ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

منذ انطلاقتها، في منتصف الستينيات، تبنّت الحركة الوطنية الفلسطينية شعار تحرير فلسطين هدفا لها. آنذاك، عبّر هذا الهدف في مضامينه عن رفض الفلسطينيين اغتصاب الجزء الأكبر من أرضهم وتشريد أكثرية شعبهم وحرمانهم من هويتهم الوطنية، وكان في هذا الشعار ثمة تماه بين استعادة الأرض وعودة الشعب وتحقيق الهوية.

وقد طرح هذا الخطاب، على الحركة الفلسطينية الوليدة، إشكاليات وتعقيدات عديدة، فخطاب التحرير هذا سكت لأسباب ذاتية وإقليمية عن حقيقة وجود أجزاء من أراضي فلسطين (الضفة والقطاع)، وأجزاء من الشعب الفلسطيني، خارج نطاق الاغتصاب الصهيوني، ما شكّل في حينه عملية تواطؤ غير مباشرة، مع النظام الرسمي العربي السائد، مقابل اعتراف هذا النظام بشرعية العمل الفلسطيني.

وقد توخت هذه الحركة من وراء ذلك، تجنب المصير البائس للحركة التي سبقتها (الهيئة العربية العليا) بما في ذلك مصير "حكومة عموم فلسطين" المنبثقة عنها، والتي غيبها التجاهل والنسيان.

وفي الواقع فقد أثبتت التجربة التاريخية صعوبة بل استحالة قيام حركة وطنية فلسطينية لا تحظى برضى النظام السياسي العربي، حتى أن الحركة الفلسطينية المعاصرة تدين بوجودها، من أوجه متعددة، إلى هذا النظام، وهي في أحوال عديدة استمرت بفضل تناقضاته، وليس رغما عنه، كما قد يعتقد البعض.

"
المشكلة الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية كانت وما زالت تتمثل بالتناقض الكبير بين الشعار الذي طرحته والوسائل التي تبنتها لتحقيقه، من جهة، وبين إمكانياتها الذاتية وشروط العمل المسموح بها عربيا، من جهة ثانية
"
ولكن المشكلة الأساسية للحركة الوطنية الفلسطينية كانت -ولا زالت- تتمثل بالتناقض الكبير بين الشعار الذي طرحته والوسائل التي تبنّتها لتحقيقه، من جهة، وبين إمكانياتها الذاتية وشروط العمل المسموح بها عربيا، خاصة وأن عملية الصراع ضد إسرائيل هي على مستوى عال من الشمولية، وهي أكبر بكثير من إمكانيات الفلسطينيين وحركاتهم الوطنية، على الأقل في المدى المنظور.

ولعل هذه الحركة التي نشأت -إلى حد ما- استجابة لصعود الوطنيات المحلية، متجاوزة المشاريع القومية المتعثّرة، لم تستطع منذ البداية وبحكم الطابع القومي للمهام التي وضعتها على عاتقها، وبحكم أوضاعها وإمكانياتها، إلا أن تنشأ ومعها التباساتها وتعقيداتها التي فرضتها الشروط والمعطيات الجغرافية والسياسية وموازين القوى المحيطة والمؤثّرة على شكل وجودها.

لذلك فإن هذه الحركة وقعت أسيرة التناقض بين هذه الشروط والمعطيات التي تفرض عليها طرح الشعارات والأهداف التي تتلاءم مع إمكانياتها ومع ما يسمح به النظام الرسمي العربي، حتى تجنب نفسها تبعات الاصطدام معه، وفي سبيل تحقيق ما يمكن تحقيقه بإمكاناتها الواقعية، وبين ضرورة تمييز نفسها عن هذا النظام لاكتساب مشروعية في الشارع العربي، عبر تبني شعار التحرير الذي يمكن بواسطته أن تبرر الحركة الفلسطينية ذاتها في تلك المرحلة، التي سبقت الاحتلال الإسرائيلي لباقي الأراضي الفلسطينية، ولأجزاء من أراض عربية أخرى، في حرب حزيران 1967.

في الواقع، وكما تبين فيما بعد، فإن النخبة الفلسطينية التي تصدرت واجهة العمل الفلسطيني، والتي أخذت على عاتقها المبادرة إليه، كانت تستهدف في ممارساتها السياسية تحريك القضية الفلسطينية وإحياء وجود الشعب الفلسطيني وهويته الوطنية، بغض النظر عن كل الشعارات الكبيرة التي أعلنتها.

وبناء على ذلك يمكننا تفسير هذا التشعب الواسع في بناء مؤسسات وهيئات منظمة التحرير الفلسطينية: الإعلامية والاجتماعية والاقتصادية، التي باتت بحق الكيان السياسي والوطن المعنوي للفلسطينيين، وهذا ينطبق على التشعب في هيئات ومؤسسات كبرى المنظمات الفلسطينية (فتح)وكانت بنية الحركة الوطنية الفلسطينية في حقيقتها، أقرب إلى بنية دولة في طور التكوين منها إلى حركة وطنية.

وفي حينه كما قدمنا، ما كان بوسع الحركة الفلسطينية الإفصاح عن أية مطامح كيانية إقليمية، فقد تم الاكتفاء بالحديث عن الكيانية السياسية، من دون أن يرتبط ذلك بأي بعد سيادي على الأراضي الفلسطينية.

وعموما فقد بدأت ملامح تحول الحركة الوطنية الفلسطينية من حركة تحرير إلى حركة استقلال وطني بعد احتلال باقي الأراضي الفلسطينية، في حرب حزيران/يونيو 1967، إذ انتعشت فكرة الكيانية الفلسطينية، خاصة وأن الخطابات السائدة حملت الأنظمة مسؤولية ضياع هذه الأراضي، وبدأت الخطابات الرسمية تتحدث عن الاعتراف بواقع وجود إسرائيل، وبالتحول من التحرير إلى إزالة أثار عدوان 1967، أو من الحديث عن الاغتصاب (1948) إلى الحديث عن الاحتلال (1967) ما أسهم في تعزيز توجه الفلسطينيين نحو التماثل مع الوضع العربي ومقررات الشرعية الدولية، المتمثلة بقرارات مجلس الأمن الدولي.

وقد تكرس هذا التحول نهائيا بعد حرب تشرين(1973) بعد تبني منظمة التحرير الفلسطينية البرنامج السياسي المرحلي في الدورة الـ12 للمجلس الوطني الفلسطيني في العام 1974، والذي أكدت عليه الدورات التالية لهذا المجلس، إذ اعتبرت الأهداف المتمثلة بدحر الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، بأنها الأهداف الواقعية الممكنة في هذه الظروف والمعطيات. وبذلك دشنت المنظمة تحولها نهائيا من حركة تحرير إلى حركة استقلال للجزء المحتل من فلسطين في حرب حزيران.

"
منظمة التحرير الفلسطينية حاولت عبر برنامجها أن تعوض الخلل في موازين القوى والتراجع السياسي العربي عب التماثل مع الشروط العربية والإرادة الدولية في مجال القضية الفلسطينية
"
وقد حاولت منظمة التحرير الفلسطينية، عبر هذا البرنامج أن تعوض الخلل في موازين القوى، والتراجع السياسي العربي، من خلال التماثل مع الشروط العربية والإرادة الدولية في مجال القضية الفلسطينية، أي أنها حاولت أن تضيف إلى شرعيتها النضالية المنبثقة من عدالة القضية، شرعية قانونية ودولية.

فيما بعد جاء اندلاع الانتفاضة الفلسطينية (أواخر 1987) ليضع الأساس الموضوعي لتقديم هدفي الحرية والاستقلال على هدف العودة، وذلك بسبب الخارطة السياسية والجغرافية والبشرية للانتفاضة، وبسبب المحددات الموضوعية والسياسية لهذه المسألة، إلا أن هذا لم يعن بأي حال من الأحوال تعارض هذه الأهداف مع بعضها، أو تقديم بعضها على حساب الآخر، وهذا ما نصت عليه "وثيقة الاستقلال الوطني" التي أكدت في فقرتين متتاليتين على "حقوق الشعب الفلسطيني الوطنية بما فيها حقه في العودة". وقد ظل هدف العودة يتصدر مختلف المقررات الصادرة عن دورات المجلس الوطني الفلسطيني إلى جانب الحق في تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية، حتى أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات أكد على حق اللاجئين في العودة على أساس القرار 194، في خطابه أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة مؤخرا.

ولكن السير في ركاب التسوية المنبثقة عن مؤتمر مدريد للسلام (أواخر 1991) والتوقيع على اتفاق أوسلو (سبتمبر/أيلول 1993) لم يكن يتمثل تماما ما تم الإجماع عليه في البرنامج المرحلي المتوافق عليه، ربما بسبب الظروف الموضوعية غير المواتية، بعد انهيار الاتحاد السوفيتي السابق، وحرب الخليج الثانية وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي فيما بات يعرف بنظام القطب الواحد. وأيضا بسبب الضعف الحاصل في منظمة التحرير بعد خروجها من لبنان (1982)، والمتغيرات الدولية والإقليمية الحاصلة.

على ذلك فقد مثلت مسيرة أوسلو تراجعا أو نكوصا حتى عن البرنامج المرحلي، بتقسيمها عملية التسوية إلى مرحلتين، الأولى تعنى بقيام حكم ذاتي انتقالي في الضفة والقطاع، والثانية تتعلق بالمرحلة الأخيرة من المفاوضات التي تخصص لإيجاد حلول لقضايا: اللاجئين والقدس والمستوطنات والحدود والترتيبات الأمنية.

هكذا بدأت مسيرة التسوية المنبثقة عن أوسلو بشكل مجحف، وفي ظل موازين قوى غير مواتية، ما أضعف صدقيتها وتفاعلاتها، خصوصا أنها ارتهنت للاشتراطات الإسرائيلية.

وكما هو معلوم فإن هذه المسيرة لاقت العثرات والتراجعات، بسبب تملصات إسرائيل من الاستحقاقات المطلوبة منها، وأيضا بسبب ضعف الأداء الفلسطيني، وتدني مستوى الإجماع على التسوية في الساحة الفلسطينية، كذلك بسبب ضعف الدعم الدولي والإقليمي لهذه العملية، بمعنى ضعف الضغط على إسرائيل.

وهكذا وصلت هذه التسوية إلى أفق مسدود مع إخفاق مفاوضات كامب ديفد2 (2000) في الولايات المتحدة، والتحول نحو الانتفاضة والمقاومة من قبل الفلسطينيين، وانتقال إسرائيل إلى محاولة قضم ما أنجز من عملية التسوية، بدعوى الدفاع عن النفس وعدم وجود شريك فلسطيني حيث قامت بمعاودة الاحتلال المباشر للضفة الغربية، بعد عملية السور الواقي (2002).

وكما هو معلوم فإن المواجهات الفلسطينية-الإسرائيلية المحتدمة منذ سبتمبر/أيلول 2000، أوجدت واقعا جديدا تحاول إسرائيل فيه تكريس الاحتلال عبر الجدار الفاصل والإمعان بتهويد القدس، ونشر المستوطنات، وعبر ضرب التواصل بين مناطق الضفة، وأخيرا بتحول إسرائيل نحو حل أحادي تمثل بالانسحاب من قطاع غزة (أواخر 2005).

ولعل مؤتمر أنابوليس (أواخر 2007) يشي باختزال البعد الكياني بمحاولة إعلان دولة فلسطينية بحدود مؤقتة (بحسب رؤية الرئيس بوش) بدعوى انقسام الكيان الفلسطيني، بعد سيطرة حركة حماس على قطاع غزة، وبدعوى ضعف الثقة بالفلسطينيين بسبب خلافاتهم، وانقساماتهم وعدم إجماعهم على التسوية.

هكذا تحولت الحركة الوطنية الفلسطينية في ظل كل هذه التطورات من حركة تحررية إلى حركة استقلال، ومن حركة سياسية إلى حركة تعنى بالشؤون الإنسانية والبلدية، لا سيما بحكم حالة الاعتماد الكلي على المعونات الخارجية التي تأتي من ما يسمى الدول المانحة أو الداعمة للتسوية.

في هذا الإطار يمكن ملاحظة كيف أن الفصائل الفلسطينية، ومن ضمنها حركة فتح، التي قادت مسيرة حركة التحرر الوطني الفلسطيني طوال المرحلة الماضية، باتت مرتهنة لإطار الكيان السياسي واستحقاقاته، فهي منذ قيام السلطة، باتت بمثابة حزب لها، على حساب دورها حركة تحرر، بكل ما لذلك من معنى وتداعيات.

"
من المثير للانتباه متابعة التطورات والجدالات الحاصلة في فتح على خلفية الجهود الجارية لعقد مؤتمرها العام السادس لملاحظة التحولات التي ستثبت عليها هذه الحركة من النواحي السياسية والتنظيمية، والتي ستحسم مآل هذه الحركة بين بقائها موحدة أو انقسامها
"
فتنظيم فتح بات في المجالات الوظيفية والمدنية والخدمية، ومقاتلو فتح باتوا في الأجهزة الأمنية التابعة للسلطة. وعلى الصعيد السياسي لم تميز فتح بين دورها وبين دور السلطة، فبدا وكأن ثمة تماه بينهما، تماما مثلما كان ثمة تماه بين فتح ومنظمة التحرير.

ورغم أن هذه الحركة قدمت الكثير في الانتفاضة (منذ سبتمبر/أيلول 2000) بعد إخفاق مفاوضات كامب ديفد، بمحاولتها المزاوجة بين الانتفاضة والمفاوضات، وبين المقاومة والتسوية، عبر مواقف الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، وعبر عمليات المقاومة التي نفذتها كتائب شهداء الأقصى (التابعة لفتح) إلا أن هذه الحركة ظلت مرتهنة للاستحقاقات التي ارتبطت بها سياسيا ووظيفيا وميدانيا، ما أدى إلى خلخلات واضطرابات، داخلية وخارجية، أثرت على وحدة هذه الحركة ودورها.

ويبدو أنه من المثير للانتباه متابعة التطورات والجدالات الحاصلة في فتح، على خلفية الجهود الجارية لعقد مؤتمرها العام السادس، لملاحظة التحولات التي ستثبت عليها هذه الحركة من النواحي السياسية والتنظيمية، والتي ستحسم مآل هذه الحركة بين بقائها موحدة أو انقسامها.

وكذلك بين حفاظها على وضعها حركة تحرر وحزب سياسي في الوقت عينه، وبين حسمها للأمر بالتحول نحو كونها مجرد حزب سياسي، وقطعها مع تاريخها السابق، بكل ما لذلك من معنى، على الرغم من أن القضية الفلسطينية مازالت قضية تحرر وطني.

وما ينبغي وعيه وتأكيده هنا أيضا، وبغض النظر عن الإشكاليات والتباينات الفلسطينية، هو أن الشروط السياسية المعقدة المحيطة بالشعب الفلسطيني وبقضيته، هي التي أسهمت وإلى حد كبير في الدفع نحو هذا التحول، بصرف النظر عن الرغبات.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك