الطيب بوعزة

كاتب مغربي


لا بد أن يلاحظ المتتبع للانتخابات الحزبية الأميركية الحالية تراجعا في الاهتمام بالقضايا السياسية الكبرى، وإهمالَ التركيز عليها.

"
الناخب الأميركي شاء أم أبى، أصبح مشدودا بالكاريزما الشخصية، وأصبح الخطاب الإعلامي يصوغ صورة السياسي لا بتقديم رؤيته وموقفه وبرنامجه، بل بتحديد سماته وميزات شخصيته
"
وهذا ما سجله كبار المحللين السياسيين الأميركيين، مثل اللساني الأميركي نعوم تشومسكي في تلك القراءة النقدية التي قدمها، مستحضرا تلك الملحوظة التي سجلتها صحيفة وول ستريت جورنال في مقال منشور على صفحتها الأولى بعنوان: "عام 2008 تراجع التركيز على القضايا الكبرى بسبب اهتمام الناخبين بالشخصية".

والواقع أنني أرى أن في صيغة العنوان الذي وضعه مقال وول ستريت جورنال إضمارا للحقيقة، فالسبب ليس هو اهتمام الناخبين، بل إن الصورة المخفية هي آلية اشتغال الإعلام التي تعمل على صياغة ذوق الناخب وتحويل اهتمامه على نحو قصدي.

فالخطاب الإعلامي الأميركي الذي صاحب هذه الجولات الأولية لإفراز مرشحي الحزبين الديمقراطي والجمهوري اتجه نحو تقديم شخصية المرشح لا خطابه السياسي.

فأوباما يتم تقديمه من قبل خصومه بوصفه باراك حسين أوباما، أي أنه ذلك الزنجي ذو الأصول الكينية المسلمة، ويتم تقديمه من قِبَلِ المؤسسات الإعلامية بوصفه أفضل متكلم، أي أقدر السياسيين على الخطابة! ويتم تسويق كلينتون بوصفها الشخصية النسائية القوية. أما ماكين فيقدم بوصفه صاحب التاريخ العسكري المشرّف.

وبذلك فالناخب الأميركي شاء أم أبى أصبح مشدودا إلى الكاريزما الشخصية، وأصبح الخطاب الإعلامي يصوغ صورة السياسي لا بتقديم رؤيته وموقفه وبرنامجه، بل بتحديد سماته وميزات شخصيته، وكأننا في عيادة نفسية يتم فيها الاشتغال بالروائز السيكولوجية من أجل تحديد نمط الشخصية، لا في أهم حملة انتخابية، يتم فيها اختيار رؤية سياسية سيكون لها انعكاس ليس فقط على أميركا وحدها، بل على باقي أقطار الأرض على تباعدها واختلافها!

بل إن التركيز على شخصية المرشح لم يسلم منه حتى الإعلام العربي، ففي الجزيرة نت نجد انسياقا إلى تحليل السمات الشخصية كما هو ملحوظ في مقال "من لا يحب جون ماكين؟" المنشور في موقعها بتاريخ الثلاثاء 29/1/1429 الموافق5/2/2008 حيث نقرأ:

"طبيعة شخصية ماكين نفسها، فهو شخص واثق من نفسه حاد الطباع إلى حد ما، فضل الرياضات العنيفة كالملاكمة والمصارعة في أيام شبابه، وصاحب الحسناوات، وتزوج من عائلات ثرية، وعرف بمزاجه المتقلب ولسانه السليط الذي تطاول به على الرؤساء وزملائه بمجلس الشيوخ الأميركي وقادة اليمين المسيحي المتدين.

وعرف فوق كل ذلك بشخصيته المستقلة واستعداده لمخالفة جميع أعضاء حزبه في مجلس الشيوخ إذا تطلب الأمر، وهو ما حدث في أكثر من مناسبة."

"
التنافس بين المرشحين داخل الحزب الديمقراطي كان مبنيا في خطاب كلينتون وأوباما على اختلاف وجهات نظر سياسية غير أن تركيز الخطاب الإعلامي كان يحول شعاع الإضاءة نحو الإيغال في إبراز الملامح الكاريزمية للشخصيتين المتنافستين
"
وعلى مستوى الإعلام التلفزيوني نلاحظ نفس الخطاب القائم على التحليل السيكولوجي لشخصية المرشح من قبل سياسيين ليس لهم في التحليل النفسي باع ولا ذراع!

ففي برنامج معنون بالسلطة الرابعة في إحدى الفضائيات العربية سألت الصحفية محاورها: "ذكرت صحيفة واشنطن تايمز أن عددا كبيرا من الأميركيين أصبحوا يسمون أولادهم باسم باراك أوباما تيمنا بالمرشح الديمقراطي باراك أوباما، هل هذا يعكس حسب رأيك تأثير شخصية أوباما على المجتمع الأميركي وخصوصا السيدات؟".

أجاب الضيف: "لقد صنع باراك أوباما التاريخ، ربح الانتخابات أو خسرها، رجلٌ يأتي من أصول أفريقية والده مسلم، تحدى كل تلك العوامل السلبية لمجتمع الأميركيين كان يقال عنه إنه محافظ بشخصية الكاريزماتية بجاذبيته برشاقته، بأسلوبه الجيد الرائع السلس والعفوي.

لقد كان أوباما قريبا من القلوب وقريبا من العقول أيضا، وأعتقد أنني أوجه له أكبر تحية من عالم السياسة...".

وعندما سُئِلَ عن المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون، لم تكن الإجابة مختلفة، بل انصرف إلى تحليل عاطفي سلبي، بدعوى أنها لم تدخل قلبه! وكأننا أمام عشاق يتبادلون نظرات العيون واختلاجات القلوب لا محللين سياسيين!

لننصت إليه حيث يقول:
"بشكل مختصر لا نستطيع أن نقيّم أي مرشح للرئاسة أو أي رجل سياسة إن لم يصل إلى قلب المواطنين، هكذا يقول الفيلسوف الفرنسي جان جاك روسو، ولم تصل هيلاري كلينتون إلى قلوب الرأي العام الأميركي، بالرغم من أنها كانت السيدة الأولى وأن زوجها كان رئيسا سابقا للولايات المتحدة الأميركية، قاسية التعابير، صلبة حاسمة نعم، ولكنها لم تستطع أن تؤثر بشكل إيجابي على الرأي العام الأميركي وهذا من حسن حظ باراك أوباما الشخص الجذاب والكارزماتي والبسيط والجيد".

قد يقال: إن التركيز على الشخصية أمر مقبول لأن الحملة الانتخابية الحالية هي انتخابات حزبية، أي سباق داخلي بين مرشحين ينتمون إلى الحزب ذاته، وبالتالي فالاختلاف لم يتم رفعه الآن ليكون اختلافا بين برنامجين لحزبين مختلفين! وهذا صحيح، غير أن هذا التبرير حتى لو تم استحضاره لا يمكن أن يخفي حقيقة المبالغة في التركيز على الصفات الشخصية في سياق عملية سياسية الأمر فيها أبعد من مجرد اختيار شخص، بل اختيار موقف سياسي.

"
ثمة توجيه يحكم الخطاب السياسي الانتخابي ويصوغ ذوق الناخب الأميركي حريص على استنزال مستوى الوعي السياسي الذي تم ابتذاله وتخفيض مستوى إدراكه وتحليله للواقعة السياسية، ليصبح اختيار رئيس شبيه باختيار ملكات الجمال
"
والدليل على ذلك أن التنافس بين المرشحين خاصة داخل الحزب الديمقراطي -على اعتبار الحسم المبكر في اختيار مرشح الحزب الجمهوري- كان مبنيا في خطاب كلينتون وأوباما على اختلاف وجهات نظر سياسية.

غير أن تركيز الخطاب الإعلامي كان يحول شعاع الإضاءة نحو الإيغال في إبراز الملامح الكاريزمية للشخصيتين المتنافستين.

فما هي دلالة هذا التحول في صياغة الخطاب السياسي المرافق للعملية الانتخابية الأميركية؟

إن الاستنتاج الأولي هو أن ثمة توجيها يحكم الخطاب السياسي الانتخابي ويصوغ ذوق الناخب الأميركي، وهذا إن دل على شيء، فإنه يدل على حرص على استنزال مستوى الوعي السياسي الذي تم ابتذاله وتخفيض مستوى إدراكه وتحليله للواقعة السياسية، ليصبح اختيار رئيس شبيه باختيار ملكات الجمال، أو ستار البرامج التلفزيونية التفاعلية، حيث لا يتم التركيز على الفكرة ولا على اقتدار برنامجه على أداء الوظيفة السياسية، وإنما على "اللوك" أو السمت الجسدي، والجاذبية الشخصية.

إن هذا مؤشر على أن النمط الثقافي والإعلامي الراهن قد سطح الوعي، وأفقده القدرة على التفكير والتحليل.

وهذا لا يصدق على الواقع الأميركي، بل بالنظر إلى التعميم العولمي لنمط العيش الأميركي، يمكن القول إن ثمة صياغة لكائن بشري جديد، كائن فرداني مشغول بكل شيء سوى التفكير! كائن لم تعد لديه في سلم اهتماماته أولوية ولا أخروية لشيء يسمى قضية ذات طابع عام ومصيري!

ويقال إننا في عصر سطوة الصورة وهيمنتها. لكن يبدو لي أن عصر الصورة هذا تنقصه الصور الحقيقية، إذ بفعل الفبركة الإعلامية المسبقة يتم تحويل اهتمام المشاهد من صورة الطفلة الفلسطينية إيمان الهمص المقتولة بعشرين رصاصة، فتتوارى إلى الخفاء، ليدفع بالمقابل بصورة الكاريزما الانتخابية، حيث يصبح "لوك" الرئيس أولى من الاهتمام بأي قضية أخرى.

وهكذا يجري على الألسن داخل أميركا وخارجها سؤال هام جدا: "من لديه أجمل ابتسامة: أوباما أم كلينتون أم ماكين؟".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك