حنين زعبي

أثارت وثيقة الفضائيات العربية التي اقترحتها وقدمتها كل من مصر والسعودية، وصادق عليها وزراء الإعلام العرب في القاهرة باستثناء لبنان وقطر ضجة كبيرة في أوساط الإعلاميين العرب.

"
ما جرى في اجتماع وزراء الإعلام العرب أمر غريب بشكل كامل على سلوك المجال الإعلامي في كل المجتمعات، وهو غريب حتى على السلوك الاستبدادي، ولا يمكن لتعبير استبداد أو قمع أن يشرحه
"
استهدفت الوثيقة التي حملت عنوان "تنظيم البث الفضائي في المنطقة العربية" أكثر من 400 محطة تلفزيونية عربية تدار من قبل نحو 60 هيئة للبث في الدول العربية.

الوثيقة قُدمت على أنها ميثاق شرف، لكنها لا تستطيع أن تكون كذلك؛ لأن ميثاق الشرف الذي دخل الساحة الإعلامية سنة 1952 هو ميثاق يوضع من قبل المؤسسة الإعلامية نفسها، أو مجموعة من الصحفيين بمبادرتهم الذاتية، وفيه لا يعلنون عن حدود وضوابط مهنتهم (ما لا يستطيعون تجاوزه أو التعبير عنه) بل يحددون تعريفهم لمسؤوليتهم ولطبيعة مهنتهم من جهة، ويعطون توصيفا لقواعد عملهم المهنية خاصة فيما يتعلق بمصداقية المعلومات وبحيادها عن مصالح القوى المتنفذة في المجتمع.

كما أن الوثيقة المذكورة ليست عبارة عن تشريعات وقوانين تدخل المنظومة القانونية للدول العربية الموقعة على الميثاق، والدول المختلفة تضبط العمل الإعلامي (حيث هنالك احترام لحرية العمل الإعلامي) أو تراقبه وتقيده (حيث لا احترام لحرية العمل الإعلامي) عبر قوانين رسمية.

في المقابل طورت المؤسسات الإعلامية مفهوم مواثيق الشرف لتكون ضابطا في حد ذاتها لقدرة أو لحاجة الدول لتطوير القوانين في المجال الإعلامي، إذ تعد مواثيق الشرف التي تضمن مهنية ومسؤولية الإعلام فعلا وقائيا يهدف إلى نزع الذرائع من الدولة لأن تضع هي بنفسها قوانين لضبط وتنظيم العمل الإعلامي.

ما جرى في اجتماع وزراء الإعلام العرب أمر غريب بشكل كامل على سلوك المجال الإعلامي في كل المجتمعات، وهو غريب حتى على السلوك الاستبدادي، ولا يمكن لتعبير "استبداد" أو "قمع" أن يشرحه.

ذلك أن خطورة ما حصل لا تكمن في مستوى الحريات الإعلامية، وإلا لاعتبرنا ما حصل منسجما مع تعامل الأنظمة العربية مع المؤسسات الإعلامية تاريخيا، ومع ملاحقتها للصحفيين، كسجن مصر عشرات من أصحاب المدونات في السنة الأخيرة، وكمحاكمتها لسبعة رؤساء تحرير، وكتطوير دولة مثل تونس لقائمة بمواقع الإنترنت التي تمنع عن المواطن التونسي أسوة بالسعودية.

خطورة ما حصل تكمن في مستوى بديهيات المجال الإعلامي، لأن ما حصل نسف للحدود بين ديناميكات صحفية داخلية، وبين ديناميكيات خارجة عن العمل الصحفي، ولتكن قمعية كما تستطيع.

"
ما حصل نسف لمفهوم تاريخي لما يسمى الميثاق الإعلامي الذي هو عادة ميثاق أخلاقيات، ومصادرة لوظيفته الأخلاقية المواجهة لوظيفة القانون الرقابية، واستعماله بوظيفة مناقضة لطبيعته
"
ما حصل نسف لمفهوم تاريخي لما يسمى الميثاق الإعلامي الذي هو عادة "ميثاق أخلاقيات"، ومصادرة لوظيفته الأخلاقية المواجهة لوظيفة القانون الرقابية، واستعماله بوظيفة مناقضة لطبيعته.

لقد تم القفز عن أحد أهم منجزات الساحة الإعلامية العالمية، "ميثاق العمل الإعلامي أو ميثاق الأخلاقيات الإعلامية" الذي هو بحكم تعريفه ونشأته التاريخية المتعارف عليها إعلاميا (في العالم الأول والثاني والثالث ومن ثم دول الجنوب والشمال، ومن ثم دول المركز والهامش) سلاح الصحفي أمام سلطته وقانون دولته الجائر الذي هو جزء من ديناميكية داخلية للعمل الإعلامي، وجزء من ترتيب أوراق المهنة.

وفي هذا العمل مصادرة لتلك الديناميكية الداخلية من يد الصحفي لتصبح جزءا من ديناميكية الدولة تجاه الصحفي وسلاحا بيدها يشهر في وجه الصحفي وفي وجه حرية عمله.

الخلط بين المهنة وتفصيلات قواعدها المهنية، وبين السياسة الذي أشرت إلى أنه خطر الوثيقة الأكبر، لا يكمن فقط في تطبيق الرقابة عبر استعمال انتهازي ومتخلف من قبل النظام الرسمي لـ"وثيقة مهنية"، بل يكمن أيضا في صلب بنود الوثيقة نفسها: إذ تم التطرق للموضوعية: حجر الصحفي المقدس بوصفها عدم تناول القادة أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح في نفس البند!

وهكذا تم الربط بشكل آلي وتلقائي وطبيعي بين قاعدة مهنية "تقنية" صرفة وبين أمر ومضمون سياسي صرف، بل تم تعريف قاعدة مهنية بمضمون سياسي صرف، إذ تنص النقطة الرابعة في البند السابع على "الالتزام بالموضوعية والأمانة وباحترام كرامة الدول والشعوب وسيادتها الوطنية.. كضريبة شفهية، وعدم تناول قادتها أو الرموز الوطنية والدينية بالتجريح"!

ومعنى ذلك أن الموضوعية والأمانة الصحفية تتأتى عبر وسيلة سياسية جدا ومعينة جدا، ألا وهي عدم تناول قادة الدول ورموزها الوطنية بالتجريح. وغني عن الذكر أنه لم يسبق لأدبيات أو لوثيقة مهنية أو حتى لوثيقة سياسية أن عرفت، بل بالأحرى تعرضت للموضوعية بمثل هذا الاستغلال.

بالإضافة للوظيفة السياسية الرسمية التي تنضح بها الوثيقة، والتي هي حلقة مستمرة من مسيرة ضبط الإعلام العربي بالهدف المباشر لحماية النظام، هنالك تطوران خطيران على المستوى السياسي للوثيقة.

"
كان من الأفضل أن يكتفي وزراء الإعلام العرب بمنصب وزراء للقمع بدل أن يضيفوا إليه أنهم صحفيون من درجة سادسة
"
أولا
: درجة أعلى من التكامل مع الخطاب الإعلامي الأميركي عبر تبني بنود صريحة ضد بث كل ما يشجع على الإرهاب لأول مرة بشكل رسمي، وإن ميزت الوثيقة بين ذلك وبين مقاومة الاحتلال، مستهدفة بذلك على ما يبدو أشكال المعارضة المختلفة للأنظمة العربية.

ثانيا: العودة للتشديد على السيادة الوطنية للدول القطرية في العالم العربي، وهي محاولة "غبية" ومحزنة معا للالتفاف أو بالأحرى للاعتراض على الحيز العام العربي المشترك الذي تبنيه الفضائيات العربية، على نقيض ما تحاول السياسة العربية الرسمية أن تعززه من تجزئة للواقع وللمجتمعات العربية.

ولكي نضيف عبثية ورداءة على هذا الواقع نذكر بأن الدول العربية استعملت مبدأ سيادة الدول بشدة قبل ثلاثين عاما، لكن في أروقة اليونسكو ولكي تصد الهجمة الإعلامية الأميركية التي وصفت بالاستعمارية آنذاك، ولحماية الإنتاج الإعلامي العربي وإنتاج العالم الثالث، والآن تستعمل الدول العربية نفس الادعاء لكن في وجه "الجزيرة وأخواتها" -حسب تعبير قرأته ونسيت أين- ولحماية نفسها من شعوبها، ولحماية الولايات المتحدة من "الإرهاب".

كانت الحدود ستبقى واضحة بين أسلحة الصحفي وبين أسلحة الدولة، بين ما هو حيز الصحفي المهني وبين ما هو حيز الدولة الرقابي، بين قواعد مهنة لا تستطيع الدولة النيل منها، وبين قوانين وتشريعات تطورها الدولة للالتفاف على قواعد المهنة دون أن تستطيع اختراق مسامها (كما جرى الآن، ولحد وقاحة تعريف الموضوعية)، لو اكتفى وزراء الإعلام العرب بتحويل البنود الرقابية (عدم بث مواد تحث على الإرهاب وعدم نقد قادة النظام الذي هو هدف الوثيقة الحقيقي) إلى بنود قانونية تصبح جزءا من سلطة القانون الجنائي نفسه، بدل أن يدخلوا في تعريفات المهنة نفسها.

كان من الأفضل لو اكتفوا بمنصب وزراء للقمع، بدل أن يضيفوا لهذا المنصب، أنهم صحفيون من درجة سادسة.
__________________
كاتبة فلسطينية

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك