عبد الله الحسن

- العراق
- مقدمات السيناريو الجديد
- لوجستيات الترحيل
- الاستجابة المشبوهة!

يندرج تبلور الإجماع الأميركي الإسرائيلي على توصيف الصيغة النهائية لإسرائيل باعتبارها "دولة يهودية" في سياق لحظة تأسيسية جديدة للمشروع الصهيوني قوامها الانتقال من الاعتراف بوجود إسرائيل إلى الاعتراف بماهيتها، مما يعني مزيدا من تأصيل وتعميق الطابع العنصري والعدواني الإحلالي لإسرائيل.

وهذا الأمر لا يستقيم إلا باقتراف جريمة التطهير العرقي "الترانسفير" بحق 1.25 مليون فلسطيني لا يزالون على أرض فلسطين المحتلة عام 1948، لكن نجاح "الترانسفير" يتوقف على توفر جغرافية قابلة أو قادرة على امتصاص هذا العدد الكبير المراد طرده.

"
العراق كان دوما وأبدا في عين مخططات الترانسفير الصهيونية كجغرافية قادرة على استيعاب اللاجئين الفلسطينيين الممكن تهجيرهم من جديد، لاسيما منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التي ولدت في أعقاب حرب عاصفة الصحراء
"
العراق

المتابع للمشروع الصهيوني عبر كافة مراحله يقع على حقيقة أن العراق كان دوماً وأبداً في عين مخططات الترانسفير الصهيونية كجغرافية قادرة على استيعاب اللاجئين الفلسطينيين الممكن تهجيرهم من جديد، لاسيما منذ توقيع اتفاقيات أوسلو التي ولدت في أعقاب حرب عاصفة الصحراء عام 1991.

الخبيرة الأميركية د.لارا دريك الاختصاصية في السياسة الإستراتيجية وعضو اللجنة التنفيذية لمؤسسة التضامن الدولي لحقوق الإنسان تكفلت بتوضيح المطلوب من العراق صهيونيا، عبر تحذيرها من مشروع لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في الدول العربية وخاصة العراق.

وقالت خلال لقاء نظمته وزارة الإعلام في السلطة الفلسطينية إن دولاً عظمى عدة جددت عرضها على الحكومة العراقية مقابل رفع العقوبات والحصار عنها، موضحة أن الإدارة الأميركية اقترحت مشروعاً لتوطين اللاجئين الفلسطينيين عام 1993 غرب العراق في المنطقة الصحراوية.

ويتكئ الاقتراح الأميركي على مخطط بريطاني شاركت فيه الأونروا عام 1955 كشفت عنه مراسلات الحكومة البريطانية مع سفاراتها في منطقة الشرق الأوسط -وبالأخص سفارتها في بغداد- وقسم التطوير في المكتب البريطاني في الشرق الأوسط.

أبرز هذه الوثائق بعث بها قسم التطوير في المكتب البريطاني في بيروت إلى السفارة البريطانية في بغداد بتاريخ 25/4/1955 بشأن إمكانية إيجاد عمل للاجئين الفلسطينيين في العراق، وقد بعثت السفارة برسالة جوابية حول هذا الموضوع ورد فيها "إن الإمكانية العراقية في هذا المجال جيدة ومحببة فهناك أعمال تطويرية كثيرة قيد التنفيذ".

وجاء في الرسالة أيضا "إننا لا ننظر إلى العراق من زاوية ما يمكن أن يوفره على المدى القصير وإنما تطلعنا إليه سيكون على المدى البعيد باعتباره المكان القادر على استيعاب اللاجئين ودمجهم أكثر في الحياة، ومن المحتمل هضمهم وامتصاصهم إلى الأبد".

مقدمات السيناريو الجديد
الأستاذ محمد حسين هيكل في كتابه "كلام في السياسة، العربي التائه" يقول إن هناك سيناريو نوقش في لندن وواشنطن الأسابيع الأخيرة من حياة الملك حسين، وبالتحديد يناير/كانون الثاني 1998، حين قضى الملك الراحل أكثر من أسبوعين بين واشنطن ولندن.

وفي السيناريو ما يلبي طموح حسين الشخصي في وراثة العرش الهاشمي في بغداد لكن الملك كانت له تحفظات، إذ يريد أن يعرف بالتحديد ما يحق للأردن أن يتوقعه في ختام هذا السيناريو وهل "يستطيع ضمان عرش العراق لواحد من أبنائه". علما بأن إسرائيل كانت على استعداد لإعطاء ضوء أخضر لهذه الفكرة لاحتمال أنها تستطيع تهجير ألوف الفلسطينيين إلى شمال العراق.

المعطيات المتوفرة تقول إن السيناريو المذكور جرى طبخه عام 1996 من قبل ريتشارد بيرل المساعد السابق لوزير الحرب الأميركي دونالد رمسفيلد، وداغ فيث الشخص الثالث في البنتاغون في إدارة بوش الأولى، مع مجموعة صغيرة من الباحثين الذين طولبوا بمساعدة بنيامين نتنياهو في خطواته الأولى كرئيس لحكومة الكيان الصهيوني.

وقد أعدوا ورقة عمل تضمنت خطة لإعادة العراق -بمساعدة إسرائيل- إلى العائلة الهاشمية. ومع بدء الأميركان قرع طبول الحرب ضد العراق أخرج هذا السيناريو إلى النور، ويمكن اختصاره في بضع كلمات: فلسطين هي إسرائيل، الأردن هو فلسطين والعراق وهو الحكومة الهاشمية.

بدوره الكاتب الإسرائيلي أليكس فيشمان أشار إلى أن التصور الأميركي الإسرائيلي يقوم على دمج العراق مع الأردن ليتحول إلى مملكة هاشمية واحدة.

"
معظم الدول العربية خلقت صناعيا نتيجة لتقسيم القوى العالمية أراضي الإمبراطورية العثمانية على هواها نهاية الحرب العالمية الأولى، ومن المنطقي في سبيل السلام اجتزاء قطعة من تلك الأراضي الشاسعة لتكون دولة جديدة للفلسطينيين
"
وأشار إلى أن مشاركة الأمير الحسن ولي العهد الأردني السابق في مؤتمر المعارضة العراقية لصدام في لندن منتصف يوليو/ تموز 2002 كان لهذا الغرض الذي يتضمن نقل الفلسطينيين إلى الأردن.

لكن لا ينبغي تصور المسألة على أنها دمج بالمعنى الحقيقي، بقدر ما هي تشكيل إدارة هاشمية للفسيفساء العشائرية والمذهبية والإثنية التي تعتزم الإدارة الأميركية وإسرائيل إنتاجها في المشرق العربي.

ويلقي الضوء على ذلك تقرير مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى السابق، والسفير الأميركي الحالي بالعراق ريان كروكر.

في خلاصة التقرير المعد عام 2002 يدعو الإدارة الأميركية إلى عملية عسكرية في العراق لفرض حل للمسألتين الفلسطينية والعراقية، عبر إسقاط نظام صدام حسين وتوطين اللاجئين الفلسطينيين في مناطق كردستان العراق.

ورغم أن التقرير يتحدث عن محاذير هذا الخيار لما سيترتب عليه من خلخلة التركيبة الديمغرافية للعراق، وتحوله إلى وقود في الصراعات القومية العربية الكردية الأشورية التركمانية إضافة إلى القلق الذي سيولده لدى كل من إيران وتركيا.. فإن كروكر يقول إن خيار كردستان قابل للتطبيق.

لوجستيات الترحيل
وثيقة صهيونية تتضمن خططاً تفصيلية تتعلق بمواجهة "التهديد الديمغرافي" الفلسطيني لإسرائيل، عن طريق الإبعاد القسري لجميع الفلسطينيين من المنطقة الواقعة بين نهر الأردن والبحر المتوسط خلال فترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

وقد صدرت الوثيقة عام 2004 عن جماعة "جملة" التي أسسها ضباط صهاينة سابقون ومستوطنون، عرفت نفسها من خلال وظيفتها بأنها "تقف في خط المقدمة في المعركة من أجل أرض إسرائيل".

كتب الوثيقة المؤلفة من تسعة آلاف كلمة يوريس شوستيف، وجاء في مقدمتها "إن التطهير العرقي الجماعي لكل فلسطيني هو الحل الوحيد الممكن للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي" وإن التوراة جاءت تؤكد هذا الحل.

وتدعو الوثيقة إسرائيل إلى أن توضح بجلاء للمجتمع الدولي أنه "إذا لم يتخذ قرارا في غضون ثلاث سنوات أو خمس بإقامة دولة للعرب الفلسطينيين في موقع ملائم فإنها ستضطر إلى البدء في إبعاد العرب إلى الأردن وسيناء".

اللافت في الأمر هو أن الوثيقة لا تعتبر الأردن وسيناء الخيار الوحيد الذي يمكن أن يهجر الفلسطينيين إليهما بل تطرح خيارات أخرى، وبالتحديد خيارين ترى أنهما جيدين يوفرهما الوضع الجغرافي والسياسي الموجود اليوم، وهما إما على أرض العراق أو على أرض المملكة العربية السعودية.

الوثيقة تعتبر أن اقتراح العراق لهذا الدور قديم يعود إلى سنة 1930، وتلاحظ أنه بعد تغيير النظام سيجري تقسيم العراق إلى مناطق عديدة تتمتع بالحكم الذاتي (للأكراد والعرب الفلسطينيين مثلاً) وترى في ذلك أحد أفضل الخيارات الإستراتيجية المتاحة.

أما لماذا؟ فذلك يعود حسب الوثيقة وقبل كل شيء، إلى القضاء إلى الأبد على محاولات العراق كسب الهيمنة في العالم العربي، وثانياً سوف يزيل من الأجندة الدولية الحاجة المترائية لخلق دولة كردية، وثالثا سوف يحل مشكلة العرب الفلسطينيين بإعطائهم دولة ثانية تكون موجودة بعيدا عن إسرائيل بقدر مريح.

ولا يفوت كاتب وثيقة "لوجستيات الترحيل" أن يبين الأسباب التي تفرض ترحيل الفلسطينيين مما يدعوه "أرض إسرائيل" وهي:
1- إيجاد مساحة مادية بين إسرائيل والعرب الفلسطينيين الأمر الذي سيستأصل تماماً أية قدرة على المدى البعيد، وأية رغبة أيضا لديهم في القيام بأعمال عنف ضد اليهود.

2- سيؤدي ذلك إلى القضاء على التهديد الديموغرافي الذي تتعرض له الدولة اليهودية.

3- سوف يسمح لإسرائيل بأن تحقق تطورا أكبر في ظل ظروف أكثر ملاءمة للشعب اليهودي الذي يعيش وحده.

يتضح من متن الوثيقة أن واقع الأمة المجزأ ينطوي على أفضل وسيلة لإقناع العالم بضرورة تأييد إسرائيل بترحيل الفلسطينيين، وخلق دولة لهم على جزء من أراضي إحدى الدول العربية.

وفي هذا الصدد  تقول الوثيقة "معظم الدول العربية خلقت صناعيا نتيجة لتقسيم القوى العالمية أراضي الإمبراطورية العثمانية على هواها في نهاية الحرب العالمية الأولى، ومن المنطقي في سبيل السلام اجتزاء قطعة من تلك الأراضي الشاسعة لتكون دولة جديدة".

"
الفوضى القائمة اليوم في العراق بفعل سياسة "الفوضى الخلاقة" وإيمان بوش بيهودية إسرائيل ونقائها العرقي والديني كلها تشكل تربة خصبة لتفعيل عقيدة ومخططات الترانسفير الصهيونية
"
الاستجابة المشبوهة!
لكن ما يثير الأسى هو أن يجري تبني السيناريو الأميركي الصهيوني المذكور ويتم تسويقه كحل منطقي للقضية الفلسطينية من قبل بعض أقطاب المعارضة العراقية السابقة والحاكمة اليوم بقوة الاحتلال الأميركي، مما يشير إلى أن مناقشة هذا السيناريو تمت على طاولة الحوار بين المعارضة العراقية المتأمركة والقيادة الأميركية.

ونلفت الانتباه في هذا السياق إلى دعوة وفيق السامرائي المستشار الأمني الحالي للرئيس جلال الطالباني "ليكون العراق الوطن البديل" وقد جاءت في صيغة مقال نشره في صحيفة الشرق الأوسط السعودية بتاريخ 17-4-2004.

ومما جاء فيه "يبدو أن العراق الدولة الأولى التي ينبغي أن تقترح حلاً جذرياً لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين على أساس التوطين وعدم تركهم معلقين بآمال العودة وفلسفة الضغط التي لم تثبت جدواها. أجل العراق هو المؤهل لهذا الموقف التاريخي".

ويحدد الأسباب بالآتي:
- تبلغ مساحة العراق ضعف مساحة بريطانيا بينما لا يزيد عدد نفوسه عن ثلث نفوسها تقريبا، إذ الكثافة السكانية في بريطانيا 240 شخصا/كلم2، بينما في العراق خمسون شخصاً/كم2. وقبل ذلك بألف عام كانت نفوس العراق بين ثلاثين وأربعين مليونا، وهو بالتأكيد يكفي لاستيعاب أكثر من ستين مليونا مع توفر مصادر الرزق والحياة.

- خلال السبعينيات والثمانييات استقدم العراق عمالة بلغت أربعة ملايين، وكانت الدولة تسمح لكل عامل بتحويل ألفي دولار سنوياً إلى الخارج حسب سعر الصرف الرسمي أي ثمانية مليارات دولار سنوياً، وكان ممكنا استثمارها داخل العراق لو توافرت له كثافة سكانية.

- بعد رفع العقوبات سيتحول العراق إلى ورشة عمل كبيرة، وستتوافر فيه أموال طائلة بحكم امتلاكه ثاني أكبر احتياط نفطي في العالم، وسيحتاج إلى ما لا يقل عن أربعة ملايين عامل.

- لا توجد اختلافات في العادات والتقاليد والثقافات بين الفلسطيني والعراقي، لذلك فإنهم قادرون على الانصهار والتعايش مع المجتمع العراقي.

- في المحصلة فإن العراق قادر على استيعاب ملايين الفلسطينيين الذين يقيمون في لبنان وسوريا والأردن..الخ، وأن يكون هناك برنامج مساعدات دولي للتخلص من هذه المشكلة، ويتحمل العراق نسبة من التكاليف لأنه سيكون أول المستفيدين من خطوة كهذه.

وينهي السامرائي مقالته بالقول "قد لا يكون ممكنا ولا مناسبا المباشرة الفورية بالتوطين، لكن سواء بقي الحكم الحالي (حكم صدام حسين) أو تغير، ينبغي النظر إلى العراق كوطن للفلسطينيين المشردين بعد سنتين أو ثلاث من الآن".

يعزز ما جاء في مقال وفيق السامرائي البيان الذي أصدره 97 أكاديميا إسرائيليا في نقد السياسة الإسرائيلية، إذ ينبه إلى نية الحكومة في القيام بعملية تطهير عرقي كاملة ضد الشعب الفلسطيني.

ومما ورد في البيان "إننا قلقون جداً إزاء الدلائل التي تشير إلى أن الحكومة الإسرائيلية قد تعمد إلى استغلال فوضى الحرب ضد العراق لكي ترتكب مزيدا من الجرائم ضد الشعب الفلسطيني وهي جرائم قد تصل إلى حد التطهير العرقي الكامل".

قصارى القول إن الفوضى القائمة اليوم في العراق بفعل سياسة "الفوضى الخلاقة" وإيمان بوش بيهودية إسرائيل ونقائها العرقي والديني، كلها تشكل تربة خصبة لتفعيل عقيدة ومخططات الترانسفير الصهيونية.
__________________

كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك