ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

ذهب وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك إلى أن إسقاط حكم حماس في قطاع غزة هو الهدف الجوهري لعمليات الجيش الإسرائيلي في قطاع غزة، إلا أنه لم ير أن العمليات الماضية بما فيها الأخيرة (الشتاء الساخن)، كانت ستحقق الهدف المذكور، لكن العملية الكبرى ستفعل ذلك في رأيه، وهي قادمة من دون شك، موضحًا أن من يرى "أن عملية كهذه لن تكون إنما يقول أشياء على مسؤوليته".

كان باراك قد حدد لعميلة "الشتاء الساخن" التي وقعت خلال اليومين الأخيرين من فبراير/شباط الماضي والثلاثة الأولى من مارس/آذار الحالي أربعة أهداف هي: وقف نار القسام على إسرائيل، وقف التهريبات في محور فيلادلفيا، إضعاف حكم حماس بل إسقاطه، استكمال فك الارتباط عن قطاع غزة.

"
نيف: إذا كان المقصود من عملية "الشتاء الساخن" هو إسقاط حكم حماس من خلال تصفية زعمائها، فقد سبق أن صفينا الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وابن الزهار، ولكن انظروا أين حماس اليوم وأين نحن؟!
"
كوبي نيف الكاتب الدائم في صحيفة معاريف الإسرائيلية، بعد أن استعرض الأهداف المذكورة، لم يتردد في التأكيد على أن أيًّا منها ليس قابلا للتحقيق، بدليل أن كل هذا الجهد الذي يجري منذ عشرين عاما، "حقق ويحقق بالضبط النتيجة المعاكسة، وهو بالذات الذي أدى إلى تشكيل حماس، وتعزيزها وحكمها".

وأضاف أنه إذا كان "المقصود هو إسقاط حكم حماس من خلال تصفية زعمائها، فقد سبق أن صفينا الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وابن الزهار، ولكن انظروا أين حماس اليوم وأين نحن؟!"

أيًّا كان الأمر، فهذا الخلاف حول العملية الكبرى الموعودة وتفاصيلها، بل ومدى إمكانية تحقيق تلك الأهداف، لا ينسحب على موضوع الانفصال التام عن قطاع غزة، الذي يحظى بما يشبه الإجماع في الأوساط السياسية والعسكرية والأمنية، لأن العودة إلى نظام الإدارة المدنية سيعيد القطاع إلى حرب الاستنزاف ضد جنود العدو وموظفيه، كما كان الحال قبل توقيع اتفاق أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية.

وذلك فضلا عما ينطوي عليه الأمر من مسؤوليات مالية وإنسانية، وبالضرورة أعباء سياسية من حيث عودة صيغة الاحتلال المباشر ذات الصورة القاتمة على المستوى الدولي، والتي تخلص منها الاحتلال بعد أوسلو.

وهذه الأسباب هي في الواقع التي فرضت على سلطات الاحتلال عدم العودة الكاملة إلى الضفة الغربية بعد عملية السور الواقي ربيع عام 2002، مقابل الإبقاء على نظام "الاحتلال الديلوكس" أو الفاخر الذي يسمح بالدخول والخروج من دون تحمل أية أعباء تذكر، لا من الناحية السياسية ولا العسكرية ولا الاقتصادية.

كل ذلك يؤكد أن البقاء في القطاع في حال السيطرة عليه ليس واردا بحال، لأن المتفق عليه هو تسليمه لـ"السلطة "الشرعية" التي ترفض العنف وتنتهج سبيل المفاوضات.

بل إن ذلك هو في جوهره عملية إسناد للعبة المفاوضات الجارية حاليا بصرف النظر عن مخرجاتها القادمة، أكانت صفقة شاملة أم إعلان مبادئ، أم دولة مؤقتة على قطاع غزة وما يتركه الجدار الأمني من الضفة الغربية حسب المرحلة الثانية من خريطة الطريق.

ولا يعني ذلك أن تفاصيل العملية "الكبرى" أو الاجتياح الشامل قد حددت وقضي الأمر، بما في ذلك توقيتها، فالخلاف حولها لا يزال محتدمًا، وقد يؤدي إلى إلغائها في وقت من الأوقات، أو تعديل الفكرة، ولا شك أن هواجس حرب تموز اللبنانية ما زالت تسيطر على العقل الرسمي الإسرائيلي وتدفعه إلى التردد قبل اتخاذ القرار، فضلاً عن الشروع في التنفيذ، والخلاصة أن جملة من المعطيات السياسية والعسكرية هي التي ستؤثر في اتخاذ القرار وتوقيته وآليات تنفيذه.

ما يعنينا هنا هو السؤال حول سيناريو الاجتياح الشامل وما بعده في حال نجاحه، لا سيما بعد الحصول على ضمانات حول جاهزية "السلطة" للقيام بمهماتها، الأمر الذي يتعلق بالطبع بقوى الأمن التابعة لحركة فتح، والتي تجلس في انتظار الأوامر، خاصة بعد قرار السلطة حرمان من يتعاون مع حكومة حماس من راتبه ومخصصاته. وبعد ذلك سيناريو التهدئة التي تجري حوارات بشأنها في القاهرة، وما سيترتب عليها.

"
الإصرار الإسرائيلي الفلسطيني (الرسمي) الأميركي، إلى جانب العربي (المصري) على شطب تجربة حماس في القطاع، ومنع تصدرها المشهد السياسي الفلسطيني ما زال قائمًا ولم يتغيّر، وما تغيّر أو يمكن أن يتغير هو فقط تكتيكات العلاج
"
ما ينبغي التأكيد عليه ابتداءً هو أن الإصرار الإسرائيلي الفلسطيني (الرسمي) الأميركي، إلى جانب العربي (المصري تحديدًا) على شطب تجربة حماس في القطاع، ومنع تصدرها المشهد السياسي الفلسطيني ما زال قائمًا ولم يتغيّر، وما تغيّر أو يمكن أن يتغير بتعبير أدق، هو فقط تكتيكات العلاج، لا سيما علاج المعضلة الناتجة عن وجودها على رأس السلطة في قطاع غزة.

وبالنسبة لسيناريو الاجتياح، فإن الاحتمال الأول، الذي لا يمكن تجاهله بحال يتمثل في مقاومة باسلة وشرسة توقع خسائر كبيرة في صفوف العدو، تتزامن مع قصف عشوائي يوقع عدداً كبيراً من الضحايا، وهو ما يفرض وقائع سياسية وشعبية مؤثرة تفرض على الصهاينة التراجع أمام الضغوط الدولية.

التقارير الإسرائيلية حول التصدي الحمساوي لعملية الشتاء الساخن تؤكد أن هذا الاحتمال يبدو واردًا إلى حد كبير، الأمر الذي ينطبق على الردود الشعبية العربية والإسلامية على الهمجية الإسرائيلية، ومن بينها الإحراج الذي تعرضت له حكومة رام الله.

في هذه الحال ستضطر الأطراف المتآمرة على حماس أو الراغبة في التخلص من حكمها لقطاع غزة، إلى تمرير حوار فلسطيني معها يستعيد الوحدة، سواء ضمن صيغة اتفاق مكة، أو أية صيغة أخرى، وبالطبع لكي تكون المحطة التالية هي انتخابات تشريعية يمكن لفتح أن تستعيد من خلالها السيطرة على الوضع (بعد تغيير قانون الانتخابات لصالح نظام القائمة النسبية من دون دوائر)، بصرف النظر عما إذا كانت مبكرة (ترفضها حماس)، أو في موعدها مطلع عام 2010، مع العودة إلى لعبة الاستدراج القديمة بقصد التشويه، وبالطبع عبر جرجرة الحركة إلى ذات الرؤى السياسية التي اعتمدت في خطاب حكومة الوحدة، والتي تختلف إلى حد كبير عن خطاب حماس الأصيل.

في حال نجاح الاجتياح وعودة السلطة العتيدة إلى مواقعها على أنقاض كمّ كبير من الشهداء والجرحى، وبالطبع الأسرى من حركة حماس وشركائها في المقاومة، وعلى رأسهم حركة الجهاد ولجان المقاومة الشعبية، هنا سيكون السؤال: هل ستبادر قيادة فتح والسلطة إلى إطلاق يد الانتقام من حماس وقيادتها وكوادرها ومؤسساتها كما فعلت في الضفة الغربية، مع تصعيد أكبر تحكمه روحية الثأر لدى المنفذين؟

قد يحدث ذلك بالفعل، لكنه لن يشطب حركة حماس، ولعل ما يجهله كثيرون هو أن الاحتلال كان يتحكم في القطاع حتى عام 1993، وكانت حماس هي صاحبة اليد الطولى في عمليات المقاومة العسكرية بقيادة الشهيد عماد عقل ومن بعده، بما يترتب على ذلك من قمع واعتقالات، في حين كانت قيادتها رهن السجون، لكن مسلسل القمع لم يقلل من فاعلية الحركة على مختلف الأصعدة.

"
حماس واقعة بين مطرقة الاحتلال والاعتقالات الشرسة، وبين سندان السلطة واعتقالاتها واستهدافها لكل ما يمت إلى الحركة بصلة، لكن ذلك لم يغير من حقائق الواقع على الأرض سوى من الناحية الشكلية
"
أما في الضفة الغربية فكان الاحتلال موجودا حتى منتصف التسعينيات، ثم خرج جزئيا بعد ذلك، قبل أن يعود من جديد ربيع عام 2002 إثر عملية السور الواقي ومعركة مخيم جنين البطولية. وها إن حماس واقعة هذه الأيام بين مطرقة الاحتلال والاعتقالات الشرسة (للحركة ثلاثة آلاف معتقل في سجون الاحتلال يشكلون نخبة المجتمع)، وبين سندان السلطة واعتقالاتها واستهدافها لكل ما يمت إلى الحركة بصلة، لكن ذلك لم يغير من حقائق الواقع على الأرض سوى من الناحية الشكلية، ولو تنفس الموقف قليلا لعادت الأمور إلى سيرتها القديمة.

ما نريد قوله هو أن حركة لها عشرات الآلاف من الكوادر الملتزمة والمقبلة على التضحية، ولها كل هذا التجذر الفكري والديني والاجتماعي والعشائري، ولها هذا السجل الحافل من التضحيات على مختلف المستويات في القمة والقاعدة ، كما لها هذه المكانة العظيمة في قلوب وعقول جماهير الأمة لا يمكن أن يستأصلها أحد، سواء كان قوة احتلال أم خصمًا سياسيًّا يمكن أن يتقمص ممارسات الاحتلال.

نأتي إلى سيناريو التهدئة، الذي يمكن القول إن التفكير فيه قد نتج عن جملة من العوامل من بينها انتفاضة المعبر، إلى جانب الأسئلة الشائكة للاجتياح العسكري الإسرائيلي وما يمكن أن يترتب عليه، وكذلك تطور المقاومة اللافت في الضفة الغربية، لاسيما بعد عملية القدس البطولية، وقبل ذلك فشل المراهنة على انهيار الوضع في القطاع بسبب الحصار المتدرج.

ولا ينفي ذلك أن يكون للتهدئة، وربما مفاوضات التهدئة أهداف سريعة وآنية، مثل الحيلولة دون تحويل القمة العربية في دمشق إلى لقاء لمناقشة العدوان الإسرائيلي، بما يحرج "محور الاعتدال" الساعي إلى إفشالها بسبب "تعنت" القيادة السورية في الملف اللبناني.

أما الاحتمال الثاني فيتمثل في تكريس التهدئة الشاملة من أجل فتح الباب أمام الشروع في تنفيذ خريطة الطريق وصولا إلى الدولة المؤقتة، إذا لم يكن بالإمكان التوصل إلى صفقة شاملة لا تبدو مستبعدة، بل قيل إنها جاهزة أو شبه جاهزة ينتظر كل من أولمرت وعباس الفرصة للإعلان عنها، ربما أثناء زيارة بوش خلال مايو/أيار القادم.

هنا تثور أسئلة كثيرة تتعلق ابتداءً بسؤال المصالحة الداخلية بين الفلسطينيين، وما إذا كانت الموافقة الأميركية الإسرائيلية على التفاوض بشأن التهدئة بمثابة إعلان برفع الفيتو عن مبدأ الحوار مع حركة حماس، ثم ماذا سيترتب على ذلك الحوار فيما يخص القطاع وعموم الحالة الفلسطينية؟

هل يمكن لحماس تحت وطأة الحصار والحرص على فكّه من حول قطاع غزة أن تخضع لبعض شروط الرئيس الفلسطيني، ومعها شروط التهدئة، مانحة إياه بطاقة التفاوض مع الإسرائيليين، مقابل العودة إلى شكل من أشكال الشراكة القديمة القائمة على وجود في الحكومة وليس في السلطة؟!

"
مصيبة الساحة الفلسطينية لا تتمثل فقط في الانقسام الواقع بين قطاع غزة والضفة الغربية، بل الانقسام الأهم حول الموقف السياسي، وبالطبع في ظل رفض قيادة السلطة للمقاومة المسلحة، بل وحتى الانتفاضة الشعبية
"
الأهم من ذلك يتمثل في مدى التزام الطرف الإسرائيلي بالتهدئة، لا على مستوى الاغتيالات والاجتياحات في القطاع فقط، بل فيما يتعلق بالضفة الغربية أيضا. أما الأمر الذي لا يقل أهمية فيتمثل في وقف الاستيطان وإعادة النظر في موضوع الجدار الذي غاب عن أجندة القيادة الفلسطينية رغم عبثه الكارثي بجغرافيا الضفة الغربية وحياة سكانها، فضلا عن الحواجز العسكرية، إلى جانب ملف الأسرى، ومن ضمن ذلك عملية مبادلة الجندي الإسرائيلي.

نتذكر هنا التهدئة السابقة (2005) التي تحولت الفصائل الفلسطينية إثرها إلى هيئات للإحصاء؛ إحصاء الانتهاكات الإسرائيلية على مختلف الأصعدة، في حين تخصصت السلطة في التنديد بتلك الانتهاكات، مما يعني عبثية تكرار التجربة بذات الطريقة.

مصيبة الساحة الفلسطينية لا تتمثل فقط في الانقسام الواقع بين قطاع غزة والضفة الغربية، بل الانقسام الأهم حول الموقف السياسي، وبالطبع في ظل رفض قيادة السلطة للمقاومة المسلحة، بل وحتى الانتفاضة الشعبية باعتبارها سبيلا لتحصيل الحقوق، مع الإصرار على المفاوضات والكرم الدولي. وهو خيار جرّب زمنًا طويلا من دون نتيجة، ولم يمنح الخيار الثاني (المقاومة السلمية والشعبية) فرصته الحقيقية.

ولأن ميزان القوى داخل فتح قد حسم لصالح الخيار الأول الذي تدعمه الأوضاع الدولية والعربية، فليس أمام قوى المقاومة سوى التعاطي معه، ولو على سبيل المناورة في انتظار أوضاع أفضل، سواء تمثلت في فشل المفاوضات كما وقع في كامب ديفد عام 2000، أم تمثلت في غطرسة إسرائيلية مرجحة تضيف إلى التعنت التفاوضي سلسلة من عمليات القتل معطوفة على تصعيد الاستيطان.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك