبالطبع في سياق الحديث عن عدم إمكانية تكرار حماس لتجربة الحسم العسكري في القطاع بسبب التشدد في ملاحقة السلاح والمسلحين.

وهو كلام يؤكد المضي من دون هوادة في تطبيق المرحلة الأولى من خريطة الطريق بصرف النظر عن الثمن المدفوع في سياق الملاحقة والقمع، كما يؤكد رؤية عباس القائمة على نبذ المقاومة المسلحة (العسكرة) كخيار للفلسطينيين.

ولو كان "السلاح الشرعي" يدافع عن الفلسطينيين لمرر الناس بشكل من الأشكال هذه السخرية من المقاومة، لكن السلاح المذكور لا ينبس ببنت شفة في مواجهة الاجتياحات اليومية لمدن الضفة الغربية بينما يتفنن في ملاحقة المجاهدين وتفكيك خلاياهم ومصادرة أسلحتهم.

نحن إذن إزاء خيارات سياسية داخلية وخارجية لا تعبر بحال عن الضمير الجمعي للفلسطينيين، ولا بد أن يكون لحركة فتح موقفها الواضح منها، مع العلم أن فرضها على الشعب الفلسطيني وقواه المقاومة لن يكون سهلاً بحال من الأحوال.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك