غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


- اللعنة الكبرى
- معايير مزدوجة
- لماذا تشاد
- الدرس التشادي

لا يكاد يصدق ذلك الفارق الكبير بين الأرقام التي يطرحها البنك الدولي ومنظمات الأمم المتحدة ذات الاختصاص عن الفقر والحاجة التي تعيشها تشاد، وبين ما تروجه تقارير اقتصادية دولية عن تجارة تشاد المزدهرة في النفط والغاز والقطن والسكر والصمغ العربي والمواشي والاحتياطي الكبير من اليورانيوم والزنك، فضلا عن الذهب الذي لم يستثمر بعد.

القاسم المشترك الوحيد في شبكة المعطيات المتناقضة تلك هو المصدر الذي هو في كلتا الحالتين الغرب، مما يجعل للقضية بعدا قصديا وطابعا غير بريء، وكأن هناك من يتعمد الإيحاء بأن هذه البلاد غير مؤهلة للتمتع بثرواتها ولا هي أمينة على مصائر أبنائها.

وهذا الأمر يطرح إشارات استفهام خطيرة عن مدى جدية القيم التي يطرحها الغرب، خاصة أن الملف التشادي تتورط فيه دول كانت دائما تتشدق بدفاعها عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، بل وجعلتهما رسالتها الكونية وجوهر وجودها.

لقد كان لافتا للنظر مشهد جموع التشاديين وهم يعبرون نزوحا إلى الكاميرون، وغالبيتهم العظمى من الشباب، لا لأن عجائز تشاد رفضوا النزوح عن أرضهم، وإنما لكون الجزء الأكبر من شعب تشاد البالغ عشرة ملايين، يشكّل سن الأربعين خاتمة العمر عندهم على ما تؤكده تقارير منظمات الأمم المتحدة المختلفة.

قد يبدو هذا الأمر طبيعيا في سياق سياسي مضطرب لم تعرف فيه البلاد استقرارا سياسيا يتيح لها فرصة لتحقيق تراكم تنموي، سواء على صعيد تنمية الثروات، أو على صعيد تحسين الوضع المعيشي للسكان.

"
الواقع الذي أفرزته رعاية مصالح الغرب في أفريقيا يعود له الفضل الأكبر في إنتاج مذابح رواندا وبوروندي والكونغو وليبيريا وكينيا مؤخرا، وهو ذاته الذي جعل من تشاد إمبراطورية مسورة من الظلم يمارس فيها كل ما هو مناف للأخلاق من الاضطهاد إلى الجريمة المنظمة وصولا إلى بيع الأطفال
"
اللعنة الكبرى
لكن ثمة في أفريقيا من يحيل تردي الواقع السيئ إلى أسباب تاريخية تتمثل في "اللعنة الكبرى" التي حلت منذ مؤتمر برلين 1884–1885 الذي بم بمقتضاه تقسيم أفريقيا على هوى المشرط الأوروبي، فتم هدم بنى وتكوينات وثقافات وقيم ترسخت على مدار مئات السنين، ليخلق واقعا جيوسياسيا مشوها.

هذا الواقع الذي أفرزه الغرب في أفريقيا، والذي لم يراع عبره سوى تحقيق التوازن في تقاسم الثروات والمغانم، يعود له الفضل الأكبر في إنتاج مذابح رواندا وبوروندي والكونغو وليبريا وكينيا مؤخرا، وهو ذاته الذي جعل من تشاد إمبراطورية مسورة من الظلم، يمارس فيها كل ما هو مناف للأخلاق من الاضطهاد إلى الجريمة المنظمة وصولا إلى بيع الأطفال.

فهذا البلد الذي يشكّل العرب الغالبية من سكانه ويشكّل الإسلام ديانة السواد الأعظم منهم، تعاني فيه هذه الغالبية من التهميش والإقصاء السياسي، كما أن مناطقها "الشرقية والشمالية" تعاني من الحرمان المقصود منذ الاستقلال عن فرنسا عام 1960، وكل ذلك بدعم ورعاية غربية للنظام الحاكم في تشاد.

معايير مزدوجة
يجري ذلك في وقت يدعي فيه الغرب أنه لا يزال يعيش تحت وطأة تأنيب الضمير جراء السكوت عن مذابح رواندا وبوروندي، وأنه لن يسمح تحت أي ظرف بتكرار مثل هذا الحدث الفظيع.

ذلك على مستوى الخطاب السياسي الغربي، أما السلوك السياسي فهو مختلف تماما، ويتضح عبر الانحياز الفاضح للنظام التشادي، ودعمه عسكريا ودبلوماسيا "بواسطة الحرب الفرنسية" بالرغم من أن بعضا أو جزءا من ممارسات هذا النظام التي يساعده الغرب نفسه فيها، قد تسببت في مناطق أخرى، بتغيير رؤساء والضغط على دول، أو حتى شطب دول بكاملها من الخارطة السياسية الدولية.

1- النظام الحالي غارق في الفساد حتى أذنيه، وبفضله باتت تشاد تتصدر قائمة الدول الأكثر فسادا في العالم طبقا لما ورد في تقرير منظمة الشفافية عام 2005، وهذا الفساد ناجم عن الاختلاس المنظم الذي يمارسه النظام وأركانه.

2- تعد تشاد في وضعها الحالي في مقدمة الدول الفاشلة، إذ صنفتها الأمم المتحدة في المرتبة 171 عالميا على قائمة التنمية البشرية التي تشتمل 177 دولة.

وبحسب مؤشرات صندوق السلام (Fund for peace) فإن سمات مثل: عدم قدرة الحكومة المركزية على فرض سلطتها على ترابها الوطني، وتأمين حدودها أو احتكار هذه المهمة، وعدم تمتعها بالشرعية اللازمة للحكم، وتفشي الفساد وانعدام تداول السلطة، وغياب أو ضعف النظم القانونية فيها، وتهديد وحدتها واستقرارها بالانقسامات العرقية والدينية الحادة، تضع تشاد في التصنيف الأول عالميا (كانت هذه الأسباب وراء غزو الصومال).

3- تدخلت تشاد في الشؤون الداخلية لدول مجاورة (السودان مثلا) وذلك عبر تأييدها للتمرد في دارفور الذي تقوده حركة العدل والمساواة بقيادة خليل إبراهيم، بذريعة انتمائه إلى قبيلة الزغاوة التي ينتمي إليها النظام الحاكم في إنجمينا.

4- الانقلاب على هامش الديمقراطية الذي كان متاحا عبر قيام إدريس ديبي بتعديل الدستور كي يتسنى له الترشح لولاية ثالثة، في حين أن مثل هذا الأمر قد دفع الغرب إلى مقاطعة الرئيس اللبناني أميل لحود وعدم الاعتراف بشرعية هذا التمديد.

5- نقض الاتفاق مع منظمات دولية يعتبرها الغرب إحدى أهم ركائز النظام الدولي الجديد، كالبنك الدولي الذي أقرض تشاد أربعة مليارات دولار لمد خط نفط بين تشاد والكاميرون وذلك مقابل إدارة العوائد النفطية بكفاءة وشفافية، ثم استخدامها في برامج التخفيف من حدة الفقر، غير أن ديبي رأى أن الاتفاق يكبل يديه في استخدام العوائد.

"
التنافس الدولي على تشاد وخاصة بين الصين والغرب استخدمه الرئيس التشادي في إطار تحسين موقعه التفاوضي مع الغرب الذي يلهث وراء السيطرة على ثروات القارة الأفريقية
"
وكان من نتائج مد هذا الخط إحداث دمار في البيئة الاجتماعية والاقتصادية للكثير من التشاديين، فقد اتهمت منظمة العفو الدولية هذا المشروع بأنه ينتهك حقوق الإنسان، مشيرة إلى أن الشركات التي بنت الخط مثل إيكسون وشيفرون قد تخلت عن مسؤولياتها تجاه حقوق الإنسان، عبر تحالفها مع الأنظمة السياسية في تشاد والكاميرون.

وقد أدى تشغيل حقول النفط، وخط الأنابيب في الجنوب إلى انتهاك حقوق المزارعين، ومنعت مئات القرى من الحصول على مصادر المياه الوحيدة المتوافرة، وكل ذلك من دون حصول على تعويض فعلي طوال مدة المشروع التي تصل إلى سبعين عاما.

أكثر من ذلك أن الدعم الغربي لنظام الرئيس التشادي إدريس ديبي تجاوز ذلك كثيرا، عندما تقبلت قراره بطرد اثنتين من شركات النفط، شيفرون الأميركية، وبتروناس الفنزويلية بذريعة عدم احترامهما للالتزامات المنصوص عليها في البنود المتعلقة بتسديد الضرائب على الشركات، وبالفعل وافقت الشركتان على دفع 280 مليون دولار ضرائب مستحقة.

وهذا الأمر فسره المراقبون بأنه محاولة من ديبي لاستعادة شرعيته المفقودة في الشارع التشادي بسبب الفساد السياسي، وهيمنة طبقة معينة على أموال النفط على حساب الفئات الأكثر احتياجا.

لماذا تشاد
وفي الإطار ذاته، وجه ديبي صفعة سياسية لفرنسا سببت لها حرجا دبلوماسيا، تمثلت بالكشف عن ملابسات قيام مؤسسة "آرش دو زوي" الفرنسية بجمع 103 أطفال تشاديين بدعوى أنهم من أيتام دارفور.

وهدد ديبي بالحساب العسير للمتورطين أيا كانت جنسيتهم، ليتحول الأمر برمته إلى قضية رأي عام استغلها النظام التشادي للضغط على فرنسا التي اضطرت لمساعدته في صد هجوم المعارضة على شرقي البلاد.

هنا نصل إلى السؤال عن الدوافع التي تقف وراء الموقف الغربي الذي تغامر دوله بما تبقى من رصيدها "الشعاراتي" عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، جراء دعمها للنظام في تشاد؟

الإجابة تبدو في موقع تشاد الجيوسياسي إذ تعتبر منطقة هامة لوقوعها في مفترق الطرق في قلب أفريقيا، كما أنها تعتبر الحد الذي يفصل شمال أفريقيا العربي المسلم عن جنوبها المسيحي والوثني، حيث تنشط الإرساليات التبشيرية، بتنافس واضح مع الدعاة المسلمين، كما يتخوف الغرب من تمدد الإسلاميين السمر إلى القارة عبر المنفذ التشادي.

السبب الآخر اقتصادي، حيث تبدو تشاد مقبلة على مرحلة جديدة من الحياة الاقتصادية، وربما تصبح عام 2009 ثالث أهم منطقة اقتصادية في أفريقيا، باحتياطها النفطي الذي يتجاوز مليار دولار، حسب الدوائر الاقتصادية الأميركية التي خططت لاستثمار ستين مليار دولار في خمسة أعوام، وذلك في ظل تنافس صيني أميركي فرنسي للحصول على امتيازات النفط الأفريقي، خصوصا بعدما أظهرت عمليات المسح الجيولوجي أن الحوض الممتد من ليبيا مرورا بتشاد والكونغو سيؤمن ربع احتياجات الولايات المتحدة من الطاقة عام 2015.

سبب آخر يتصل بالوجود الفرنسي في أفريقيا حيث تعتبر تشاد آخر بلد فرانكفوني في شرق أفريقيا، إذ تملك باريس في إنجمينا قاعدة إستراتيجية تسمح لها بإرسال طائراتها في مهمات عسكرية أو إنسانية في المنطقة.

ولا تمتلك فرنسا أي قاعدة عسكرية جوية ثانية سوى في جيبوتي، حيث تتمركز قوة عسكرية مؤلفة من ثلاثمائة رجل وعشر طائرات مقاتلة وتسع مروحيات، تضاف إلى قاعدتي ليبريفيل في الغابون ودكار في السنغال اللتين تمثلان أساس الوجود العسكري في القارة الأفريقية.

سبب رابع ذو صلة بالتنافس الدولي على تشاد، وخاصة بين الصين والغرب، إذ لا شك أن ديبي استطاع الاستفادة من ورقة عودة العلاقات الدبلوماسية بين بلاده والصين في أغسطس 2006، واستخدمها في إطار تحسين موقعه التفاوضي مع الغرب.

"
أكثر من نصف سكان تشاد تحت خط الفقر، ويموت أكثر من 45% من شعبه قبل بلوغ الخامسة والأربعين، ويهلك جزء كبير من أطفاله دون الخامسة، وأكثر من 75% من شعبه أمي، ورغم ذلك يستكثر الغرب عليه ثرواته وأبناءه
"
الدرس التشادي
ولاشك أن ديبي استطاع من موقعه بصفته قائدا سياسيا أفريقيا الضغط على الغرب ودفعه إلى مقايضة النفط بالسياسة عبر تلويحه بالخيار الصيني، فيما ما بات يطلق عليه في الأدبيات السياسية الحديثة التوجه شرقا.

إن سلوك ديبي التفاوضي مع الغرب هو في الحقيقة درس لأقرانه في العالم الثالث، لأنه استطاع أن يجعل الغرب يرضخ لاشتراطاته ومتطلباته المتجددة دائما، رغم عدم أخلاقية الأهداف المتوخاة، وخاصة فيما يعود على أبناء تشاد الذين حرموا بكل الأحوال، من الاستفادة من خيرات بلادهم.

بيد أن المشكلة التي تفتحها قضية تشاد أمام أعين شعوب العالم الثالث تتلخص في مواجهة التساؤل عن مدى جدية تبني الغرب لشرعة حقوق الإنسان، فكيف يمكن لهذه الشعوب اتخاذ هذه الشرعة غطاء لها في سعيها للانعتاق والتحرر من الواقع المرير الذي صنعه أصحاب الشرعة نفسها؟

هل هي مجرد غواية وتضليل، أم واجهة جديدة، أنتج الغرب أمثالها، في الحديث عن تحضير العالم الثالث، ومهمة الرجل الأبيض، ليخفي وراءها أطماعه ونهمه، واحتقاره بيولوجيا لشعوب ما وراء البحار.

ربما يغوينا جمال النظريات الغربية ببلاغتها، وروعة هندستها الشكلية، ولكن بدون شك للواقع الذي يطفح في تشاد لغة أكثر بلاغة، فهذا البلد يعيش أكثر من نصف سكانه تحت خط الفقر، ويموت أكثر من 45% من شعبه قبل بلوغ الخامسة والأربعين، ويهلك جزء كبير من أطفاله دون الخامسة، وأكثر من 75% من شعبه أمي، ورغم ذلك يستكثر الغرب عليه ثرواته وأبناءه.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك