علاء بيومي

رجل مسيحي متدين
جيل جديد من قادة البروتستانت الإنجليكيين
تهديد التحالف الجمهوري
تشدد مضحك مبك

التعرف على شخصية مايك هاكابي –أحد المتنافسين على تمثيل الحزب الجمهوري في انتخابات الرئاسة الأميركية المقبلة - مفيد رغم حظوظه الضعيفة في الفوز بترشيح الجمهوريين، إذ ترتبط أهمية هاكابي السياسية بعلاقته الوثيقة بقوى البروتستانت التبشيريين السياسية واسعة النفوذ بأميركا.

ولكونه يمثل –كما يرى كثيرون– جيلا جديدا من قيادات اليمين الأميركي المسيحي المتدين تتميز بقدر من التسامح والفكر الجديد الأمر الذي ساهم في صعود نجم هاكابي، ولكنه في نفس الوقت يروج لأفكار غاية في التشدد خاصة على صعيد السياسة الخارجية لدرجة تدعو للسخرية المخلوطة بالأسى والحسرة وتتنبأ بسقوطه عاجلا أو آجلا.

رجل مسيحي متدين
هاكابي يعد مرشحا مثاليا لقوى اليمين المسيحي المتدينة بالولايات المتحدة والتي تعرف اختصارا باسم "البروتستانت التبشيريين". فهو قس سابق وخريج جامعة دينية، ومدافع صادق عن قضايا اليمين المسيحي المتدين على المستوى الأخلاقي وعلى رأسها قضيتا منع الإجهاض وحظر زواج الشواذ. فسجله ومواقفه الداعمة لتلك القضايا واضحة على عكس مرشح مثل مت رومني والذي يحاول خطب ود البروتستانت التبشيريين في الانتخابات الحالية، ولكنه يمتلك سجلا مختلطا بين دعم ورفض الإجهاض.

كما أن صاحبنا يتحدث عن الدين والتدين وحاجة أميركا لهما بجراءة وصراحة يحسد عليها، ويؤكد على رفضه نظرية التطور وإيمانه بوجود خالق للكون وبدور الدين والإنجيل في حياة الأمة والمواطن الأميركي.

"
يمثل هاكابي جيلا جديدا من قادة اليمين المسيحي المتدين بأميركا بشكل لا يرضي قادة التيار وإن كان يغري شبابه وجيله الجديد
"
وقد عمل هاكابي بداية حياته بمنظمات اليمين المسيحي بإحدى منظمات جيمس روبنسون، وهو أحد قيادات تيار البروتستانت التبشيريين وأحد مهندسي صعود التيار السياسي والإعلامي منذ سبعينيات القرن العشرين. ويقول روبنسون عن هاكابي إن "معتقداته تشكل شخصيته، وشخصيته سوف تشكل سياساته، وحياته كلها صيغت وفقا للقيم الأخلاقية الأصيلة" وهو أمر يجعل هاكابي يتفوق في نظر البروتستانت التبشيريين على مرشح مثل جون ماكين الذي سبق له وانتقد بعض أكبر قادة التيار السابق مثل القس الراحل جيري فالويل الذي وصفه ماكين بعدم التسامح.

جيل جديد من قادة البروتستانت الإنجليكيين 
ولكن العوامل السابقة مجتمعة لم تشفع لهاكابي لدى قادة البروتستانت التبشيريين حيث تشير تقارير مختلفة إلى تردد قادة التيار في دعم هاكابي لدرجة حيرته شخصيا، فهو الشخص الأكثر انتماء لهم وتعبيرا عن قضاياهم. 

ويرجع البعض أسباب هذا التردد إلى أن هاكابي يمثل جيلا جديدا من قادة اليمين المسيحي المتدين بأميركا بشكل لا يرضي قادة التيار، وإن كان يغري شبابه وجيله الجديد. 

ويشير هؤلاء إلى أن قيادة تيار البروتستانت التبشيريين السياسي تمر بالفترة الحالية بمرحلة إحلال وتجديد لأسباب طبيعة وأخر سياسية. فغالبية قادة التيار أصابهم الهرم وبعضهم قضى نحبه مثل جيري فالويل، والكثيرون منهم تقدموا في العمر وباتوا عاجزين عن لعب دور سياسي. كما أنهم باتوا يمثلون جيلا قديما تقليديا ينتمي لعهد ولى، جيل غريب إلى حد كبير عن أجيال البروتستانت الشابة والتي نشأت في عصر الإنترنت وملت الإنصات إلى أفكار كبار قادة التيار التي باتت تقليدية.

وهنا تأتي أهمية هاكابي المولود عام 1955 والذي يتميز بلباقة الحديث وخفة الظل والقدرة على عزف الموسيقى، فالرجل يحلو له الحديث عن ماضيه مع البدانة وكيف تخلص من وزنه الزائد عن طريق ممارسة الرياضة حتى أنه ألف كتابا عن إنقاص الوزن، كما أنه ينتهز الفرصة لعزف الموسيقى مع الفرق المحلية بالمدن التي يزورها كوسيلة مجانية للدعاية عن حملته الانتخابية. 

وهي خصائص شخصية تجعل الرجل مرشحا جذابا لدى شباب البروتستانت التبشيريين، أضف إلى ذلك طبيعة الأفكار التي يطرحها عن الدين خلال حملته السياسية، فهاكابي مرشح متدين يؤمن بدور الدين في الحياة العامة والسياسية ولا يتردد في الدفاع عنه، ولكنه في نفس الوقت يحاول القيام بذلك بأسلوب غير مباشر.

 فهو يتحدث عن الدين كمصدر للقيم والأخلاق، ويتفادى المبالغة في الحديث عن قضايا اليمين المسيحي التقليدية مثل رفضهم الإجهاض وحقوق الشواذ، ويفضل التركيز على قضايا الاقتصاد والعرق والبيئة حيث يرى أن دور الدين الأهم هو في الدفاع عن حقوق الفقراء والمهاجرين ورفض العنصرية وحماية البيئة، وهي أفكار تزيد من جاذبيته في عيون الجيل الجديد من البروتستانت التبشيريين.

وينطلق في ذلك من خلفيته الشخصية فهو ينحدر من أسرة فقيرة حيث عمل أبوه رجل إطفاء، وترعرع هاكابي فقيرا في نفس مدينة الرئيس السابق بيل كلينتون وتدعى مدينة الأمل بولاية أركنساس، وهو أمر يدفع العديد من وسائل الإعلام إلى المقارنة بينهما بسبب انتمائهما لنفس المدينة وإجادتهما العزف على الأدوات الموسيقية وخلفيتهما المتواضعة. 

وتمكن هاكابي باجتهاده من خوض مجال العمل السياسي حتى صار حاكما لأركنساس فترتين ركز خلالهما على إصلاح البنية التحتية بالولاية من طرق ومدارس وجامعات. وهي خاصية إضافية تميزه عن قادة تيار البروتستانت التبشيريين المنحدرين من أصول دينية، فغالبيتهم رجال دين تحولوا للسياسة بين عشية وضحاها. أما هاكابي فقد تحول للسياسة تدريجيا من خلال اختبار جاد وهو تولي مسؤولية ولاية كاملة، لذا يقدم نفسه على أنه صاحب أطول خبرة تنفيذية وسط مرشحي الرئاسة الجمهوريين الحاليين. فمرشح مثل جون ماكين هو مجرد سناتور اعتاد على التشريع لكنه يفتقد خبرة الإدارة التنفيذية التي يكتسبها حكام الولايات والتي تمثل إعدادا هاما لحكم أميركا.

تهديد التحالف الجمهوري
العوامل السابقة دفعت بعض شباب البروتستانت التبشيريين إلى مساندة هاكابي من خلال إنشاء مواقع إلكترونية مساندة له جذبت آلاف الناخبين البروتستانت التبشيريين، وهو الأمر الذي جذب الأضواء إلى هاكابي ومكنه من احتلال المركز الأول بين المرشحين الجمهوريين بالانتخابات التمهيدية التي عقدت بولاية أيوا في الثالث من يناير/ كانون الثاني الماضي. كما تمكن الرجل منذ ذلك الحين من احتلال أماكن متقدمة وسط المرشحين الجمهوريين بسباق الانتخابات الحالي رغم ضعف الإمكانات المادية لحملته الانتخابية والتي تقدر بحوالي مليوني دولار فقط مقارنة بـ53 مليونا جمعها المليونير مت رومني وثلاثين مليونا لرودي جولياني و28 مليونا لجون ماكين، ومع ذلك تمكن هاكابي من صناعة اسم لنفسه ومن الفوز بنسب لا يستهان بها من أصوات الجمهوريين مما سلط مزيدا من الأضواء السياسية عليه. 

"
يدعو هاكابي مواطنيه لفهم حقيقة الحرب التي تحاربها أميركا الآن ضد من يسميهم "الإسلاميين الإرهابيين أو الراديكاليين" وهو يستخدم تلك المصطلحات بشكل متكرر وبإهمال يدعوان إلى القلق العميق
"
لذا وصف ويليام كريستول -أحد أهم قادة تيار المحافظين الجدد ومحرر مجلة ذا ويكلي ستاندار- هاكابي بأنه قاد أفضل حملة انتخابات جمهورية حتى الآن، مشيدا بقدراته السياسية وذلك رغم أن كريستول من مؤيدي جون ماكين.

ولكن أزمة هاكابي الأساسية مع قادة تيار البروتستانت التبشيريين بصفة خاصة والجمهوريين بصفة عامة، تكمن في أجندته الاقتصادية.

فالرجل بنجاحاته السابقة يمثل تهديدا للتحالف القائم بين البروتستانت التبشيريين والحزب الجمهوري منذ سبعينيات القرن العشرين، وهو تحالف قائم على دعم قادة البروتستانت التبشيريين للرأسمالية ولأجندة الجمهوري التي تميل للأثرياء بدعمها لخفض الضرائب وقوى الاقتصاد الحر والرأسمالية التي ترفض أجندة اليسار الأميركية المنادية بحقوق العمال والفقراء. 

ولكن هاكابي المنحدر من أصول فقيرة ينتقد بشكل معتاد السياسيين بواشنطن والرأسماليين في وول ستريت، ويرى أنهما معا مسؤولان عن معاناة المواطن. ويرى أن الدين يجب أن ينحاز أكثر لحقوق الفقراء والمستضعفين، وهي أفكار تجذب عددا لا يستهان بهم من البروتستانت التبشيريين المقدرة أعدادهم بحوالي خمسين مليون مواطن ثلثهم من الفقراء كما تشير بعض التقارير، مما يعني أن انتشار دعوة هاكابي وسط هؤلاء قد يهدد بتفكك تحالف الجمهوريين مع البروتستانت التبشيريين وهو أمر ترفضه قيادات الجمهوري العلمانية والمتدينة.

تشدد مضحك مبك
أفكار هاكابي السابقة والتي تبدو متحررة مرنة ليبرالية إلى حد ما، لم تمنعه من الحديث عن عدد آخر من الأفكار التي تثير السخرية لما تحتويه من تناقض بين عناوينها الليبرالية المنفتحة ومضامينها المتعصبة.

ففي الساحة الداخلية -على سبيل المثال- يرفض هاكابي حرمان أبناء المهاجرين غير الشرعيين من الحصول على الخدمات الحكومية المدعومة من قبل الدولة، ويرى أن حرمانهم من تلك الخدمات بمثابة عقاب لهم على جرم لم يرتكبوه. كما يطالب بإصلاح نظام الهجرة الذي يسهل على أصحاب الأعمال الحصول على العمالة الأجنبية التي يحتاجونها، ولكنه يطالب في نفس الوقت بمواقف متشددة كإغلاق الحدود مع الجنوب إغلاقا كاملا للحيلولة دون قدوم المهاجرين غير الشرعيين. كما يعارض القوانين المتعلقة بالحد الأدنى للأجور للعمال الأجانب، ويرى ضرورة السماح باستقدامهم قانونيا لملء الوظائف البسيطة بأجور زهيدة.

ولعل الأفكار السابقة لا تقارن في تناقضاتها بأفكاره على ساحة السياسة الخارجية، فهو على السبيل المثال يبدو ليبراليا في المطالبة بزيادة المساعدات لدول العالم وذلك لإيجاد فرص عمل وحياة كريمة للشعوب الأجنبية انطلاقا من القيم الدينية التي يؤمن بها، ورغبة منه في حماية تلك الشعوب من الوقوع ضحايا للتطرف أو الدكتاتوريات.

على الجانب الأخر يرفض هاكابي أن تتخلى إسرائيل -التي زارها تسع مرات- عن الأراضي الفلسطينية أو السورية المحتلة حماية لأمنها قائلا إنه يجب منح الفلسطينيين دولة، ويمكن أن تقوم هذه الدولة في مصر أو السعودية "فالدول العربية بها أراض شاسعة وإسرائيل في حاجة للأراضي التي احتلتها لحماية أمنها". 

كما يدعو مواطنيه لفهم حقيقة الحرب التي تحاربها أميركا الآن ضد من يسميهم "الإسلاميين الإرهابيين أو الراديكاليين" وهو يستخدم تلك المصطلحات بشكل متكرر وبإهمال يدعوان إلى القلق العميق، ويقول إن الحرب السابقة "عقائدية" بالأساس يشنها الإرهابيون للقضاء على أميركا والأميركيين بشكل كامل "لأن أميركا تحب الحياة وهم يحبون الموت". 

ومن المثير هنا أن هاكابي لا يتحدث عن السياسة الخارجية بشكل كاف، ويشير الكثيرون إلى ضعف معرفته بها. ولما طلبت منه مجلة "الشؤون الخارجية" الأميركية المعروفة الكتابة عن رؤيته للسياسة الخارجية كتب مقالة هي أشبه بخطبة عصماء، فهو يقول مثلا إن باكستان تحصل على مساعدات كثيرة من أميركا وإن تلك المساعدات يجب أن تعطي أميركا الحق في مهاجمة "الإرهابيين" الموجودين على أرض باكستان عسكريا في أي وقت وبالصورة التي تراها أميركا مناسبة.

كما أنه يتحدث عن العراق وعن رغبته في التعاون مع "مجالس الصحوة" السنية هناك كنموذج للقوى الإسلامية المعتدلة التي يرفضها ولكنه يقبل التعامل معها ومع مثيلاتها عبر العالم انطلاقا من قاعدة أفضل الشرين، وهو في ذلك يتحدث بأسلوب يشعر القارئ بأنه (هاكابي) لا يدري الكثير عن العراق أو العالم الإسلامي أو حتى عن السياسة الخارجية الأميركية وتبعاتها.
_______________
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك