نجيب الغضبان

الإطار القانوني لتمويل الحملات الانتخابية
الإمكانيات المالية للمرشحين الحاليين
خلاصة واستنتاجات

جدد الخبر الذي تناقلته وكالات الأنباء حديثا عن مصادر في حملة المرشح الديمقراطي باراك أوباما، من أنه تمكن من جمع مبلغ 32 مليون دولار في يناير/ كانون الثاني المنصرم، الجدل المتواصل حول دور المال في الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية وآثاره البعيدة على العملية السياسية برمتها.

ويتجاوز النقاش الدائر حول دور المال في تمويل الحملات الانتخابية الأثر المباشر المتمثل في قدرة المرشحين على إدارة حملات متكافئة، خاصة أثناء الانتخابات التمهيدية، إلى جوهر النظرية الديمقراطية التي تفترض نوعا من المساواة السياسية بين المواطنين. 

ستلقي هذه المقالة الضوء على دور المال في الحملة الانتخابية الرئاسية، وذلك بالنظر إلى العلاقة المباشرة بين القدرة على جمع المال وفرص النجاح، ولكن لا بد من التعرض أولا للإطار القانوني الذي ينظم عملية التبرع للحملات الانتخابية وكيفية تعاطي الطبقة السياسية معها. 

الإطار القانوني لتمويل الحملات الانتخابية
يعتبر موضوع تنظيم التبرعات للحملات الانتخابية في الولايات المتحدة من المواضيع المتنازع عليها من قبل كثير من المشرعين الذين ينادون دائما بضرورة إصلاح نظام التمويل، لكنهم من ناحية أخرى يعتبرون من أكثر المستفيدين من الغموض والثغرات الموجودة في بعض التشريعات التي تضع قيودا على دور المال في العملية الانتخابية. 

ولعل هذا ما يفسر النقاش المستمر حول التشريعات التي تسعى لتنظيم هذا الأمر، لكن دون أن تحد بحسم من قدرة أصحاب المال على التأثير المتصاعد على الحملات الانتخابية. 

من الأسس المنظمة لتمويل الحملات الانتخابية "قانون الحملات الانتخابية الفدرالية"، الذي أقره الكونغرس في أعقاب فضيحة "وترغيت" الشهيرة عام 1974. 

"
الثغرة الكبيرة في نظام التمويل الانتخابي أنه يسمح للجمعيات السياسية بالقيام ببعض الأنشطة بالنيابة عن المرشحين، كتعبئة الناخبين والحملات الدعائية بالنيابة عنهم، دون حدود للإنفاق المالي
"
فهذا القانون يخول المرشحين الذين تتوافر فيهم بعض الشروط للحصول على دعم من الخزانة الأميركية يكون جزئيا أثناء الانتخابات التمهيدية، ودعم كامل للمرشحين النهائيين، لكن بشرط تقيد المرشح بضوابط خاصة فيما يتعلق بالإنفاق على الحملة الانتخابية. 

وبشأن تفاصيل هذا القانون، فإن مصدر التمويل الذي تقدمه الحكومة هو من مبلغ 3 دولارات يتم جمعها بشكل اختياري من دافعي الضرائب. 

أما الشرط الأساسي للحصول على التمويل الحكومي -يعادل ما يجمعه المرشح من التبرعات- فهو في قدرة المرشح على جمع 100.000 دولار في 20 ولاية، وذلك في المرحلة الأولى من الانتخابات التمهيدية، بشرط ألا يزيد مبلغ التبرع على 250 دولارا للفرد الواحد.

وكان نظام تمويل الحملات الانتخابية قد تعرض للكثير من الإشكاليات في منتصف التسعينيات، وذلك بسبب فشل "لجنة الانتخابات الفدرالية" على سد الثغرات الكثيرة الموجودة في القانون. وبعد سنوات من المطالبة بإصلاح القانون الانتخابي أقر الكونغرس الأميركي "قانون إصلاح الحملات اللاحزبي" المعروف باسم "ماكين-فينغولد"، على اسم عضوي الكونغرس اللذين اقترحا القانون، ووقعه الرئيس بوش في 27 مارس/ آذار 2002.

ورغم الضجة الإعلامية التي رافقت إقرار هذا القانون، فإنه لم يحل إشكالية الدور الكبير الذي يلعبه المال في العملية الانتخابية. ومن الإيجابيات التي تذكر للقانون أنه رفع الحد الذي يمكن للفرد أن يتبرع به من مبلغ 1000 دولار إلى 2000 دولار، وذلك على أمل أن يكون ذلك حافزا للمرشحين على عدم اعتمادهم على جماعات المصالح والشركات ورجال الأعمال. 

لكن هذا القانون لم يعط حافزا إضافيا للمرشحين الرئاسيين في قبول الدعم الحكومي لأنه يشرط الالتزام بحد أعلى من الإنفاق، قدر بـ37 مليون دولار في العام 2004، على أمل وضع نوع من الضابط لتزايد تكلفة الحملات الانتخابية. 

وللتدليل على ذلك رفض المرشح الجمهوري جورج بوش والمرشحان هوارد دين وجون كيري الديمقراطيان خيار الدعم الحكومي، حتى لا يلزموا أنفسهم بضوابط الإنفاق، ما جعل تكاليف الحملة الرئاسية للعام 2004 تقترب من حاجز المليار دولار.

الأمر الأخير الضروري ذكره هو دور جماعات الضغط في تمويل الحملات الانتخابية، وهو ما يطلق عليه في النظام الانتخابي الأميركي بـ"المال المرن". فلم يعد بإمكان جماعات الضغط استخدام المال مباشرة للمساهمة مباشرة للمرشحين، أو للحزبين الرئيسيين مباشرة. 

لكن جماعات الضغط ورجال الأعمال المتنفذين سرعان ما وجدوا طريقة للتبرع بشكل غير مباشر، وذلك بإنشاء لجان للعمل السياسي والتبرع باسمها للمرشحين والحزبين الديمقراطي والجمهوري. 

الثغرة الثانية الكبيرة في نظام التمويل الانتخابي تتمثل في الفقرة 527 من قانون الضرائب المتعلق بالجمعيات السياسية، حيث يسمح لها بالقيام ببعض الأنشطة بالنيابة عن المرشحين، كتعبئة الناخبين والحملات الدعائية بالنيابة عنهم، ويمكن للأفراد وجماعات الضغط إنفاق أي مبلغ على مثل هذه الأنشطة دون حدود. 

ودلالة على استغلال القانون 527، قدر أحد المراكز المتخصصة بمراقبة الأداء العام الأموال التي أنفقتها جمعيات وأفراد أثناء الحملة الانتخابية 2003-2004 بما يزيد على 450 مليون دولار، تم إنفاق أغلبها على الدعاية التلفزيونية.

الإمكانيات المالية للمرشحين الحاليين
من الواضح أن الدور الذي يلعبه المال في الحملات الانتخابية هو دور أساسي، لكنه ليس العامل الوحيد في قدرة المرشحين على إدارة حملة انتخابية ناجحة وبالتالي الفوز بترشيح حزبهم. 

وبنظرة سريعة على المبالغ التي جمعها المرشحون الرئيسيون من الحزبين، يتضح أن هناك علاقة طردية بين المبالغ المجموعة والنجاح في الانتخابات التمهيدية.

المبالغ التي تم تسجيلها لدى لجنة الانتخابات الفدرالية حتى 30 سبتمبر، 2007

المرشحين الديمقراطيون

المبالغ المجمعة

الإنفاق

المبلغ المتبقي

هيلاري كلينتون *90.9 40.5 50.5
باراك أوباما 80.2 44.2 36.0
جون إدواردز (انسحب) 30.3 17.9 12.4
مايك جافل 0.38 0.36 0.02

المرشحون الجمهوريون 

المبالغ المجمعة

الإنفاق

المبلغ المتبقي

جون ماكين  32.1 28.6 3.5
ميت رومني 62.8 53.6 9.2
رودي جولياني(انسحب) 47.2  30.6 16.6
مايكل هاكابي 2.3 1.7 0.6
رون بول 8.3 2.8 5.4
المجموع 354.5 220.3 134.2

*المبالغ بملايين الدولارات للمرشحين الذين بقوا في الحملة، باستثناء إدواردز وجولياني، حتى كتابة المقالة.

وفيما يلي بعض الملاحظات على هذه الأرقام:

أولا
الأرقام المتوافرة في الجدول المرفق لا تشمل جميع المرشحين الذين خاضوا الانتخابات التمهيدية من كلا الحزبين، كما أنها تغطي الفترة حتى نهاية سبتمبر/ أيلول من العام الفائت، ولا تشمل المبالغ التي تم جمعها وإنفاقها بعد تلك الفترة. وكما تمت الإشارة استطاع المرشح باراك أوباما جمع مبلغ 32 مليون دولار في شهر واحد من هذا العام، وهو ما يعادل ثلث ما جمعه على مدى العام الفائت. ولا يستبعد أن يكون المبلغ الذي جمعته المرشحة الديمقراطية هيلاري كلينتون يقترب من ذلك.

ثانيا
من الواضح أن بعض المرشحين الذين جمعوا المبالغ الكبرى هم الذين يتصدرون لائحة كلا الحزبين. لكن الأرقام توضح أيضا أن بعض الذين انسحبوا من الحملة الانتخابية بعد خسارتهم مؤخرا مثل رودي جولياني قد استطاع جمع مبلغ أكبر من جون ماكين الذي يتصدر الآن لائحة مرشحي الحزب الجمهوري، كما أن ماكين قد فاز على على ميت رومني في بعض الولايات الهامة، رغم جمع الأخير مبلغا أكبر.

ثالثا
لا تشمل هذه الأرقام التبرعات التي تقدمها جماعات المصالح للمرشحين تحت يافطة 527، خاصة فيما يتعلق بدفع بعض التكاليف الهامة لبعض المرشحين، ومنها الحملات التلفزيونية لصالح مرشحين والتهجم على خصومهم، وهو ما أصبح شائعا بـ"الحملات الدعائية السلبية"، وبالطبع ستفوق المبالغ التي ستنفق هنا الأرقام التي تم ذكرها حول الحملة الانتخابية للعام 2004. 

وعموما من المتوقع أن تتجاوز النفقات الكلية للحملة الانتخابية الرئاسية لهذا العام حاجز 1.5 مليار دولار.

رابعا
لم يقبل أغلب المرشحين في الانتخابات التمهيدية الحصول على الدعم من الخزانة الأميركية، حتى لا يلتزموا بالقيود التي يفرضها عليهم قبول الدعم العام.

ولعل أحد المرشحين الذين لم ينسحبوا حتى الآن، مايكل هاكابي قد تقدم بطلب للحصول على الدعم الحكومي، واستخدم هذا الدعم ليرسل رسالة إلى الرأي العام بأنه المرشح الذي يريد وضع حد لتنامي دور المال في الحملة الانتخابية.

خلاصة واستنتاجات
من الواضح أن المال يلعب دورا محوريا في الحملات الانتخابية الأميركية، كما أن تكاليف الحملات تزداد من حملة لأخرى وهذا تجمله النقاط الآتي:

"
فقد يجد المستبدون ومؤيدوهم في المنطقة العربية في الثغرات الموجودة في النظام الانتخابي الأميركي دليلا على سوء النظام الديمقراطي، ولكن تصح في هؤلاء عبارة تشرشل الشهيرة، بأن "النظام الديمقراطي هو أسوأ أنواع الحكم إلا إذا قورن بغيره"
"

النقطة الأولى
كثير من المواطنين والمختصين ينظرون إلى هذه التطورات سلبيا لأنها تحد من قدرة المواطن العادي على خوض المعترك الانتخابي، ما يعطي مزايا إضافية للأغنياء الذين يمكن لهم حسب القانون أن ينفقوا ما شاؤوا من أموالهم الخاصة على حملاتهم الانتخابية. 

ولكن من المعلوم أن من أغنى المرشحين في هذه الحملة ميت رومني الذي جمع ثروته من خلال ترؤسه لعدة شركات كبيرة، وبنظرة على الحملات والمرشحين السابقين يظهر أن المرشح الأغنى ليس بالضرورة المرشح الأوفر حظا. 

ففي الانتخابات السابقة، كان عند المرشح الديمقراطي جون كيري ثروة أكبر من المرشح الجمهوري جورج بوش، وفي انتخابات العام 1992 لم يستطع الملياردير روس بيرو الحصول على أكثر من 19% من الأصوات، رغم الملايين التي أنفقها على حملته الانتخابية، كما حصل على نسبة أقل في انتخابات العام 1996. 

النقطة الثانية
من الواضح أن من المؤهلات الأساسية لأي مرشح للانتخابات الرئاسية، والتشريعية أيضا، تكمن في قدرة هذا المرشح على جمع التبرعات، وهذا ما يتطلب شخصية كارزماتية، مثل أوباما وقبله بيل كلينتون، أو في الاستعانة بفريق عمل متخصص في جمع التبرعات من خلال حملة فعالة، تلخص رسالة تجد استجابة عند الناخب، خاصة من المستعدين للتبرع.

وهنا يعتبر البعض الذي يدافعون عن النظام الانتخابي الأميركي أن قدرة المرشح على إقناع الناخبين بالتبرع لا تتناقض مع الممارسة الديمقراطية، لأن قدرة الإقناع هي أحد عناصر القوة الأساسية للرئيس الأميركي، خاصة في تعاطية مع الكونغرس والرأي العام والإعلام.

النقطة الثالثة
لا شك أن شركات الأعمال الكبيرة والجمعيات المهنية واتحادات العمال وجماعات المصالح الأخرى تعتبر المساهم الأكبر في تمويل الحملات الانتخابية، خاصة من خلال تشكيل لجان العمل السياسي. ولذا فإن استجابة الفائزين بالانتخابات سواء على المستوى الرئاسي أو التشريعي، غالبا ما ستكون أكبر لأولئك الذين أسهموا في حملاتهم الانتخابية، كما يتم مكافأة المساهمين في الحملات الانتخابية، سواء بالمال أو بالجهد، في تعينهم في بعض المواقع التنفيذية في الإدارة المنتخبة. 

النقطة الرابعة
بشأن قضايا العرب والمسلمين فإنها لا تجد الكثير من التفهم لدى المرشحين للانتخابات الرئاسية والتشريعية، لأن المدافعين عنها لا يساهمون ماليا ولا معنويا بما يجعل قضاياهم تحتل المكانة المناسبة لدى المرشحين الرئاسيين. 

ليس هذا وحسب، بل إننا نشهد أن أغلب المرشحين غالبا ما يتنافسون لإرضاء أعدائهم وخصومهم، وذلك لقيام أولئك بالتبرع السخي في هذه الحملات، إضافة إلى الدور الذي يلعبونه في العملية الانتخابية من خلال تصويتهم بنسب عالية، وتركزهم الديمغرافي في ولايات حساسة.

وأخيرا، قد يجد المستبدون ومؤيدوهم في المنطقة العربية في الثغرات الموجودة في النظام الانتخابي الأميركي دليلا إضافيا على سوء النظام الديمقراطي، كما فعل بعضهم أثناء الخلاف الذي نشب في ولاية فلوريدا عام 2000 حول أحقية الفائز بتلك الولاية، وبالتالي بالانتخابات الرئاسية الأميركية، حيث شعروا بالارتياح لأن نتائج الانتخابات في بلادهم "مضمونة" دائما، وبنسب لا يحلم بها أي مرشح رئاسي أميركي! لهؤلاء ولغيرهم من منتقدي النظام الديمقراطي، تصح عبارة ونستون تشرشل الشهيرة بأن "النظام الديمقراطي هو أسوأ أنواع الحكم إلا إذا قورن بغيره". 
_______________
أستاذ العلوم السياسية في جامعة آركنسا




المصدر : الجزيرة

شارك برأيك