عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


- مقومات نجاح المقاومة
- اعترافات إسرائيلية بحروف من دم

كما توقع الكثيرون، جاءت الشهادة هذه المرة على لسان صناع القرار في إسرائيل عبر تقرير لجنة فينوغراد التي قالت بما لا يدع مجالا للشك والريبة، إن "مجموعة شبه عسكرية" استطاعت إلحاق الهزيمة النكراء بأكبر جيش في منطقة الشرق الأوسط.

"
أكثر ما لفت نظر قادة الجيش الإسرائيلي هو ما وصفوه بـ"الجرأة الأسطورية" للمقاومين، كما أسماها القائد السابق لقوات الجيش في غزة
الجنرال بنيامين شلومي
"
هذه الكلمات لم تكن تنتظرها المقاومة الإسلامية في لبنان ممثلة في حزب الله الذي قدم مقاتلوه أداء عسكريا عز نظيره في تاريخ المواجهات العربية الإسرائيلية، ولكن أن تأتي هذه الشهادة من قبل أكبر قضاة إسرائيل وجنرالاتها فهذا شأن آخر.

في نفس الصعيد، وبينما يلتقط الإسرائيليون أنفاسهم، جمهورا وساسة ونخبا إعلامية وثقافية، بعد صدور التقرير الخاص بسجل المواجهة الدامية بين مقاتلي حزب الله، وبين عناصر ما كان يعرف سابقا بـ"الجيش الذي لا يقهر"، تتوقع محافل سياسية وأمنية وصحفية مطلعة صدور فينوغراد رقم 2 نتيجة لمواجهة ترى الكثير من التوقعات أنها آتية لا محالة، بين مقاتلي المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة، وتحديدا حماس والقسام، وجنود الجيش الإسرائيلي.

ذلك أن الجنود العائدين حديثا من ساحات المواجهة على أطراف غزة يقدمون إفادات وشهادات لقيادة هيئة أركان الجيش بأنهم لا يقاتلون مجموعات عسكرية متناثرة، بل يواجهون جيشا وصفوه بـ"شبه النظامي"، مما دعا الأجهزة الأمنية الإسرائيلية إلى التوقف فترة من الزمن عن إطلاق صفات "الإرهابيين والمخربين" عليهم كما جرت العادة، واستبدالها بأوصاف المقاتلين، في توصيف أقرب ما يكون لما وصف به فينوغراد مقاتلي حزب الله!

السؤال الذي نحاول طرحه والإجابة عليه في هذه العجالة، ما هي المقومات التي جعلت المقاومتين الفلسطينية واللبنانية، وتحديدا حماس وحزب الله، تشكلان تهديدا إستراتيجيا للكيان الإسرائيلي، وضعته وزارة الخارجية الإسرائيلية أخيرا في تنبؤاتها الاستخبارية على رأس التهديدات التي ستواجه الدولة في 2008؟

بل إن مواجهة هذه المقاومة المتصاعدة كانت في صلب محاضرتين ألقاهما رئيس الحكومة إيهود أولمرت ورئيس هيئة أركان الجيش غابي أشكنازي في المؤتمر الخاص الذي عقده حديثا معهد دراسات الأمن القومي بجامعة تل أبيب، وتمحور حول "التحديات الأمنية الإسرائيلية للقرن الحالي".

مقومات نجاح المقاومة
تميزت المقاومتان الفلسطينية واللبنانية بعدد من الخصائص المعنوية والمادية، العسكرية والأمنية، دفعت المراقبين والمحللين العسكريين للإقرار بالتطور الذي وصلت إليه، واقترابها من درجة الجيوش المنظمة.

فالأعداد الكبيرة للمقاتلين وامتلاكهم أنواعا متعددة من الأسلحة بكميات كبيرة، وتكوين أجهزة استخبارية وإعلامية يعزز ما أظهرته المقاومة من جاهزية عالية في الكر والفر، ونقل المعركة لأرض العدو عبر تكامل منظومة الصواريخ والقذائف المضادة للدروع.

ويمكن تحديد أهم هذه الخصائص على النحو التالي:
1- روح التضحية العالية:
وتكمن قيمتها في كونها المنبع والمحرك لكل الخصائص الأخرى، لأنها الروح الجياشة التي تدفع بالمقاوم إلى الحرص على الوصول لهدفه، فقد نفذ المقاومون عملياتهم في غزة وبنت جبيل ونابلس ومارون الراس، تحت ظروف قاسية، وكانوا يدركون مسبقا إمكانيات وقدرات المحتل.

ومع ذلك كانت استعداداتهم لاقتحام الصعوبات ومواجهة الجيش كبيرة، مما يدل على الحالة المعنوية المرتفعة التي تمتعوا بها.

وكان أكثر ما لفت نظر قادة الجيش ما وصفوه بـ"الجرأة الأسطورية" للمقاومين، كما أسماها القائد السابق لقوات الجيش في غزة الجنرال بنيامين شلومي.

وهذه الجرأة هي التي دفعت أحد قادة لواء جفعاتي للقول إنه كان بإمكان الفلسطينيين "أن يتركونا متذرعين بتفوقنا التقني الهائل عليهم، لكنهم تحدونا وتجاهلوا مظاهر تفوقنا، إن مقاوميهم لا يهابون أي شيء".

"
لو تتبعنا تصريحات وطمأنة قادة جيش إسرائيل لظننا أن المقاومة غابت عن الوجود، لأن الجيش لم يترك أي عنصر من حماس إلا اعتقله، ومن استطاع أن يغتاله لم يقصر في ذلك، لكننا نفاجأ بأن حماس ما زالت تواصل المقاومة بشكل يثير الإعجاب
"
وقد قال جنرال الاحتياط يوحنان تسوريف: "هاكم على سبيل المثال حركة حماس، فلو تتبعنا تصريحات وطمأنة قادة جيشنا، فإن هذه الحركة من المفترض أن تكون قد غابت عن الوجود، لأن الجيش لم يترك أي عنصر من حماس إلا اعتقله، ومن استطاع أن يغتاله لم يقصر في ذلك، لكننا نفاجأ بأن حماس فاجأت الجميع بقدراتها على مواصلة المقاومة بشكل يثير الإعجاب".

2- السرية وعدم النزوع للعمل الدعائي
تشير هذه الخاصية إلى أين يجب أن يكون التركيز والعمل، وهي التي دفعت غالبية المقاومين إلى تجنب أخذ الصور، وعدم الظهور في استعراضات عامة، والعمل بصمت دون ضجيج، مما أعطاهم القوة والاستمرار.

ومن أروع صور السرية التي تمتعت بها المقاومة، إجراءات التخفي والتمويه التي يقوم بها رموزها، لا سيما المطلوبون لقوات الاحتلال وأجهزته الأمنية، وأكثر من ذلك فقد أشارت مصادر عسكرية إلى أن العديد من عمليات المقاومة كان يستغرق الإعداد لها أسابيع وشهورا، مما يشير لفشل العدو الاستخباري.

ولعل أكبر مثال على ذلك عمليتا أسر الجنود الإسرائيليين اللتان نفذهما مقاتلو حزب الله وحماس في عمليتي "الوعد الصادق" و"الوهم المتبدد".

3- الاحتراف القتالي في إتقان الهجوم
الكثير من الإفادات التي أدلى بها الجنود والضباط للجنة فينوغراد تشير بصورة واضحة إلى تمتع مقاومي حزب الله بقدرة فائقة على تنفيذ الهجمات العسكرية، والانسحاب المنظم دون خسائر، وإجادة التمويه، رغم أنهم لم يتدربوا في كليات عسكرية، ولم يتعلموا من دورات في هذه الدولة أو تلك.

وهذا ما أزعج أوساط جيش الاحتلال حين اعترف ضباط كبار بدقة إتقان تخطيط هذه العمليات، بجانب قناعتهم أن عمليات المقاومة تتحسن من حيث التخطيط والتنفيذ من عملية لأخرى.

وقد اعتبر المؤرخ العسكري أوري ميسلشتاين أن حرب العصابات ليست ظاهرة جديدة على الجيش الإسرائيلي، فقد وقع الكثير من هجماتها في السبعينيات، أما هذه المرة فإن العمليات تنجح، وأصبح المقاومون يتغلبون على الإسرائيليين من الناحية التقنية المحصنة.

ويقول رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية السابق الجنرال يهوشاع ساغيه على المواجهة الشاملة التي خاضتها المقاومة إنها لم تعد انتفاضة، إنها حرب عصابات جامحة بلا حدود!

4- الكثافة الكمية والنوعية
شهدت السنوات الأخيرة تكثيفا غير مسبوق في تنفيذ العمليات العسكرية، فلا يكاد يمر أسبوع دون تنفيذ عملية عسكرية نوعية في الحد الأدنى، عمليات اتسمت كلها بنوعية محددة، وهي تكتيك الكمين والهجوم والمواجهة التي تعتمد على الأسلحة الرشاشة.

ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أهمية هذا النمط من العمليات، لكونه يترك للمقاوم الحرية الكبيرة في التحرك ومفاجأة المحتل بتوجيه الضربة أولاً، وهذا النمط من العمليات يحتاج لعامل الرصد وبث العيون والمراقبة الدقيقة للموقع.

لذلك قد تستغرق العملية مدة طويلة إلى أن تأتي اللحظة الحاسمة لتنفيذها، مما دفع المسؤولين العسكريين لإطلاق صيحات الخطر والخوف.

5- استهداف دوريات الجيش
شكلت العمليات الموجهة للأهداف العسكرية البحتة ذروة التحدي الذي أعلنته قوى المقاومة للدولة العبرية بأسرها، والمقصود من هذه العمليات قتل جنود عسكريين، أي تحدٍّ عسكري بحت "جندي أمام جندي".

وتكتسب الهجمات الموجهة نحو الآلة العسكرية عدة مميزات برزت بصورة واضحة في الحرب السادسة التي استمرت 33 يوما، دفعت بالمعلق العسكري إليكس فيشمان إلى القول بأن جنود الجيش تحولوا من صيادين إلى مصطادين، إلى بط في مرمى النيران.

وتساءل وقد هوجمت العديد من المواقع العسكرية، فقتل الجنود وجرحوا، ما الذي فعله الجيش بهذا الصدد؟ ما الذي فعله القادة الميدانيون؟ معلقا "من الواضح أن الجيش لا يستخلص العبر من الحوادث، لأن ما حدث يشهد على عدم استيعاب الجيش لهذا الواقع الكابوس"!

6- الدقة في التخطيط والتنفيذ وإصابة الهدف
حققت غالبية العمليات التي نفذتها المقاومة نتائجها العسكرية المرجوة، بحيث كان اختيار الهدف من النواحي السياسية والعسكرية عاملا كبيرا في نجاحها.

واستطاع المقاومون اختراق كافة الإجراءات والحواجز الأمنية التي اتخذتها قوات الاحتلال، للحيلولة دون تنفيذ عملياتها العسكرية.

ومما يدل على دقة العمليات التي نفذها المقاومون، الخسائر البشرية العالية التي أصابت قوات الاحتلال.

وفي تعقيبه على تصاعد المقاومة، أكد رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال عاموس مالكا أن هذه العمليات ترسم صورة قاتمة لمستقبل الأمن الإسرائيلي، مشيرا إلى قدرة حركات المقاومة على تعلم واستنباط العبر من كل عملية تقوم بها، فضلا عن دراستها بشكل جيد الاحتياطات الأمنية.

وتشكل هذه النقطة في كثير من الأحيان تحديا كبيرا للعسكرية الإسرائيلية بكل ما أوتيت من إمكانيات لا تقارن مع إمكانيات هذه المقاومة.

"
الحقيقة التي يجب على دوائر صنع القرار في إسرائيل إدراكها هي أنه لا يوجد مطلقا حل عسكري للمقاومة، وحتى يقتنع القادة الإسرائيليون بهذه الحقيقة فإن مزيدا من خيبات الأمل ستكون من نصيب إسرائيل
"
اعترافات إسرائيلية بحروف من دم
شكل استمرار المقاومة وامتدادها من كريات شمونة إلى سديروت، ووقوع إسرائيل بين فكي كماشة صواريخ الكاتيوشا في الشمال، وصواريخ القسام في الجنوب، دليلا على فشل ذريع لإستراتيجيتها في مواجهة المقاومة.

وقد اعتقد الكثير من الجنرالات أن استمرار المقاومة سيضعف قدرات الجيش على مواكبة تطوير نفسه، فضلا عن أنها أحالت التفوق النوعي الإسرائيلي، خاصة القنابل والصواريخ المتطورة، إلى "قوة محايدة"، وساعدت على تهشيم بنية الردع العسكري، وإحباط نظرية الأمن وإحلال مفهوم المجتمع المذعور محلها، خاصة في ظل انتهاج المقاومة أسلوب الضرب لكل هدف وفي كل مكان.

وهذا في النهاية يفقد الأسلحة التقليدية من وسائل الهجوم والردع قيمتها أو يكاد، ذلك أن الصاروخ المطور بمعونة أميركية يمكنه تهديد عاصمة عربية أو تدمير قاعدة عسكرية لجيش نظامي، لكنه لا يستطيع إلقاء القبض على مقاوم يقتحم مستوطنة، أو استشهادي يتسلل إلى حافلة!

وقد تجلى الاعتراف بفشل القضاء على المقاومة، عبر أقوال الجنرالات والمسؤولين، ومنها:
- رئيس هيئة الأركان السابق موشيه يعلون الملقب بـ"مهندس سياسة القبضة الحديدية في مواجهة الانتفاضة"، أكد أن الجيش لن يكون بمقدوره أن يضع حدا نهائيا للمقاومة بوسائل القوة، واصفا السياسة الأمنية التي كلفته الحكومة بتطبيقها بأنها كارثية.

وتكمن أهمية تصريحاته في أنها تصدر عن أكبر مرجعية عسكرية، وتحديدا الشخص الذي رفع شعار "ما لم يأت بالقوة، يأتي بمزيد من القوة" في مواجهة المقاومة.

- وزير الحرب السابق شاؤول موفاز اعترف في اجتماعه بمجموعة من الجنود بشراسة المقاومة، معتبرا أن الحرب معها لا تشبه أي حرب خاضتها إسرائيل من قبل، وخاطبهم قائلا: "خدمتكم العسكرية لا تشبه أي خدمة في أي فترة، ولا تشبه حتى خدمة الجنود والضباط الذين خدموا في كل حروب إسرائيل".

- الرئيس السابق لقسم الأبحاث في شعبة الاستخبارات العسكرية الجنرال داني روتشيلد يقول: "إنه لأمر يثير اليأس والإحباط أن تنجح حركة حماس التي تقود باقي الفصائل بعد كل ما تعرضت له من ضربات في تنفيذ تلك السلسلة من العمليات الفدائية، إن أقل ما يمكن أن يقال هنا إن حديث الأجهزة الأمنية عن تقليص قدرات حماس أمر ليس فقط مبالغا فيه، بل ومحض خيال"!

- وزير الدفاع السابق بنيامين بن إليعازر علق على تصاعد المقاومة قائلا: "علينا التخلي عن الكثير من المسلمات التي تعلقنا بها في الماضي، وهي أننا لن نمنع مواصلة تقتيل مواطنينا في الشوارع والمقاهي والمنتديات.

بإمكاننا مواصلة الحديث عن الحسم الأمني في مواجهة المقاومين، لكن المقاومة بعد كل هذه الجهود التي بذلناها، تدل على أن هذه إمكانية غير واقعية مطلقا، ومن يواصل الحديث عن الحسم فهو بلا شك يوهم نفسه"!

- إيتان هابر مدير مكتب إسحاق رابين قال: "إن الحقيقة التي يجب على دوائر صنع القرار في إسرائيل إدراكها هي أنه لا يوجد مطلقا حل عسكري للمقاومة، ولذلك إلى أن يتشرب القادة الإسرائيليون هذه القناعة، فإن مزيدا من خيبات الأمل ستكون من نصيبنا"!

ملاحظة ختامية لابد منها، فإن الجزء السري من التقرير الذي نتحدث عنه، والذي رفض القاضي إلياهو فينوغراد الإفصاح عنه، يحتوي بلا شك على سيل يبدأ ولا يتوقف من هذه الاعترافات لمن أراد الاستزادة!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك