راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

لأن السياقات العامة للأوضاع في معظم بلاد العرب استثنائية بل حتى شاذة عن سنن العدل وعما هو سائد من سنن الاجتماع البشري، التي تمتح -في عصرنا- من قيم الديمقراطية في تدبير الشؤون العامة للدول والشعوب، فقد تراجعت الفرص والآمال لدى معظم شعوبنا في أن تحقق حظها من الديمقراطية والحكم الرشيد، عبر ما يتوسل به عادة من منافسات انتخابية سلمية واحتكام نهاية لحكم صناديق الاقتراع.

فهذه الوسائل في منطقتنا إما مرفوضة من الأساس من قبل البعض أو محكومة بالغش لدى البعض الآخر، أو مرفوضة نتائجها لدى فريق ثالث، بما يجعل الفائز وأنصاره مستحقا بسبب فوزه للعقاب وحتى الاستئصال، محرضا ومعانا عليه من قبل قوى داخلية وخارجية ونخب كثيرة.

وذلك على غرار ما حصل للنهضة التونسية عقب فوزها في انتخابات 1989 وللجبهة الإسلامية في الجزائر عقب فوزها في انتخابات 1992 وللإخوان في مصر إثر فوزهم الجزئي في تشريعيات 2005 وحركة حماس إثر فوزها في تشريعيات 2006.

"
بقدر ما تنحسر آمال الشعوب في تحقيق أهدافها في العدل والتحرر عبر معتاد الوسائل بقدر ما تبحث عن سبل أخرى غير معتادة للخروج من حالة التأزم والاختناق والانسداد، فيتخذ تطورها نهج الصدمات من قبيل الانقلابات والثورات والانتفاضات
"
والملاحظ أنه بقدر ما تنحسر آمال الشعوب في تحقيق أهدافها في العدل والتحرر عبر معتاد الوسائل بقدر ما تبحث عن سبل أخرى غير معتادة للخروج من حالة التأزم والاختناق والانسداد، فيتخذ تطورها نهج الصدمات من قبيل الانقلابات والثورات والانتفاضات.

1- انتفاضة ثالثة: لم يخطئ من أطلق وصف الانتفاضة الثالثة على ما حدث الأيام الأخيرة في غزة من اندلاع إعصار بشري، أطار في الهواء بعض حواجز السجن التي حشر وراءها مليون ونصف المليون من السكان.

اندفع أكثر من نصفهم دائسين على جدران المعتقل البائس متمردين على سياسات صهيونية مدعومة بلا حدود أميركيا وأوروبيا مع تخاذل عربي، مصممة على قتلهم جوعا أو مرضا أو قصفا، عقابا لهم على قرارهم التصويت لخيار المقاومة الذي تقوده حماس وفصائل أخرى، بديلا عن خيار الاستسلام الذي تقوده "سلطة" كادت تمحض شرعيتها -على غرار أخواتها العربيات- في حماية المصالح الأجنبية.

والمقصود هنا أمن الاحتلال وتجريد المقاومين من السلاح والتبليغ عنهم وحتى اعتقالهم وتعذيبهم وتسليمهم للعدو، تنفيذا لاتفاقيات خانعة بدأت بأوسلو وتوابعها التي حوّلت أكبر منظمة تحرير عرفتها المنطقة إلى أجهزة أمنية ونخب مؤنّسة موظفة في خدمة الاحتلال ومطاردة المقاومة.

ولأن العدو ممتلئ غرورا منتفخا بما يلقاه من دعم دولي وتخاذل إقليمي وحتى تواطؤ فلم يستبق للمتعاملين معه حتى على الحد الأدنى مما يحفظ ماء الوجه فلم يرض منهم غير التحول إلى أتباع مطيعين يقبلون بكل الشروط الإسرائيلية ويديرون ظهورهم للمقاومة وللعالم العربي.

ولآن عرفات –رحمه الله- استنكف من احتساء الكأس حتى النهاية متشبثا بحق شعبه والمسلمين في القدس فقد قرروا تصفيته بعد تصفية ممنهجة لسلسلة طويلة من قيادات المقاومة حتى أفضى الأمر إلى رهط من القادة، لا يردّون لامسا، ربطوا مصيرهم وشعبهم بالاحتلال وبالقوى الداعمة له، التي لا ترى في المقاومة غير كونها إرهابا ينبغي أن تكون الوظيفة الأولى للسلطة استئصاله.

2- سلطة في خدمة المقاومة وأخرى لمطاردتها: لقد فجرت حماس الانتفاضة الثانية بعد أن تكشفت اتفاقات أوسلو عن حقيقة خوائها من كل معنى لسيادة فلسطينية وبالخصوص بعد اندفاع المشروع الصهيوني اندفاعة جنونية بقيادة شارون، فآلت أوضاع السلطة بعد التخلص من عرفات إلى رجل عدو بطبعه للمقاومة استودع كل أرصدته لدى أولمرت وبوش والأوروبيين مستدبرا شعبه وبعده العربي.

 كما أنه أعطى المزيد من الوقت والفرص لتوسع سرطان الاستيطان وتكثيف الحواجز وتمدد جدار الفصل العنصري والتهام القدس وتكثيف الاعتقال في صفوف المقاومين، فكان مفهوما جدا أن ينصرف الناس بآمالهم عن سلطة بهذا التفريط والفساد والاستسلام إلى منظمة شابة لا تمثل فحسب الطهر والفداء والتفاني في خدمة الناس بل العقلانية والواقعية ، ومن ذلك قرارها بخوض الانتخابات سبيلا آخر لحماية المقاومة.

"
رئيس السلطة راهن على إفشال حكومة حماس رافضا بذل أي جهد لتوظيف علائقه الدولية في التعريف بها ودعمها بل هو لا يفرط في أي مناسبة للتحذير من التعاون معها ومساعدتها، وذهب الأمر إلى أبعد من ذلك
"
ويبدو أنها قد فوجئت بالحجم الكبير للآمال المعلقة عليها وبمدى الرفض الشعبي للطرف الآخر والرغبة في التغيير فلم يكن أمامها إزاء هذا التحول الشعبي العارم في اتجاهها إلا أن تقدم على حمل الأمانة، عارضة على فتح وكل الفصائل مشاركتها في السلطة، ولأن فتح لم تستوعب حجم الإهانة التي ألحقها بها الناس ولأنها تعلم مدى الرفض الإسرائيلي والدولي والإقليمي لحماس فقد راهنت على فشلها في محاولة بائسة للعودة بالأمور إلى وراء، تماهت خلاله القضية مع المنظمة وهذه مع فتح بما يشبه عقائد الحلول والاتحاد.

ولذلك ذهبت سدى كل المحاولات العربية في إقناعها بالعمل المشترك بل ظلت سمّاعة للناصح الإسرائيلي الأميركي بل للاستجابة لخطوطه الحمراء ومنها العمل مع حماس.

وأشد من ذلك فقد راهن رئيس السلطة على إفشال حكومة حماس رافضا بذل أي جهد لتوظيف علائقه الدولية في التعريف بها ودعمها بل هو لا يفرط مناسبة في التحذير من التعاون معها ومساعدتها، وذهب الأمر إلى أبعد من ذلك فتولت الأجهزة الاستخباراتية الأميركية والصهيونية تدريب وتمويل أجهزة أمنية أغدقت على قادتها العطايا ووظفتهم أداة أخرى فعالة في تنفيذ مخطط الإفشال عبر إشاعة الفوضى والفلتان الأمني بما لا يبقى معه معنى لسلطة في أي مكان.

وهو ما اعتبره قادة حماس المباشرون على الأرض تمهيدا لانقلاب عليهم بل هو الانقلاب ذاته فماذا يبقى لحكومة لا سلطة لها على الأمن؟

والغريب أن هذا ما اشتكى منه أبو مازن ذاته يوم تسلم رئاسة حكومة، قرار أجهزتها الأمنية ليس بيده، فاتخذوا قرارا لإعادة الأمور إلى نصابها اعتبره الطرف الآخر انقلابا جاعلا من التراجع عنه والاعتذار عليه والاعتراف بالاتفاقات التي وقعتها السلطة وفي طليعتها تجريد المقاومة من السلاح شرطا مقدسا لأي حوار، تقديرا منه بل من أولياء نعمته أن تشديد الحصار على قطاع غزة بعد تجريد حكومة حماس من "الشرعية" مع توالي القصف الإسرائيلي سيفضي نهاية لا محالة إلى إقناع الغزاوين بخطأ خيارهم حماس والمقاومة فيندفعون في ثورة مضادة عليها بما تسببت لهم من أهوال.

وذلك هو الذي حدث إذ تفجروا في انتفاضة عارمة ولكن ليس ضد حماس والمقاومة وإنما ضد السياسة الأميركية الصهيونية في المنطقة والمتعاونين معها بدءا من سلطة أوسلو التي لم تفعل ولا النظام العربي شيئا لرفع الحصار الخانق على غزة، فكانت الانتفاضة الثالثة.

3- لماذا كانت الانتفاضة في الاتجاه المذكور ولم تكن في اتجاه حماس وهي التي تسببت بسياساتها المتمحورة حول المقاومة في ما آلت إليه أوضاع الناس من تجويع وقتل؟ واضح أن الذين بنوا خطتهم على أن تشديد الحصار والخناق على أهل غزة والتقتيل اليومي كفيل بحد ذاته بتثوير الناس على حماس، أنهم لا يتوفرون حتى على الحد الأدنى من القيم والمثل المؤسسة للشخصية الجمعية لأمتنا.

أمتنا لم تتخل يوما عن قائد في الميدان، سارت وراءه إلى معركة في أي مجال فانهزم، ما دامت واثقة من إخلاصه وبذله. ألم يخرج الشعب المصري في انتفاضة عارمة إثر إعلان عبد الناصر عن الهزيمة وتنحّيه عن السلطة، خرجت ثائرة لكرامتها رافضة الاعتراف بالهزيمة داعية قائدها إلى العودة إلى موقعه وقيادتها مجددا إلى المعركة، متناسية -في تلك اللحظة- ضروبا شنيعة من قمع أجهزته.

فهل يتصور عارف بمكونات هذه الشخصية الجمعية لأمتنا وهي مكونات متكثفة في فلسطين وفي غزة بالذات حيث نحن إزاء تكوين عنيد، أن يتخلى أهل غزة عن منظمة خبروها منذ عشرات السنين توالي خدمة الكبير والصغير بالقدر الذي توالي به تشييع مواكب شهدائها وفي طليعتهم قادتها وأبناؤهم.

هل من مقارنة منصفة بين هذا الرهط من القادة وبين نظرائهم في فتح وأبنائهم؟ هل من مقارنة منصفة بين قادة لا يزالون يسكنون المخيمات ويؤمون الصلوات وبين سكان القصور من الطرف الآخر، فهل يلام شعب غزة أن اندفع يكسر أصفاده مطيحا بحاجز من حواجز الذل التي تكبل شعوبنا. هنيئا لشعب غزة بعزته وبحريته وبقيادته وبشهدائه وشهيداته، فهو من أهم ما تبقى من وسائط التفجير الثوري في الأمة.

"
اندفع الغزيون بحرارة الموت فأصابوا بعض حاجتهم عند جيرانهم والتحم الشعب الواحد المنشطر بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية فبلّوا أرحامهم بل تزوج بعضهم، غير أن حواجز الذل والقهر ما لبثت أن عادت
"
4- هل الانتفاضة حدث أم مسار؟ لقد فتحت ثغرات في حواجز الموت والجوع والذل التي تكبل شعب غزة ويتولى رعايتها نيابة عن النظام الدولي الذي فرض علينا فسيفساء سايس بيكو، هل ستون حدثا عابرا: اندفع الناس بحرارة الموت فأصابوا بعض حاجتهم عند جيرانهم وتزودوا ببعض حاجياتهم لأسبوع أو أسابيع والتحم الشعب الواحد المنشطر بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية فبلّوا أرحامهم بل تزوج بعضهم، غير أن حواجز الذل والقهر ما لبثت أن عادت وعاد حولها حرس شديد يزمجر (أبو الغيط) متوعدا بقطع كل رجل فلسطينية تخترق الحواجز.

وكأن السلطة المصرية التي أخذت على غرة وتصرفت بقدر من الحكمة مع التسونامي المندفع ما لبثت أن تكأكأت عليها الضغوط فعادت حليمة إلى عادتها. هل ذلك ممكن؟ ذلك من قبيل ما ينبغي ألا يكون. لأنه لا يجد سندا من خلق ولا دين ولا وطنية ولا إنسانية.

لقد أخبر صاحب القلب الرحيم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن "امرأة دخلت النار في هرة. حبستها فلا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل من خشاش الأرض" فكيف والأمر يتعلق بحبس مليون ونصف المليون من البشر بل من خيرة البشر، لا زودتهم جارتهم الكبرى بالغذاء والوقود الذي تزود به العدو الإسرائيلي ولا رفعت في وجوههم الحواجز ليصيبوا حاجتهم من جيرانهم فيفيد الجميع بدل أن ينتظروها من العدو، يمنّ بها أو يحجزها متى شاء.

ولأن قرار إطاحة الجدار كان ضرورة حياتية قصوى مثل قرار إطاحة أوغاد الأمن، ولأنه قد اهتز في عمق كل نفس مصرية بل في المنطقة كلها قبل أن يهتز حيث هو فلن يسمح شعب مصر الأبي -وغزة امتداده الطبيعي وأول دوائر أمنه القومي- بعودته، عودة الحصار الإجرامي

5- فلسطين وسيط تفجير: انتفاضة الجوعى تذكر بانتفاضات مماثلة حصلت في تونس ومصر 1978وتكررت في تونس 1984 وفي الجزائر 1988 هي من قبيل الانفجاريات الطبيعية بنتيجة تراكم الضغط وانعدام المتنفسات، ولا يستبعد أن تكون أوضاع معظم بلاد العرب مشحونة بالضغوط المتراكمة التي تنتظر الوسائط التفجيرية وتمثل القضية الفلسطينية بسبب عمقها في الدين والثقافة والتاريخ والإستراتيجية القضية المركزية للأمة، وسيطا من أهم الوسائط التفجيرية.

ولذلك بقدر ما تمثله من تحد ومحنة حقيقية للأنظمة المطحونة بين نظام دولي مستهتر بمصيرها لا يني يوالي الضغط عليها للاعتراف بالكيان اللقيط وبين شعوبها التي تجلدها ليل نهار من أجل قطع كل وشيجة بالعدو وتقديم الدعم للمقاومة، بقدر ما تقدمه هذه القضية المباركة لشعوبنا المكافحة من أجل العدل والحرية والوحدة من فرص للانتفاض على أنظمة سدت في وجه دعاة الإصلاح كل سبله فما يكاد يبقى من سبيل غير سبيل العلاج بالصدمة سبيل الانتفاض.

وهو ما يقيم علاقة جدلية متبادلة بين تحرير فلسطين وتحرير الأمة من الظلم من الاستبداد والحيف والتجزئة والتفسخ فكل خطوة إيجابية على المسار الأول خطوات ايجابية على المسار الثاني وهو ما حمل أحد مناضلينا الدكتور منصف المرزوقي على ملاحظة أن فلسطين هي التي ستحررنا ولسنا نحن.

"
حماس اليوم آل إليها واقعا أمر قيادة المشروع الفلسطيني ووفق ذلك يجب أن تتصرف وأن ترتفع باحثة عن الإجماع مرتفعة عن المناكفة، فتكون مظلة لكل الفلسطينيين كما كان الحسيني والشقيري وعرفات رحمهم الله
"
وتكفي متابعة بسيطة لحالة التوتر الأمني التي غدت عليها الأنظمة أمام بدايات ثوران الشعوب احتجاجا على ما حدث في غزة وكأننا في حالة طوارئ، لنقف على الدور الذي قام ويقوم به الكيان الصهيوني وأولياؤه في إحياء الأمة وتوحدها حول تحرير فلسطين وما وقع ويقع فيها من فرز بين نخبها وتياراتها الفكرية في ضوء امتحانها على هذه الصخرة، وهو ما يجعل من المقاومة في فلسطين بقيادة حماس وانتفاضاتها ليس حدثا عابرا وإنما تعبير عن تحول عميق في المشروع التحرري الفلسطيني وتبعا لذلك المشروع العربي باعتبار أن من يرفع راية القيادة في الأول تؤول إليه الراية في الثاني، ذلك درس التاريخ الحديث للمنطقة.

وهذا ما يفرض على حماس مسؤولية أكبر وعقلنة أكبر، مزاوجة بين الثورية فلا تتخلى عن المقاومة أبدا، وبين الواقعية فلا تفرط في السلطة، لتكون في خدمة المقاومة.

واضح لم يعد ممكنا إدارة المعابر دون التعامل مع حماس. ولكن لا تزال سلطة عباس أمرا واقعا لم ترفضه حماس وإنما هو المتعنت تشبثا بالسراب.

جيد أن تقيم عليه الحجة باستمرار، ولكن غير مفهوم لماذا رفضت دعوته إلى وقف متبادل للقتال مع إسرائيل، وهو هدف إستراتيجي لم تقبل به إسرائيل المتعجرفة قط مع الفلسطينيين، لما يعنيه من اعتراف بتوازن إستراتيجي معهم، تسعى المقاومة لبلوغه.

حماس اليوم قد آل إليها واقعا أمر قيادة المشروع الفلسطيني ووفق ذلك يجب أن تتصرف وأن ترتفع، باحثة عن الإجماع مرتفعة عن المناكفة، فتكون مظلة لكل الفلسطينيين كما كان الحسيني والشقيري وعرفات رحمهم الله. أما فتح فقد أصبحت جزءا من مخلفات التطور.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك