علاء بيومي

- عودة وغياب ومكانة
- المبدأ قبل المكسب
- احترام أعدائي لا تصفيقهم
- مائة منظمة
- حملاته الرئاسية

سؤال يصلح عنوانا لحملة رالف نادر الرئاسية الحالية ولمسيرته السياسية الطويلة والحافلة، فهو يلخص الجانب الأكبر من فلسفة نادر الشخصية وإستراتيجيته السياسية.

فلسان حال رالف نادر في مواقفه السياسية المختلفة ينطق عادة بسؤال أساسي، وهو: من يخشى عودتي؟ ولماذا تخشون عودتي؟ فإذا كنتم تخشونني فاسألوا أنفسكم لماذا؟ وعندئذ سوف تدركون سبب عودتي.

"
نادر أشبه بفيلسوف من فلاسفة العصور السابقة.. فيلسوف يعلي المبدأ على المكسب والفكرة على القيمة، رجل مستعد للخسارة من أجل أن يثبت لخصومه أن الخسارة من أجل المبدأ أهم من الفوز على حسابه
"
عودة وغياب ومكانة
وذلك لأن نادر يعود باستمرار، يعود للأضواء السياسية ليخطفها، ثم يختفي قليلا أو يتراجع نجمه، ثم يعود للأضواء بفكر جديد وبحماس كبير يشعرك بأن نادر المولود في عام 1934 لا يشيب ولا يحبط.

عودة نادر ثم كسوفه ثم عودته مرة أخرى نموذج تكرر كثيرا منذ أوائل الستينيات، حين صعد نجم نادر وأصبح أحد أهم الشخصيات العامة في أميركا على الإطلاق.

ويعني هذا أن نادر لعب دورا سياسيا هاما بأميركا على مدى أكثر من أربعة عقود، وهي فترة قياسية أكسبت نادر احتراما كبيرا ومكانة خاصة لدى الأميركيين، وهو أمر لا ينكره أعداء نادر قبل أصدقائه.

وقد سجلت مكانة نادر جهات أميركية عديدة، فهناك قوانين أميركية أساسية ومؤسسات حكومية هامة يرى البعض أن نادر سبب رئيس في إقرارها، وهناك وسائل إعلام كمجلة تايم الأميركية تعتبر نادر واحدا من 100 شخصية أنجبتها أميركا في القرن العشرين.

وهناك أجيال كاملة وقطاعات واسعة من الشعب الأميركي تعرف من هو نادر، وقد يعود هذا لكم الإنجازات التي حققها، وهي عديدة سوف نشرحها تباعا، ولكنه يعود –من وجهة نظرنا– لسبب أهم، وهو طبيعة هذه الإنجازات.

فالكيف يطغى على الكم لدى نادر على الرغم من غزارة الإنتاج، فهو بحق فكرة ومبدأ وظاهرة فريدة أكثر مما هو شخصية عامة صاحبة إنجازات.

المبدأ قبل المكسب
نادر أشبه بفيلسوف من فلاسفة العصور السابقة، فيلسوف يعلي المبدأ على المكسب والفكرة على القيمة، رجل مستعد للخسارة من أجل أن يثبت لخصومه أن الخسارة من أجل المبدأ أهم من الفوز على حسابه.

نادر خاض على مدى أكثر من أربعين عاما مئات وربما آلاف الحملات السياسية والإعلامية ضد أكبر الشركات والمؤسسات الحكومية الأميركية، وفي كل مرة يخوض حملاته بموارد قليلة وبأفكار كبيرة، أفكار تعيد الأميركيين للأساسيات.

فهو يقول للشركات الأميركية العملاقة إذا كنتم تكسبون أموالا طائلة من وراء منتجاتكم فلماذا لا تراعون الله في المستهلك وتقدمون له خدمات تتوافر فيها متطلبات السلامة والأمن والرعاية الصحية الأساسية؟

ويكون رد الشركات على نادر بالرفض والازدراء، ويرد نادر بالبحث عن الحقيقة والمعلومة، وتزويد المواطن العادي بتلك المعلومة الدقيقة والأساسية التي تشعر الأميركيين بأن الشركات لا تراعي حقوقهم وتكنز ثرواتها على حساب تجاهل احتياجاتهم الأساسية، فيبدأ المواطن العادي في الالتفات إلى رسالة نادر وقراءة أبحاثه وربما مساندته.

الغريب هنا أن نادر يبالغ في المثالية بتبنيه قضايا المواطن العادي المظلوم والمهمش من قبل الساسة والأثرياء والنخب، يتبنى قضاياهم ويدافع عنها ويعود إلى الأساسيات في قضايا الصحة والسلامة العامة والبيئة وغيرها من قضايا تمس مصلحة المجتمع والمواطن العادي حتى ينتصر.

من أشهر الحملات التي ساهمت في صعود نجم نادر، حملة شنها في منتصف الستينيات ضد شركة جنرال موتورز الأميركية العملاقة بسبب نوع من السيارات كانت تنتجه ويسبب حوادث عديدة نتيجة لخلل فني سائد.

واستمر نادر في حملته وضغوطه على الشركة حتى عينت مخبرا خاصا لتتبع أخبار نادر والبحث عن عيوبه وأخطائه، أملا في تشويه سمعته أو إدانته أو ثنيه عن حملته.

وكشف الأمر وقاضى نادر الشركة وحكم له بتعويض كبير استخدمه في تأسيس منظمة تدافع عن قضايا حقوق المستهلك، كما أدت حملة نادر على جنرال موتورز إلى وقف إنتاج السيارة المعيبة، وأيضا إلى ظهور قوانين تتشدد في معايير سلامة السيارات وظهور إدارة حكومية تتولى تطبيق القانون.

"
نادر يرفض السياسة بمعناها الأكثر شيوعا، فهو لا يسعى للسلطة، وبعض أصدقائه وغالبية أعدائه يرون أنه لا يصلح رئيسا لأميركا، بل يرون أنه لا يريد أن يكون رئيسا لأميركا، بل هو يخوض حملاته من أجل إثبات المبدأ ليس أكثر وفضح من يخشونه
"
احترام أعدائي لا تصفيقهم
نادر ينطلق في حملاته من قاعدة السعي لكسب احترام خصومه لا تصفيقهم، فهو يرفض المهادنة ويرفض البحث عن الحلول الوسطى، فهو يخوض حملاته بتخطيط وتنظيم، ولكن دون الاكتراث بحسابات المكسب والخسارة، فقد تخصص في خوض حملات ضد كيانات هائلة بموارد محدودة رافعا شعار لا للمهادنة.

هو يسعى فقط لمواصلة التحدي وإثبات المبدأ، ولسان حاله يقول لماذا تخشون عودتي فأنا رجل قليل الموارد، ليس لدي طموح سياسي، ولا أمتلك النفوذ ولا السلطة التي بحوزتكم، فليس معي سوى فكرة أو شكوى، فإذا كانت شكواي غير صحيحة فلماذا تخشونها، وإذا كنت مخطئا فتجاهلوني، وإذا كنت على صواب فأطيعوني، وإن لم تفعلوا فأنتم الخاسرون.

هذا يعني أن نادر يرفض السياسة بمعناها الأكثر شيوعا، فهو يرفض المهادنة، ولا يسعى للسلطة، وبعض أصدقائه وغالبية أعدائه يرون أنه لا يصلح رئيسا لأميركا، بل يرون أنه لا يريد أن يكون رئيسا لأميركا، بل هو يخوض حملاته من أجل إثبات المبدأ ليس أكثر وفضح من يخشونه.

ولعل هذا ما دفع نادر في عام 2004 لانتقاد قادة المسلمين الأميركيين لأنهم لم يدعموه، فهو كان ومازال الأقرب لقضايا المسلمين والعرب في أميركا، ولكن قادة المنظمات المسلمة الأميركية رفضوا أن يمنحوه دعمهم وفضلوا أن يدعموا المرشح الديمقراطي جون كيري الذي لم يبد ترحيبا كبيرا بهذا الدعم خوفا من الهجمات الإعلامية والسياسية التي يتعرض لها الإسلام والمسلمون في أميركا وكل من يرتبط بهم.

ومع ذلك فضل المسلمون الأميركيون دعم كيري انطلاقا من رغبتهم في الدخول في العملية السياسية بدعم أحد المرشحين الذين يمتلكون حظوظا في الفوز بالرئاسة الأميركية، وبالطبع فضلوا كيري على بوش، كما فضلوا كيري على نادر الذي لا يملك حظوظا حقيقية في الفوز.

وهنا غضب نادر بشدة مطالبا مسلمي أميركا بالتمسك بالمبادئ، والتصويت لمبادئهم لا لحساباتهم السياسية، وقد يتفق البعض مع نادر أو يعارضه، ولكن هذا مثال يوضح عقلية نادر السياسية.

مائة منظمة
نادر ينحدر من أسرة عربية لبنانية أميركية بثت فيه حب القراءة والاطلاع ورفض التسليم بالمسلمات وعدم أخذ الأمور على عواهنها.

ويبدو أنه كان ومازال قارئا جيدا جدا، ويتعجب بعض المراقبين من قدرته الهائلة على تذكر الإحصاءات والأرقام، فعندما يخطب تشعر بأنك أمام كتاب مليء بالأرقام والأفكار، وبأن فكرة واحدة من الأفكار العديدة التي يطرحها في خطبه تكفي لأن تصاغ حولها خطبة كاملة لسياسي محترف.

نشاط نادر في الدفاع عن حقوق المستهلك في الستينيات أكسبه شهرة واسعة استغلها في تأسيس أكثر من 100 منظمة معنية بالشؤون العامة وبقضايا المواطن الأميركي الأساسية كالصحة والسلامة العامة والبيئة وغيرها.

وتعمل في تلك المنظمات أجيال مختلفة من النشطاء المؤمنين بفكر نادر ومبادئه، وقد حقق بعضهم شهرة واسعة ووصلوا إلى مراكز سياسية مرموقة.

ويقول البعض إن عقد الثمانينيات شهد تراجع نجم نادر السياسي لسببين، أولهما أن العديد من أفكاره تحولت إلى قوانين ومؤسسات حكومية قائمة بالفعل، والسبب الثاني هو إدارة الرئيس الأميركي السابق رونالد ريغان ذي التوجه اليميني، وهي إدارة حاربت أفكار نادر التقدمية.

ولكن الفترة ذاتها ساهمت في دفع نادر لدخول معترك السياسة بعد أن توترت العلاقة بينه وبين الحزب الديمقراطي والديمقراطيين، وذلك لأن الديمقراطيين هادنوا ريغان والقوى السياسية اليمينية التي ساهمت في صعوده، وجاء ذلك على حساب التقدميين داخل الحزب الديمقراطي وأجندتهم.

لذا بدأ نادر يشعر بأن الفارق بين الحزب الديمقراطي والحزب الجمهوري يتضاءل، وأن المواطن العادي يفتقر إلى بديل سياسي حقيقي يراعي المصالح، لذا توجه نادر إلى السياسة على أمل أن يوفر ذلك البديل.

"
يرفع نادر شعارات سياسية لا يرفعها غيره مثل تغيير السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تغييرا حقيقيا يحرر أميركا من ضغوط اللوبيات، واصفا أميركا بأنها "دمية" في يد إسرائيل ولوبي إسرائيل
"
حملاته الرئاسية
وبهذا دخل نادر مرحلة جديدة في مسيرته خاض فيها أكثر من انتخابات رئاسية منذ عام 1996، وفي كل مرة يعتمد نادر على مساندة مناصريه في الولايات والمدن الأميركية المختلفة، وعلى دعم الأحزاب الأميركية الصغيرة كالخضر والإصلاح، وغيرها من الأحزاب التي لا يعرف عنها العالم الكثير بسبب سيطرة الحزبين الجمهوري والديمقراطي على السلطة في أميركا، تلك السيطرة التي يرفضها نادر لكونها نتاجا ومؤشرا على سعي النخب الحاكمة لأميركا للحد من خيارات المواطن الأميركي العادي السياسية.

وفي كل مرة يرفع نادر شعارات سياسية لا يرفعها غيره مثل تغيير السياسة الأميركية تجاه الشرق الأوسط تغييرا حقيقيا، يحرر أميركا من ضغوط اللوبيات.

وقد سبق أن وصف نادر الحكومة الأميركية بأنها "دمية" في يد إسرائيل ولوبي إسرائيل، كما يطالب نادر بسحب القوات الأميركية من العراق بشكل يضمن الوفاء بالتزامات أميركا الأخلاقية تجاه الشعب العراقي.

ويروج نادر لأجندة تقدمية في مناصرة قضايا الفقراء والمستضعفين والبيئة والرعاية الصحية بشكل يتمناه الأميركيون ولا يتوقعون حدوثه، إذ ليس هناك من يساند تلك القضايا بين النخب الأميركية الحاكمة.

ويثير ترشح نادر في الانتخابات مخاوف الديمقراطيين بشكل كبير لأنه يمثل تهديدا لهم باجتذاب أصوات الليبراليين التقدميين، مما يحرم المرشح الديمقراطي من تلك الأصوات كما حدث في انتخابات عام 2000 حين خسر المرشح الديمقراطي آل غور أمام المرشح الجمهوري جورج دبليو بوش بفارق أقل من 600 صوت في ولاية فلوريدا.

وسقط آل غور في الانتخابات في الوقت الذي حصل فيه نادر على دعم نحو 100 ألف من ناخبي الولاية، وهي أصوات كان يمكن أن تذهب في غالبيتها لآل غور وتنقذ الديمقراطيين من الهزيمة.

ويرد نادر على الاتهامات السابقة بتذكير الديمقراطيين بأن ربع مليون ناخب ديمقراطي في ولاية فلوريدا صوت لبوش في تلك الانتخابات عام 2000، وهذا يعني أن آل غور لم يخسر بسبب نادر ولكن بسبب عدم وفائه لأجندة حزبه وقضايا ناخبيه، وهو ما حدث أيضا لجون كيري.

ويقال في الانتخابات الحالية إن هيلاري كلينتون أكثر انزعاجا لترشح نادر من باراك أوباما، وذلك لأنها أكثر تشددا، وهذا يعني أن نادر سوف يكون أكثر شراسة وسخطا على هيلاري في حالة فوزها بترشيح الديمقراطيين.

أما نادر فيؤكد أنه غير راض عن هيلاري وأوباما كليهما مشيرا على سبيل المثال إلى صمتهما المطبق على الجرائم التي ارتكبتها إسرائيل مؤخرا في غزة.

مواقف نادر لا تمنع بعض مناصريه من الشعور بالسخط عليه أحيانا لأنه يرشح نفسه ليخسر، ولأنه سوف يخسر الانتخابات ليختفي بعدها قليلا ثم يعود ليرشح نفسه ويخسر من جديد.

هذا الأمر يثير سخط الأصدقاء قبل الأعداء، فلسان حال أنصاره يقول أحيانا: لماذا لا تنتصر؟ ولماذا تختفي ثم تعود؟ ومتى سوف تنتصر؟ ولماذا ندعمك إذا كنت ستخسر الانتخابات لا محالة؟ وقد يرد عليهم نادر قائلا: العيب فيكم وليس في، أما أنا فسأعود.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك