بدر حسن شافعي

الأزمة التي تشهدها كينيا حاليا ليست الأولى ولن تكون الأخيرة وفق المعطيات الراهنة، إذ كانت ثمة مؤشرات منذ العام الماضي تشير إلى أن الأمور في تلك البلاد التي كانت توصف بأنها واحة الاستقرار شرق إفريقيا في اتجاهها للتصعيد. خاصة إثر فشل الرئيس مواي كيباكي في الحصول على تأييد الشعب على مسودة الدستور الجديد يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني 2006 الذي يزيد من صلاحيات رئيس البلاد على حساب الحكومة رغم استحداث المسودة لمنصب رئيس الحكومة.

"
استبعاد كيباكي معارضي الدستور من حكومته أحدث حالة من التضامن بين كافة القوى السياسية بما فيها التيارات الإسلامية خلف أودينغا رغم توجهاته الشيوعية في مواجهة كيباكي
"
هذه المعركة السياسية حول الدستور أدت إلى حدوث انشقاق داخل تحالف قوس قزح الذي شكله كيباكي قبل انتخابات 2003 لمواجهة حزب الاتحاد الوطني الإفريقي (كانو) الذي كان مهيمنا على حكم البلاد منذ استقلالها عن بريطانيا عام 1963.

هذا الانشقاق كان إيذانا بتراجع نفوذ الرئيس في أي انتخابات لاحقة خاصة وأن عملية تعديل الدستور كانت على رأس جدول أولوياته الانتخابية عام 2003 عندما وعد بإنجازه -أي الدستور- خلال 100 يوم، مما أدى إلى حدوث تضامن شعبي وسياسي معه في حينها.

وتمكنت المعارضة من الفوز في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية للمرة الأولي في تاريخ البلاد، لكن كيباكي لم يف بوعوده ولم يستجب للتعديلات الدستورية التي تم إعدادها في حينها، بل وصل به الأمر إلى القيام بتقديم مسودة دستور جديد منتصف العام الماضي لا تلبي الحد الأدنى من المطالب السياسية والشعبية خاصة فيما يتعلق بتقليص صلاحيات الرئيس التي كانت تمتد إلى كافة مناحي الحياة لصالح رئيس الحكومة حتى يكون هناك توازن في السلطات داخل المؤسسة التنفيذية.

لكن رفض كيباكي جعله يخسر أول مواجهة شعبية في عملية الاستفتاء، كما خسر دعم أبرز القوى السياسية داخل تحالف قوس قزح ويقصد بها الحزب الليبرالي الديمقراطي بزعامة رايلا أودينغا الذي نجح في استقطاب قوى المعارضة الأخرى في مواجهة الحزب الديمقراطي بزعامة كيباكي في المعركة السياسية الشهيرة قبل الاستفتاء.

وقد عرفت هذه المعركة باسم معركة الموزة والبرتقالة في إشارة إلى مؤيدي الاستفتاء ومعارضيه، إذ وضعت في بطاقة الاستفتاء صورة موزة وتعني تأييد الدستور الجديد، صورة برتقالة لمعارضته، تسهيلا على الناخبين بسبب ارتفاع نسبة الأمية إلى نحو 78% من السكان.

ولعل ذلك هو ما دفع أودينغا إلى إطلاق اسم الحركة الديمقراطية البرتقالية على حركته الراهنة.

ويلاحظ أن الخلاف حول الدستور لم يكن الخلاف السياسي الوحيد بين النظام والمعارضة بل سبقه خلاف آخر بعد فوز كيباكي عام 2003، حين كان يفترض أن يتقاسم السلطة مع أودينغا وفق اتفاق بين الجانبين على ذلك قبل الانتخابات بحيث يحصل أودينغا على منصب رئيس الوزراء.

لكن كيباكي لم ينفذ وعوده أيضا، ولعل هذا ما يفسر أسباب الخلاف السياسي بين الرجلين والذي برز بوضوح خلال الأزمة الأخيرة.

لكن يلاحظ أن أزمة الدستور كانت نقطة بداية الأزمة الراهنة خاصة وأنها تضمنت نصرا للمعارضة على النظام، وقد طالبت المعارضة في حينها بحل البرلمان وإجراء انتخابات جديدة مبكرة وهو ما رفضه كيباكي، وبدلا من حل البرلمان قام بحل الحكومة التي يقوم هو بتعيينها وفق الدستور واستبعد منها بعض الوزراء الذين عارضوا مسودة الدستور.

وهذا ما اعتبرته المعارضة السياسية والشعبية بمثابة تحد جديد لها، ومن ثم حدثت حالة من التضامن بين كافة القوى السياسية بما فيها التيارات الإسلامية خلف أودينغا رغم توجهاته الشيوعية في مواجهة كيباكي.

ولعل هذا ما يفسر أسباب فوز المعارضة بمعظم مقاعد مجلس النواب البالغ عددها 222 (210 بالانتخاب، 12 مقعدا بالتعيين من قبل رئيس الجمهورية) في الانتخابات الأخيرة، إذ حصل حزب أودينغا على 99 مقعدا مقابل 43 لحزب كيباكي فضلا عن إمكانية فوز أودينغا في الانتخابات الرئاسية.

ورغم عدم معرفتنا على وجه الدقة نتيجة الانتخابات، فإن تصريحات رئيس اللجنة المشرفة عليها فضلا عن تصريحات المراقبين تشير إلى أن أودينغا كان يمكن أن يكون هو الفائز.

ورغم كثرة الحديث الآن عن وقوع أعمال عنف في البلاد تهدد بتحولها إلى حرب أهلية على غرار تلك التي شهدتها دولتا الجوار رواندا وبورندي خلال حقبة التسعينيات، فإن الحديث عن ذلك يتطلب أولا فهم التركيبة الإثنية في كينيا.

هناك ست إثنيات رئيسية (خمس منها أفريقية وواحدة آسيوية) تشكل قرابة 82% من إجمالي السكان البالغ عددهم أكثر من ثلاثين مليون نسمة.

هذه الإثنيات هي الكيكويو (22% من السكان) وينحدر منها الرئيس كيباكي ومن قبله الرئيس جومو كينياتا، وقد لعبت دورا هاما في مواجهة الاستعمار البريطاني حين تم تأسيس منظمة الكيكويو عام 1928 وكان سكرتيرها الرئيس كينياتا.

"
رغم هيمنة قبيلة كيكويو على مقاليد الأمور السياسية منذ الاستقلال فإن قائدها كينياتا ظل يراعي حالة من التوازن وعدم التهميش المطلق لباقي الإثنيات خاصة كالينجين خلافا لما يقوم به الرئيس الحالي
"
لذا لا غرابة في أن تكون لها الهيمنة بعد الاستقلال، لكن الرئيس كينياتا رغم هيمنة حزب كانو على مقاليد الأمور السياسية في البلاد ظل يراعي حالة من التوازن وعدم التهميش المطلق لباقي الإثنيات خاصة الكالينجين.

فقد قام بتعيين نائب له هو دانييل أراب موي من إثنية الكالينجين وتقدر بنحو (12% من السكان) وقد أفرزت معظم المنافسين على المقاعد الرئاسية بعد ذلك، وقد صار موي رئيسا للبلاد بعد رحيل كينياتا عام 1978، فقام بتعيين الرئيس الحالي كيباكي نائبا له لعدة سنوات رغم أنه ينتمي للكيكويو.

ومعنى هذا أن البعد الإثني لم يكن واضحا بعد استقلال البلاد على عكس الحال في رواندا وبوروندي المجاورتين (حيث قامت الحرب الأهلية بين الأغلبية من الهوتو 85%، والأقلية من التوتسي15% على إثر التمايز الإثني الذي زرعه الاستعمار، وأكدت عليه سياسات الحكومات الوطنية بعد الاستقلال مما أسفر عن مصرع مئات الآلاف خلال حقبة التسعينيات).

أما في كينيا فالوضع مختلف إلى حد كبير، صحيح أن هناك هيمنة للكيكويو لكنها كانت تشرك الكالينجين معها في السلطة والثروة، وربما كان هناك نوع من التهميش للإثنيات الأخرى كالليو 14% التي ينحدر منها زعيم المعارضة الحالي رايلا أودينغا، والبالوهيا 13%، والكامبا 11%، ولعل هذا ما قد يفسر وجود بوادر صراع إثني خاصة مع تهميش كيباكي أيضا للكالينجين.

لقد تضامن المنتمون للكالينجين مع أودينغا في مواجهة الكيكويو خاصة في منطقة الوادي المتصدع (شرق البلاد) حيث وقعت أعمال عنف مؤخرا.

لكن يلاحظ بصفة عامة أن نسبة الإثنيات في كينيا متقاربة إلى حد كبير على عكس الوضع في دول الجوار، ومن هنا فإن البعد الإثني ليس بارزا بقوة في الأزمة الأخيرة مقارنة بالبعد السياسي، والدليل على ذلك أن الحكومة قامت بتشكيل قوات خاصة عام 2006 عرفت باسم "الكوي كوي" لمواجهة خصومها السياسيين من الكيكويو والليو على حد سواء.

لقد اتسم الموقف الإقليمي –ونقصد به الموقف الأفريقي- بالتفاعل مع الأزمة منذ اندلاعها نهاية ديسمبر/كانون الأول الماضي، فقام رئيس غانا جون كوفور الذي ترأس بلاده الدورة الحالية للاتحاد الأفريقي بزيارة البلاد في محاولة للوساطة بين طرفي الأزمة، فضلا عن قيام بعض دول الجوار مثل أوغندا وتنزانيا بالوساطة.

لكن هذه الجهود لم تسفر عن تحقيق نتائج ملموسة، ولعل مما ساهم في ذلك عدم وجود ضغوط دولية خاصة من قبل الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة في اتجاه الحل.

فالاتحاد الأوروبي اكتفى بالتهديد بتعليق مساعداته المادية التي كان يفترض أن تصل إلى 283 مليون يورو خلال السنوات الخمس القادمة، في حين اكتفت الولايات المتحدة بإرسال جينداي فريزر مساعدة وزيرة الخارجية للشؤون الأفريقية إلى البلاد في محاولة للوساطة.

لكن فريزر لم تمارس ضغوطا على أي من الطرفين، رغم أن من مصلحة واشنطن تحقيق الاستقرار في كينيا التي تعد إحدى الدول الأساسية في منظومة القرن الأفريقي الجديد وفق الرؤية الأميركية.

لكن يبدو أن واشنطن لا ترغب في الانحياز لطرف على حساب آخر في تلك الأزمة حتى لا تصبح في حالة عداء مع المعارضة حال تمكنها من حسم المعركة لصالحها، لذا فإنها اتبعت سياسة التمهل في التعامل مع الأزمة وإن كان هذا لم يمنعها من دعم الوساطة الأفريقية التي قادها الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي أنان.

"
مصير كينيا بأيدي سياسييها، فإما التوصل لتسوية سلمية وإما استمرار العنف والفوضى الذي يمكن أن يتحول من عنف عشوائي غير منظم إلى عنف إثني منظم
"
لعل الأزمة الأخيرة تطرح عدة تساؤلات بشأن سبل تسويتها، أو بمعنى آخر فإن السؤال المطروح يتعلق بسيناريوهات المستقبل.

ويمكن القول بوجود ثلاثة سيناريوهات في هذا الصدد:
الأول- تقاسم السلطة بحيث يتم تشكيل حكومة ائتلافية برئاسة أودينغا لمدة عام، مع إبقاء كيباكي في الرئاسة بصلاحيات محدودة.

هذه الحكومة يتم تشكيلها وفق نسب فوز الأحزاب في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (بالطبع سيكون للحركة الديمقراطية البرتقالية الأغلبية بحكم فوزها في الانتخابات)،على أن يتم خلال هذا العام تعديل الدستور وإجراء استفتاء عليه.

الثاني- إعادة فرز بطاقات الانتخاب من جديد تحت إشراف دولي، لكن يبدو أن هذا الاحتمال قد يواجه ببعض الصعوبات خاصة فيما يتعلق بعملية التلاعب في بطاقات التصويت خلال الفترة الراهنة وحتى إجراء إعادة الفرز.

الثالث- إجراء انتخابات جديدة بإشراف دولي أيضا ولاشك أن مثل هذا السيناريو يتطلب مزيدا من المال والوقت أو بمعنى آخر قد يصعب تنفيذه الآن، لكنه يمكن أن يكون مقبولا خلال فترة انتقالية يكون فيها هذا السيناريو مكملا للسيناريو الأول.

لكن يلاحظ أن غموض موقف الطرفين كيباكي وأودينغا يساهم في تعقيد الأزمة، فالأول لم يعلن حتى الآن صراحة عن آلية معينة لتسوية الأزمة بل حرص أثناء محادثاته المباشرة مع الثاني تحت إشراف أنان على أنه الرئيس المنتخب للبلاد بصورة قانونية.

ولعل هذا ما أثار حفيظة أودينغا الذي أعلن قبل هذه المحادثات عن استعداده للقبول بتقاسم السلطة من خلال رئاسة غريمه للبلاد ورئاسته هو -أي أودينغا- للحكومة، لكنه عاد بعد تصريحات كيباكي إلى القول إنه يرفض رئاسة الحكومة في ظل تولي كيباكي رئاسة البلاد.

كما اقترح حلولا ثلاثة متناقضة أو يشوبها بعض الغموض، وهي إما استقالة كيباكي (وهو ما يرفضه كيباكي) وإما إعادة الانتخابات، وإما تقاسم السلطة ثم إجراء انتخابات جديدة (هذا الاقتراح الثالث يتناقض مع تصريحه بشأن رفض منصب رئيس الحكومة).

ولعل هذا الغموض والتناقض وتقديم حلول غير واقعية من كلا الجانبين قد يساهم في تعقيد الأزمة أكثر فأكثر، وإفشال أي جهود وساطة بما فيها جهود كوفي أنان.

كما أن تدخل مجلس الأمن بفاعلية أمر غير متوقع خاصة وأنه رفض التدخل في الأزمة الصومالية رغم أنها أشد ضراوة، ونفس الأمر بالنسبة للاتحاد الأفريقي الذي يواجه صعوبات جمة في الصومال أيضا.

ومن هنا فإن مصير البلاد بأيدي سياسييها، فإما التوصل لتسوية سلمية وإما استمرار العنف والفوضى الذي يمكن أن يتحول من عنف عشوائي غير منظم إلى عنف إثني منظم.
__________________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك