منصف المرزوقي

منصف المرزوقي

رئيس تونس السابق


دار كثير من اللغط حول المشروع الذي طرحته مصر والسعودية والذي صادق عليه في العاصمة المصرية في 12 فبراير/شباط مجلس وزراء "الإعلام" العرب أي وزراء "البروبغندا" تحت اسم وثيقة "تنظيم البث الفضائي الإذاعي والتلفزيوني في المنطقة العربية".

ولكن قبل الدخول في الموضوع من ذا منكم لاحظ أن النص يستعمل مصطلح المنطقة العربية وليس الوطن العربي؟

"
الذي تحرك من أجله كل هذا الجمع ليس التصدي للأفلام الخليعة، وإنما لنقد السياسات والتصرفات الشخصية للرؤساء والملوك العرب للتمسك بالسلطة بكل وسائل الغش، فهم يرهبون أن يسمعوا وأن يعرفوا أن ملايين الناس تسمع عن الفساد وسوء الإدارة والعمالة للخارج
"
تشكلت الغالبية العظمى من الردود كغضب واستنكار وخوف مبطن، والحال أنه كان على الرجال رقص الدبكة وعلى النساء إطلاق الزغاريد.

قد لا توجد إشارة أبلغ من هذا الحدث، للتدليل على أن الضربات المتتالية للنظام الاستبدادي العربي الفاسد قد بدأت تؤتي أكلها، وأن الوجع وصل العظم، ومن ثم هذا الاجتماع وهذا النص. كصرخة ألم وصيحة فزع.

المشكلة في تقديرنا للأحداث أننا ننظر لها والأنف موضوع فوقها، لذلك لا نراها في نسقها التاريخي ونبقى نتعامل بالتحليل مع النقطة وليس مع الخط.

لا بد في تحليل هذا الحدث من اعتبار الخط، وفي مثل هذه الرؤية سيتضح لنا تتابع أربعة مراحل للإعلام العربي الذي هو أداة من أدوات النظام الاستبدادي وأيضا مؤشر على تطوره.

بديهي أنه لا حدود فاصلة بين هذه المراحل وكل ما في الأمر أننا أمام محطات كبرى يتغير موقعها من قطر لآخر لكنها ثابتة على نفس الاتجاه.

المرحلة الأولى هي مرحلة الخمسينيات وبداية الستينيات، أي شهر العسل بين الشعوب وحكام الجيل الأول مثل عبد الناصر وبورقيبة وبومدين.

وفي هذه الفترة التي كانت فيها للحكم شرعية تاريخية ناجمة عن نضال هؤلاء الرجال وشرعية أخلاقية ناجمة عن انعدام الفساد المالي والأخلاقي، كان الإعلام أداة تربية وتوعية وتواصل. حتى وإن كان بدائيا لصغر معدل السن العام وضعف مستوى التعليم وتواضع التكنولوجيا.

المرحلة الثانية هي نهاية شهر العسل وقد انطلقت بعد هزيمة 67 وتعدد خيبات الأمل على الصعيد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ومما زاد الطين بلة وصول قادة الجيل الثاني دون الشرعية التاريخية التي تمتع بها أسلافهم ثم دخولهم معمعة الفساد والعمالة وأول من افتتح هذا المنزلق هو أنور السادات في مصر.

وفي هذه المرحلة التي بلغت ذروتها في السبعينيات، كان الإعلام جزءا لا يتجزأ من جهاز الأمن وجزءا من سياسة تتبع وعقاب الرأي المخالف واستعمال البروبغندا والمطرقة الإعلامية، لفرض تواصل نظام تهيكل كقوة احتلال داخلية تتصرف في الوطن كمزرعة للاستثمار الشخصي والعائلي والطائفي في أحسن الأحوال.

وقد تزامنت إخفاقات النظام السياسي وبداية تبلور عيوبه الهيكيلية مع وصول أجيال شابة متعلمة لها حاجات أعقد من حاجيات الأجيال السابقة، مما أدى آليا إلى تصاعد المواجهة بين مجتمع ينمو ودولة تنكمش.

المرحلة الثالثة هي حقبة الثمانينيات والتسعينيات التي شهدت الصراع المرير بين قوى التحرر وأجهزة البوليس المكلف بالأجساد وأجهزة البوليس المكلف بالعقول والأرواح.

ورغم اختلال موازين القوى فإن هذه المعركة انتهت لصالح حرية الرأي والتعبير، وذلك نتيجة تضافر عوامل بالغة التعقيد تصب كلها في نفس الاتجاه، مثل الارتفاع العام لنسبة التعليم، وارتفاع معدل العمر في المجتمع، والاحتكاك المتواصل والعميق بجيران الشمال الديمقراطيين، وتبلور مؤسسات المجتمع المدني وتطور نضالها، ونزيف النظام الاستبدادي من كل هيبة ومصداقية.

ثم جاءت الثورة التكنولوجية في التسعينيات لتعصف بما بقي من مونوبول الدولة في نشر الأخبار وفرض الصور النمطية التي تريد.

المرحلة الرابعة هي التي نعيش، ويمكن وصفها بمحاولة التأقلم الفاشلة مع هذه التغييرات الجذرية، فأغلب الأنظمة فهمت أن التصدي للطوفان لن يكون مجديا، فافتعلت التماشي معه، بل حاولت جاهدة استعادة بعض السيطرة على فضائها الإعلامي بافتعال تعددية مزيفة وحوار في التلفزيونات الحكومية يقلد حوارات "الجزيرة".

وفي الأثناء لم تدخر جهدا لتحجيم هذه القناة التي شكل ظهورها منعطفا في تاريخ الإعلام والمشروع الديمقراطي العربي، ومن ثم ما لا يحصى من المعروف وغير المعروف من الاحتجاجات والضغوط على إدارة القناة وقيادة قطر.

"
يعتبر الكثير من العرب ومن الأجانب -لأنهم يفكرون بمنطق "أبيض وأسود"- أن أمتنا لم ولن تصل للديمقراطية، والحقيقة أننا قطعنا نصف الطريق ونحن نحث الخطى لإكمال النصف الباقي
"
في نفس الوقت اضطر الاستبداد العربي لقيادة حرب غير معلنة ضد فضاء الحرية الآخر: الإنترنت، ولو كان لنا مهندسون في الصواريخ بعدد وتقنية المهندسين الذين يراقبون الإنترنت لربما وصلنا المريخ قبل الأميركان.

ما فضحه اجتماع القاهرة الأخير لوزراء البروباغندا هو مدى الفشل الذريع لسياسة الاحتواء والتأقلم هذه.

وعند قراءة القرارات العظيمة لهذا الخرق من الورق الذي أمضاه بعض المساكين المكلفين بإسكات غضب أسيادهم، يكتشف المرء بيت القصيد المغلف ببعض العموميات التي لا يناقش فيها أحد مثل منع التحريض على الكراهية والعنف.. الخ.

هذا الذي تحرك من أجله كل هذا الجمع ليس التصدي للأفلام الخليعة، وإنما لنقد السياسات والتصرفات الشخصية للرؤساء والملوك العرب وعلى رأسها التمسك بالسلطة بكل وسائل الغش.

ليس من السهل على أناس لا يرهبون شيئا مثلما يرهبون التقييم الموضوعي لسياساتهم أن يسمعوا وأن يعرفوا أن ملايين الناس تسمع عن الفساد وسوء الإدارة والعمالة للخارج.

لكن ما لا يحتمل فوق هذا كله أن يسمعوا، وأن يعرفوا أن ملايين الناس تسمع، أن التعذيب ليس تجاوزات فردية وإنما سياسة ممنهجة لإرهاب الشعب، وأن مسؤوليته الأخلاقية والسياسية والقانونية والدينية في عنق ثلاثة أشخاص هم في الجملكيات الرئيس ووزير داخليته والرقم 1 في الاستخبارات. وفي الملكيات الملك ووزير داخليته والرقم 1 في الاستخبارات.

ما يرعب في حرية الإعلام الجديدة أنه لم يعد يحترم الطابوات القديمة وأسلوب اللف والدوران الذي اعتمدنا عليه دوما في نقد السلطة الظالمة مثل "المشكلة في الحاشية الفاسدة" و"الرئيس لا يعلم" و"آه لو علم".

المبدأ اليوم هو أن الحاشية الفاسدة من صنع القائد الأوحد، أنه يعلم، وأنه المسؤول الأول، ومن ثمة صرخة الألم وصيحة الفزع التي عبر عنها الاجتماع الأخير وقد بلغ السيل الزبى بالنسبة لأشخاص تجاوزتهم الأحداث ويخشون أن يجرفهم التيار لأن القاعدة كانت وستبقى "من يفقد معركة العقول والقلوب فقد السلطة وانخرط في تسلط خطير مؤقت وآيل إلى نهاية مفجعة طال الزمان أو قصر.

ربما هناك من يخيفهم التكشير وإشهار الأنياب والمخالب الذي بدا واضحا في "قرارات" القاهرة الأخيرة، مسخرة كل هذا، من أين لأحد التحكم في الإنترنت أو في أربعمائة محطة فضائية.

حتى ولو احتلوا قطر، وصفوا "الجزيرة" فستخلق لهم ألف "جزيرة" من أمكنة لا يستطيعون وصولها لأننا لسنا فقط أمام قناة تلفزيونية وإنما أمام مدرسة.

ما لا يعلمه هؤلاء المساكين هو أن حرية الرأي افتكت نهائيا ولن يسترجعوها أبدا.

وفي هذه النقطة بالذات يجب أن نتباعد أكثر لنرى مشكلة حرية الإعلام داخل المشهد السياسي العربي ككل وفي نسق تطوره التاريخي.

يعتبر الكثير من العرب ومن الأجانب، لأنهم يفكرون بمنطق "أبيض وأسود" أن أمتنا لم ولن تصل للديمقراطية، والحقيقة أننا قطعنا نصف الطريق ونحن نحث الخطى لإكمال النصف الباقي.

إن الديمقراطية عقلية أساسها القبول بحق الاختلاف والسعي لحله بالتفاوض السلمي، وإن تراجعت للأسف الشديد هذه العقلية كثيرا في العراق وفي لبنان، فإنها تتغلغل ببطء داخل بقية المجتمعات العربية الأقل عرضة للخلافات الحادة.

لكن الديمقراطية أيضا آليات أربع هي حرية الرأي وحرية التنظيم والتداول السلمي على السلطة واستقلال القضاء.

ولو دققت النظر لتقييم أين وصل إعمال هذه الآليات الأربع التي لا وجود للديمقراطية دونها، لاكتشفت أن معركة حرية الرأي ربحت بالضربة القاضية ضد الاستبداد، وأن مساكين القاهرة لم يأتوا إلا لما يسمى بالفرنسية بارود الشرف، ومن الأحسن تسميته هنا بارود العار. أي محاولة أخيرة لإثبات الوجود في معركة خاسرة مسبقا.

"
ينبغي أخذ الوثيقة على محمل الجد لا كمؤشر على عودة سياسة العصا الغليظة، لكن على حالة التأزم والوهن والتحلل التي بلغها نظام سياسي فاسد يعتقد أنه ما زال بوسعه حكمنا بإرهاب أجهزة البوليس والتحكم في عقولنا وقلوبنا بوسائل دعاية بدائية
"
نفس الشيء عن حق التنظيم، فمن يجرؤ اليوم داخل أنظمة الاستبداد الهرم على محاولة "تأطير" الجماهير في منظومة الحزب الواحد؟

القاعدة التي ستتعمق يوما بعد يوم في كل أقطار الوطن هي التنظيم المستقل عن الدولة في المجال السياسي والنقابي والإنساني، وهذا أيضا توجه ليس بوسع أحد وقفه ولا التعرض له طويلا.

الآلية الثالثة هي التداول السلمي على السلطة، والمعركة من أجل فرضه مستعرة اليوم في مصر وفي تونس والنقاش داخل المعارضة هو كيف نعجل بنهاية الانتخابات التعددية المزيفة التي اضطر لها النظام لنمر إلى مرحلة الانتخابات التعددية الحقيقية.

ثمة من يدعو إلى المشاركة في اللعبة بهدف فضح تزييفها وثمة من ينادي بمقاطعة لعبة مغشوشة والعمل من خارجها لتعبئة المجتمع من أجل قواعد نزيهة.

وفي كل الحالات يبقى الهدف واحدا وهو وقف مسخرات انتخابية يمارسها أصحابها بحرج متعاظم، ليتصور المرء ما يجب من تنكر سحري للواقع، من غباء، من طيش ومن استهتار بذكاء الناس للاعتقاد بأن تقنيات انتخابية متخلفة ممجوجة ومضحكة ستتواصل إلى الأبد.

المهم أن الجبهة الثالثة لوضع حد للاستبداد فتحت، وأن الإعلام المحرر يلعب دورا هائلا فيها، وأن هذه الجبهة لن تغلق إلا بفرض ما يحتمه التاريخ أي انتخابات كالتي تقدمها لنا باستمرار وسائل الإعلام العربية والعالمية في الأغلبية الساحقة من بلدان العالم.

حقا الطريق صعب أمامنا، لأن التداول السلمي على السلطة بما يعنيه من عودة السيادة للشعب وتمتعه بالحريات الفردية والعامة قبل وبعد العملية الانتخابية هو مقتل الاستبداد، لكن المهم والثابت أننا انخرطنا في هذا التيار كما انخرطنا في السبعينيات في تيار النضال من أجل حرية الرأي والتعبير.

بخصوص الآلية الأخيرة أي استقلال القضاء، لنلاحظ أنه حتى ولو كان مرتبطا بصفة آلية بعودة السيادة للشعب وقيام انتخابات رئاسية وتشريعية حقيقية، فإن الظاهرة المصرية تدل على أن المعركة انطلقت في ظل الاستبداد نفسه.

وهذه المعركة لم تنطلق إلا لوعي مجتمعي عميق بأن الاستبداد الذي مات في العقول والقلوب منذ السبعينيات، بدأ يلفظ أنفاسه الأخيرة في الواقع المعيش ومن ثم لا خطر كبيرا من منازلته.

هذا الوعي هو الذي يجب أن يقودنا إلى التعامل مع اجتماع وزراء البروباغندا العرب.

نعم لنأخذه على محمل الجد لا كمؤشر على عودة سياسة العصا الغليظة، لكن على حالة التأزم والوهن والتحلل التي بلغها نظام سياسي فاسد يعتقد أنه ما زال بوسعه حكمنا بإرهاب أجهزة البوليس والتحكم في عقولنا وقلوبنا بوسائل دعاية بدائية.

الرسالة التي يجب أن نقرأها في بيان القاهرة الأخير ليست اصمتوا إننا راجعون وإنما. تكلموا نحن راحلون.

المصدر : الجزيرة

التعليقات