عبد النور بن عنتر

- مواقف ظاهرها الاتزان وباطنها الانحياز
- تحالف.. تطبيع.. فتحالف
- واقع العلاقات
- سياسة إسرائيلية جديدة لفرنسا
- فرنسا على خطى أميركا؟

"تلخص هذه الزيارة ستين سنة من تاريخ إسرائيل، لعبت فرنسا خلالها دورا مهما للغاية. جئت لأقول لها شكرا (...)، لدى قيام إسرائيل لعبت فرنسا دورا رياديا. بفضلها تمكنا من حيازة أسلحة للدفاع عن أنفسنا (...) لا أعرف أي بلد آخر ساعد إسرائيل كما ساعدتها فرنسا" (شمعون بيريز/لوفيغارو، 07/03/2008).

هكذا عبر شمعون بيريز عن العلاقة بين فرنسا وإسرائيل، عشية زيارته لها.

ويعد بيريز، الذي تفاوض مع فرنسا للتخطيط للعدوان الثلاثي على مصر، أبو البرنامج النووي الإسرائيلي لأنه نجح في إقناع فرنسا سنة 1956 بتسليح بلاده بقدرات نووية.

وقد أعلمت واشنطن بهذا المشروع النووي، إلا أنها لم تعرقله شريطة ألا تصرح إسرائيل علنا بحيازتها السلاح النووي.. ومنذ ذلك الحين اكتنف النووي الإسرائيلي الغموض، وتلك هي الطريقة الإسرائيلية في ممارسة الردع الذي هو ميزة القوى النووية المعلنة.

تكمن أهمية هذا التصريح في مساهمته في الحد من مصداقية الفكرة الشائعة عربيا والقائلة باهتمام فرنسا بالحقوق العربية وانحيازها إلى القضايا العربية عموما؟ لكن ما سبب هذه الفكرة الشائعة ؟

بريق الظاهر والمتضمن الحاسم.. وقصور الرؤية العربية يتعين بسببه الاهتمام بخبايا الأمور، لأن المتضمن أو الخفي هو الذي يحدد مسارها وليس الظاهر.

فمثلا في حرب 1967 فرضت فرنسا حظرا عسكريا على إسرائيل، لاسيما فيما يتعلق بالطائرات وقطع الغيار. ويشكل قرار ديغول هذا أحد العناصر المؤسسة لأسطورة الانحياز أو التفهم الفرنسي للقضايا العربية. لكن في الواقع إمداد إسرائيل بأسلحة فرنسية استمر سريا أسابيع بعد وقف الاشتباكات.

"
الهروب من أهوال الانحياز الأميركي اللامع المظهر جعل العرب يهرولون نحو الانحياز الفرنسي الخافت المظهر، بينما التحالف البنيوي هو القاسم المشترك بينهما، والفرق الجوهري يكمن في درجة الانحياز وليس في طبيعة التحالف
"
مواقف ظاهرها الاتزان وباطنها الانحياز
تكتفي الرؤية العربية بالجزء الظاهر من موقف فرنسا ولا تهتم بخبايا علاقات التحالف البنيوية مع إسرائيل، فسقطت في فخ "سياسة فرنسا العربية"، وكأن سياسة كهذه في صالح العرب على حساب إسرائيل، رغم أن الاتزان الظاهر في المواقف لا يعني عدم الانحياز عمليا.

والمقياس الأكثر موضوعية هنا هو التفوق المطلق لالتزام فرنسا بأمن إسرائيل على أي مواقف متزنة حيال العرب، وإذا كان بلد ملتزم بأمن بلد آخر، رغم احتلاله لأراضي الغير، فهو غير متزن في مواقفه.

يأتي الخلل في الرؤية العربية من مقارنة فرنسا مع أميركا، فباريس تبدو متزنة عكس انحياز واشنطن اللامشروط لإسرائيل، ولكن مقارنة أي طرف بطرف متشدد تجعله يبدو معتدلا، أما إذا انطلقنا من قاعدة الاعتدال حيال حقوق الشعب الفلسطيني المشروعة، فإنه لا توجد أي دولة، بما في ذلك فرنسا، مهتمة بقضايا العرب.

الهروب من أهوال الانحياز الأميركي اللامع المظهر جعل العرب يهرولون نحو الانحياز الفرنسي الخافت المظهر، بينما التحالف البنيوي هو القاسم المشترك بينهما، والفرق الجوهري يكمن في درجة الانحياز وليس في طبيعة التحالف.

أما الاختلافات الطفيفة، فتمليها التجربة السياسية الوطنية (النموذج العلماني الفرنسي جعل موقف فرنسا يختلف عن الموقف الأميركي المشحون بالمعتقدات الدينية)، كذلك القرب الجغرافي جعل فرنسا تتبنى موقفا أقل تشددا في مساندة إسرائيل.

ويبدو التحالف الفرنسي الإسرائيلي أكثر متانة لقيامه على قناعة بوجود علاقة وطيدة بين فرنسا والعالم اليهودي الذي تعد إسرائيل امتدادا له، وبالتالي تحكمه قيم وقناعات سياسية وتاريخية (فرنسا هي مهد أول الحركات التنظيمية اليهودية) لا مصالح واعتبارات إستراتيجية أو معتقدات دينية.

وهذا ربما هو ما يفسر قدرة فرنسا –رغم العقدة التاريخية- على قول بعض "الحقائق" التي لا ترغب إسرائيل في سماعها، وهنا يكمن اتزان مواقفها مقارنة بالحليف الأميركي.

إن مسوِّغات ومبررات علاقة هذا الأخير بإسرائيل إستراتيجية ودينية، مما يجعلها أكثر "انكشافا" أمام إسرائيل وبالتالي أقل انتقادا لبعض سياساتها، لأن دور إسرائيل مركزي في الإستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، لكن الأمر ليس كذلك بالنسبة لفرنسا.

إن الانحياز لإسرائيل قد يختفي وراء مواقف تبدو في غاية الاتزان، فمثلا موقف فرنسا هو أن خير سبيل لضمان أمن إسرائيل هو إقامة دولة فلسطينية في حدود 1967.

ومثل هذا الموقف له دلالة على الانحياز لا على الاتزان لأن ما يهم أصحابه ليس حقوق الإنسان وحق تقرير المصير وإنما أمن إسرائيل، فهم يضخمون المخاوف الأمنية الإسرائيلية بينما يقزمون المخاوف العربية.

ويعي الغربيون عقدة الأمن لدى إسرائيل، لذا يبنون خطابهم على أساسها مما أضفى شرعية على مطالبها، ويساهمون في استمرار مفعول مقولة تدمير إسرائيل.

وإذا كان العرب عاجزين عن استرجاع أراضيهم المحتلة منذ 1967 فكيف بهم أن يدمروا إسرائيل؟ كما أن للهجة الخطاب دلالة أيضا على مدى الانحياز، إذ يستخدم الغربيون عبارات قوية جدا للتعبير عن دعمهم لإسرائيل والتزامهم بأمنها، بينما لما يتحدثون عن الفلسطينيين يكتفون بمفردات رخوة.

"
التحالف بين فرنسا وإسرائيل بنيوي وليس وقتيا، لذا فهو يصمد أمام بورصة التوترات السياسية، لأن الحد الأدنى من التضامن الإستراتيجي يبقى قائما، بل إن العلاقة بقيت قوية ومثال ذلك زيارة دو فيلبان لإسرائيل وخطابه في القدس في أوج فترة الخلاف
"
تحالف.. تطبيع.. فتحالف
العلاقة بين فرنسا وإسرائيل كانت دائما وثيقة رغم منحى الصعود والأفول الذي أخذته أحيانا، وقد بدأت حتى قبل قيام إسرائيل، لما دعمت فرنسا اليهود ضد السلطات البريطانية، وصوتت لصالح قرار التقسيم الأممي، لكنها تأخرت أشهرا معدودة عن الاعتراف بدولة إسرائيل.

وعموما يمكن تلخيص العلاقات بين البلدين في مراحل ثلاث كبرى هي: التحالف الإستراتيجي حتى 1967، التطبيع مع صعود وأفول حتى مطلع 2000، فالتحالف مجددا خاصة بعد انتخاب ساركوزي.

لا نعني بالتطبيع إنهاء التحالف لأن فرنسا بقيت ملتزمة بأمن إسرائيل، أي علاقة تحالفية، وإنما نقصد بالتطبيع إيجاد مسافة سياسية معقولة تقلل من حدة الانحياز، لكن لا تضع حدا له.

ثم إن تراخي التحالف الإستراتيجي الفرنسي الإسرائيلي تزامن مع تعاظم التحالف الإستراتيجي الإسرائيلي الأميركي (تقاسم للأدوار بين فرنسا وأميركا).

وهناك علاقة طردية بين طبيعة العلاقات الفرنسية الأميركية والعلاقات الفرنسية الإسرائيلية، إذ كلما تبنت فرنسا توجها استقلاليا عن أميركا زادت المسافة الإستراتيجية بينها وبين إسرائيل، وكلما قلَّ "تمردها" على أميركا تقلصت تلك المسافة (مثال غزو العراق: اعتبرت إسرائيل الموقف الفرنسي خيانة).

بيد أن هذه العلاقة السببية لا تنفي وجود مصالح متقاطعة بين فرنسا وإسرائيل في لبنان وسوريا وإيران والانتشار النووي عموما...

وقد تميزت المرحلة ما قبل الحالية، خاصة في فترتها الأخيرة، باضطرابات بسبب معاداة السامية، وسياسة إسرائيل حيال عميلة السلام (حصارها لعرفات ومجازر جنين ولبنان..) وهذا حتى غاية 2005.

وهنا نلاحظ الصعود والأفول في العلاقة، فمثلا نجاح الإسرائيليين والأميركيين في تحميل عرفات مسؤولية فشل مفاوضات كامب ديفد وطابا جعل الحكومة الفرنسية تتبنى تقريبا نفس الموقف، لكن سرعان ما توترت العلاقات بسبب عملية السلام (إعادة إسرائيل احتلالها لبعض أراضي الحكم وتدميرها للبنية التحتية الفلسطينية الممولة من طرف أوروبا).

وقد وصل الخلاف أوجه في 2002 لدى زيارة شارون لفرنسا، وتوالت حلقات الأزمات بين البلدين بسبب معاداة السامية في فرنسا وعلاج عرفات بباريس وغزو العراق..

ولم تتحسن إلا بعد انسحاب إسرائيل الأحادي الجانب من غزة الذي سهل زيارة شارون لفرنسا في يوليو/تموز 2005 التي أسست لفصل جديد في العلاقات الثنائية مهد لبداية مرحلة نوعية تأكدت أكثر حاليا، بعد مواجهتي معاداة السامية وشخص ياسر عرفات.

معاداة السامية أهم بكثير بالنسبة لإسرائيل من المواقف الإقليمية الفرنسية، إذ استدعي السفير الفرنسي في تل أبيب 10 مرات من قبل الخارجية الإسرائيلية في مطلع العقد الحالي بسبب معاداة السامية في فرنسا وليس بسبب عملية السلام، وهو رقم قياسي في الحوليات الدبلوماسية.

وقد اتهم الإسرائيليون الفرنسيين بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من تنامي الأعمال المعادية للسامية، وبلغ التوتر أوجه إبان الرئاسيات الفرنسية 2002.

وهذا ما يعطي للعلاقة الثنائية بعدا "محليا" مميزا، يظهر أيضا نوعا من "عدم التوافق" في المواقف الفرنسية.. فمثلا ميتران الذي عرف بانحيازه لإسرائيل "أنقذ" عرفات ومنظمة التحرير في لبنان من إسرائيل في بيروت، كما أنه اعترف بالمنظمة واستقبل عرفات بباريس.

أما شيراك المعروف بمواقفه المساندة للعرب والمنتقدة للسياسات الإسرائيلية، فهو أول رئيس فرنسي اعترف بمسؤولية الدولة الفرنسية عن محنة يهودها خلال الحرب العالمية الثانية، وهو الأمر الذي رفض ميتران الإقرار به، محملا نظام فيشي، لا الدولة الفرنسية، مسؤولية ما حدث.

من جهة أخرى، حكم شيراك يشبه بعض الشيء من حيث توجهاته الجمهورية الرابعة، ذلك أن الحكومات الفرنسية خاصة بعد رئاسيات 2002 كان معظم وزرائها متعاطفين ومنحازين لإسرائيل (نفس الشيء تقريبا مع الحكومة الحالية)، والبعض منهم أعضاء في جمعيات موالية لإسرائيل. فهذا الانحياز الذي كان يعمل في الخفاء شكل موازنا للمواقف الرسمية.

أما المواجهة الثانية فكانت بشأن عرفات، مواجهة حسمها الموت، وقال الإسرائيليون إن المشكلة هي عرفات نفسه وتتعين إزاحته من السلطة لرفضه السلام (رفضه لما عرض عليه في كامب ديفد وطابا)، بينما قال الفرنسيون إن تنحيه ليس شرطا ضروريا لإحياء عملية السلام.

وشاءت الأقدار أن ينقل عرفات للعلاج في فرنسا، لتفتح صفحة أخرى من المواجهة حول شخصه بين الإسرائيليين والفرنسيين، ثم يموت هناك فتحسم بذلك المواجهة السياسية، ربما الأشد بين الحليفين في السنوات الأخيرة.

يتضح من خلال هذه المعطيات مدى "التناقضات" الداخلية في هذه العلاقة ونسبية مفردات الانحياز والاتزان، فالأمور تبقى نسبية والقاعدة هي تحالف إستراتيجي يقوم على التزام فرنسي بأمن إسرائيل، وتتطور مضامينه دون تغيير جوهره.

فالتحالف بنيوي وليس وقتيا لذا فهو يصمد أمام بورصة التوترات السياسية، لأن الحد الأدنى من التضامن الإستراتيجي يبقى قائما، بل إن العلاقة بقيت قوية ومثال ذلك زيارة دو فيلبان لإسرائيل وخطابه في القدس، حتى في أحلك مراحل التوتر بين البلدين.

واقع العلاقات
هناك حوار إستراتيجي سنوي تعمق منذ 2005 وخص قضايا إقليمية كالنووي الإيراني، وتطبيق القرارين الدوليين 1559 و1710.. وقد شكلت مجموعة عمل عالية المستوى مكلفة بالتفكير في طرق إعادة دفع العلاقات الثنائية.

أما المبادلات التجارية فتضاعفت حسب الخارجية الفرنسية خلال عشر سنوات، ومنذ 2003 زادت الصادرات الفرنسية لإسرائيل بنحو 10% لتبلغ قيمتها 1.6 مليار يورو في 2006.

وتعد فرنسا ثاني مصدر لواردات إسرائيل وتاسع وجهة لصادراتها، وهي أيضا ثاني وجهة سياحية للإسرائيليين بعد الولايات المتحدة.

أما عسكريا، فيبدو أن فرنسا عاودت تعاونها العسكري مع إسرائيل في 1993 عند انطلاق عملية أوسلو، وقد أعلنت في يونيو/حزيران 2004 توقيع اتفاقات عسكرية معها.

وكدلالة على التحسن الملحوظ في علاقاتهما، زاد عدد الزيارات الرسمية العالية المستوى بين البلدين منذ 2003، بوتيرة لم يشهد لها مثيل من قبل، خاصة مع بدء التحسن في العلاقات بعد احتلال العراق، وتحديدا بمناسبة زيارة دومينيك دوفيلبان، وزير الخارجية آنذاك في مايو/أيار 2003، وإلقائه خطابا تاريخيا في القدس، يذكر بخطاب ميتران أمام الكنيست.

وقد أعلن في هذا الخطاب إعادة تأسيس العلاقات الإسرائيلية الفرنسية التي هي امتداد للعلاقة بين فرنسا والعالم اليهودي، وعن تنصيب لجنة عليا لإعادة تأسيس الحياة الروحية، وكذا بناء معهد ثقافي فرنسي في إسرائيل..

"
رغم تعديل ساركوزي لسياسة بلاده فإنه لم يراجعها جذريا، إذ ما زال يستخدم نفس العبارات التقليدية الفرنسية ويتبنى تقريبا نفس المواقف، فهو يدين مواصلة الاستيطان ولم يساند الهجوم الإسرائيلي على غزة
"
سياسة إسرائيلية جديدة لفرنسا
تعد زيارة بيريز لفرنسا هي الأولى لرئيس أجنبي منذ انتخاب ساركوزي ذات دلالة على اهتمام هذا الأخير بإسرائيل، فهو يقدم نفسه "كصديق حقيقي للشعب اليهودي ولدولة إسرائيل".

ورغم التحسن في العلاقات الثنائية منذ 2005، فإن إسرائيل بقيت ترى في شيراك وريثا لـ"سياسة فرنسا العربية" لديغول.

أما ساركوزي فكان راغبا في التخلي عن السياسة الفرنسية الرسمية تجاه الصراع العربي الإسرائيلي عموما، بل ووصف مواقف فرنسا المتزنة تلك بأنها "تراجعات" تناقضها التقاليد السائدة في وزارة الخارجية الفرنسية المشهورة بإسرائيل، رافضا تقديم إسرائيل كمعتدٍ لأنه يعتبرها الضحية (لوموند، 13/03/2008).

وابتعاد ساركوزي عن سياسة سلفه وتقربه من واشنطن، حليف تل أبيب الرئيسي، ساهما في إعادة توثيق الروابط الفرنسية الإسرائيلية.

يؤسس ساركوزي لهذه النقلة في سياسة بلاده بخطابه في 13 فبراير/شباط 2008 بمناسبة مأدبة العشاء السنوي لـ"المجلس التمثيلي للمؤسسات اليهودية في فرنسا" صاحب النفوذ والتأثير في السياسة الإسرائيلية لفرنسا.

ففي ذلك الخطاب حدد الخطوط العريضة للسياسة الفرنسية تجاه إسرائيل التي بدأت على حد قوله في 2007، مؤكدا رغبته في تقوية "العلاقة السياسية" وفي "تطوير حوار إستراتيجي ثنائي قوي"، مشيرا إلى أن 2008 ستكون سنة تدعيم العلاقة الثنائية، ليسجل بذلك "قطيعة" مع السياسة التقليدية الفرنسية، لكن ليس بالحجم الذي يبدو من الوهلة الأولى، ذلك أن علاقة التحالف بنيوية والتعديل الذي يطرأ عليها يخص درجة الانحياز وليس طبيعته.

ويشدد الرئيس الفرنسي في خطابه على حق إسرائيل في الأمن، متجاهلا جوهر الصراع، إذ يطالب إسرائيل بإجراءات ثقة كرفع الحواجز، وإعادة فتح المعابر نحو غزة لتسهيل الإمدادات الإنسانية، وإعادة فتح المؤسسات الفلسطينية في القدس الشرقية..، أما المطلب الوحيد الذي له معنى فهو الخاص بتجميد كامل للاستيطان، مغيبا القضايا المركزية كالحدود والقدس واللاجئين.

كما أكد أنه لن يسمح بتكرار التجاوزات غير المقبولة التي جعلت مؤتمر دوربان "منبرا ضد دولة إسرائيل" في مؤتمر المتابعة القادم، وأن فرنسا التي ستترأس الاتحاد الأوروبي خلال الأشهر القليلة قبل انعقاده، لن تلتزم به إن لم يأخذ في الحسبان مطالبها الملحة.

وهكذا يعد ساركوزي إسرائيل بحمايتها في المحافل الدولية، وبغض النظر عما حدث في دوربان فإن موقفه يوفر حماية لإسرائيل تجعلها في منأى عن أي مسألة دولية...

فرنسا على خطى أميركا؟
لم تعد السلوكيات الإسرائيلية ولو نسبيا، معيارا لتحديد العلاقة معها، وعليه فاستمرار الاحتلال لا يؤثر عليها. لكن هل سيخسر العرب جراء هذه العلاقة "الجديدة"؟

تعي فرنسا جيدا أن العرب يخطبون ود واشنطن ورضاها رغم دعمها اللامشروط لإسرائيل، فما الذي يمنع باريس من انتهاج نفس السياسة؟ ثم ماذا استفاد العرب مما اعتبروه اهتماما أو انحيازا فرنسيا لقضاياهم؟

رغم تعديله لسياسة بلاده فإن ساركوزي لم يراجعها جذريا، فهو يستخدم نفس العبارات التقليدية الفرنسية ويتبنى تقريبا نفس المواقف، فهو يدين مواصلة الاستيطان ولم يساند الهجوم الإسرائيلي على غزة. فهو إذن لم يراجع كلية سياسة فرنسا حيال المسألة الفلسطينية رغم أنه لا يعتبر إسرائيل هي المعتدية.

من المرجح أن تبقى فرنسا تتجاذبها قناعات يصعب التوفيق بينها: فرنسا الصديقة والحليفة الأبدية لإسرائيل؛ فرنسا ذات الرسالة الكونية المتميزة عن باقي أمم العالم وأميركا تحديدا؛ باريس صديقة وحليفة واشنطن؛ مصالح فرنسا القومية لاسيما الاقتصادية ومشاريعها الإقليمية كالاتحاد المتوسطي (وما تفرضه عليها من الاتزان في المواقف).
__________________
كاتب جزائري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك