نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي


- المخاوف من تصدّع الأطلسي
- الأزمات الأمنية خارج قوسين
- منتدى ميونخ يفقد مكانته التقليدية
- رسالة ميونخ إلى العرب والمسلمين

تميزت بعض دورات منتدى ميونخ (المؤتمر العالمي للسياسات الأمنية) بأنّها شهدت لأول مرة تاريخيا طرح تصورات مستقبلية ساهمت لاحقا في تغيير الخارطة السياسية على المسرح الدولي، مثله مثل الأطروحات الألمانية للانفتاح على الشرق في حقبة الحرب الباردة، أو ما سمي القرار المزدوج لحلف شمال الأطلسي مع بداية حقبة الانفراج الدولي، أو تصورات غورباتشوف التي أوصلت إلى نهاية الحرب الباردة.

ولكن منذ سنوات أصبحت لغة المواجهة، وتعليل الحروب، وممارسة الحصار والضغوط، هي الغالبة على كلمات المشاركين في المؤتمر، فكانت السنوات الأولى من التسعينيات في القرن الميلادي العشرين مسرحا لطرح مخاطر ما سمّي "العدو البديل" و"الحرب على الإرهاب".

وسيطرت قضية الحرب الأولى ضد العراق على المؤتمر في السنوات التالية، ثم أصبح ساحة مواجهات ساخنة أحيانا بين جناحي حلف شمال الأطلسي الأوروبي والأميركي كما وقع مع حرب احتلال العراق عامي 2003 و2004، أو ما وقع بين أقطاب الأمس الدوليين حول الملف النووي لإيران وحول الدرع الصاروخي الأميركي بين عامي 2005 و2007.

ولم يكن هذا الأمر في مصلحة الدول الغربية وهي المهيمنة على المؤتمر، نظرا إلى انطلاقته الأولى وإلى آلية الإعداد له وبالتالي تحديد مَن يتلقى دعوات المشاركة فيه.

ويبدو أن هذا في مقدمة أسباب تخفيف حدة المواجهة الكلامية في المؤتمر نفسه عام 2008، رغم أن لغة المواجهة غلبت على المواقف السياسية التي سبقته، ولا يتوقع انحسارها بعد انقضائه.

"
لم تبدأ مظاهر تصدّع الناتو الآن ولكنها بلغت في هذه الأثناء مدى بعيدا، ولم يعد نادرا الحديث عن أن أفغانستان كانت الصخرة التي سجّلت بداية انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو ويمكن أن تصبح الصخرة التي تسجل بداية الهزيمة العسكرية الغربية المشتركة وانهيار الناتو
"
المخاوف من تصدّع الأطلسي
أفغانستان كانت الدولة الغائبة الحاضرة في الدورة الرابعة والأربعين للمنتدى عام 2008، مثلما كانت هي الدولة "الفاعلة" في مناقشات مؤتمر حلف شمال الأطلسي قبل ميونخ مباشرة.

وقد غابت لغة الإعلان في ميونخ قبل عام واحد عن حملة أطلسية كبرى في ربيع 2008 غيابا كاملا وسط تبادل النقد الشديد بين أعضاء الحلف بشأن المسؤولية عن تدهور الأوضاع العسكرية في أفغانستان تدهورا كبيرا في منظور الحلف.

وهذا يعني عجز قوات الحلف عن تحقيق أهدافها العسكرية، وبالتالي الأهداف السياسية وغير السياسية، من الحملة الأميركية التي بدأت قبل سبعة أعوام وجرّت الحلف إلى المشاركة فيها.

ولكن وزير الدفاع الأميركي غيتس يحمّل الأوروبيين، ويقصد الألمان أكثر من سواهم، المسؤولية عما وقع، كما ورد في رسالة بعث بها إلى الدول الأعضاء قبل مؤتمر إيطاليا للحلف، ثم ما ورد على لسانه في الكلمة التي ألقاها في ميونخ، متجاهلا محاولة التغطية الدبلوماسية على الانشقاق الحالي عن طريق الأمين العالم للحلف دي هوب ثم على لسان وزير الدفاع الألماني يونغ.

ولم يكن الردّ عنيفا على غيتس في المؤتمر، ولكن جاء عقب انفضاضه مباشرة على لسان المستشارة الألمانية ميركل غير المتهمة بموقف مناوئ لواشنطن كسلفها شرودر.

ورغم ذلك جاء رفضها واضحا وحاسما لتوسيع المشاركة العسكرية الألمانية إلى الجنوب وتحويلها إلى مشاركة قتالية مباشرة، مع إنكار الاتهام الأميركي، مشيرة إلى أن القوات الألمانية تأتي في المرتبة الثالثة عددا في أفغانستان وعلى مستوى المشاركات -أي التدخلات- العسكرية في مناطق أخرى من العالم.

ولا شك أن تكرار غيتس تحذيره من تصدّع حلف شمال الأطلسي له أسبابه الجوهرية، وإن أتى في صيغة رفض وجود دول تقاتل وأخرى لا تقاتل تحت مظلة الحلف.

ولم تبدأ مظاهر التصدع الآن ولكنها بلغت في هذه الأثناء مدى بعيدا، ولم يعد نادرا الحديث عن أن أفغانستان كانت الصخرة التي سجّلت بداية انهيار الاتحاد السوفياتي وحلف وارسو، ويمكن أن تصبح الصخرة التي تسجّل بداية الهزيمة العسكرية الغربية المشتركة وانهيار حلف شمال الأطلسي نفسه.

خسارة الحرب هناك، بمعنى العجز عن تحقيق أهدافها، يعني سقوط الصيغة الجديدة التي اعتمدها الحلف لنفسه وسوّغ بها استمرار وجوده رغم سقوط حلف وارسو.

وعندما دخل الحلف بعد الحرب الباردة أولى جولاته العسكرية خارج نطاق مجاله الجغرافي في الحرب ضد صربيا، أصبح واضحا أن المقصود هو تحويله إلى أداة عسكرية غربية تتحرك خارج نطاق مجلس الأمن الدولي، وهو ما تم تثبيته في المؤتمر الخمسيني للحلف عام 1999 في واشنطن بتغيير مهامه.

واعتُبرت أفغانستان التجربة الأولى الكبرى للدور الأطلسي الجديد، فلا يعني إخفاق هذه التجربة إخفاق الحلف في مهمة ما من مهام عديدة، فمع الفارق الضخم في موازين القوى تعني الخسارة استحالة أن يخوض الحلف مغامرة عسكرية كبرى ضد إيران مثلا.

ناهيك عن أن رفض أسلوب المغامرة العسكرية أطلسيا أتى مبكرا من الجانب الأوروبي عندما انتقلت الحروب الأميركية إلى محطة احتلال العراق.

لم يتبدّل جوهر المشكلة في الحلف رغم تبدّل السلطة في عدد من دوله، فالأوروبيون يرفضون منذ البداية استئثار الولايات المتحدة الأميركية بصنع القرار السياسي الأمني للحلف، علاوة على الاستئثار بقياداته العسكرية الرئيسية.

وفي قضية أفغانستان بالذات تتكرّر المطالب الأوروبية بضرورة وضع "إستراتيجية مشتركة أخرى" تراعي الاعتبارات التنموية التطويرية وغيرها، بدلا من الإستراتيجية الأميركية التي تعتمد الحل العسكري وحده.

"
كان منتدى ميونخ في السنوات الماضية فرصة لتوجيه أشد الانتقادات الأميركية إلى الدول المعارضة لسياسة حروب الهيمنة، كما كان على لسان وزير الدفاع السابق رمسفيلد، ولم يعد باستطاعة خلفه غيتس أن يمارس مثل ذلك الآن، فقد بلغت الضغوط السياسية الأميركية مداها دون أن تستجيب لها الدول الأوروبية
"
الأزمات الأمنية خارج قوسين
ما يسري على الخلافات الأطلسية بشأن حرب أفغانستان من حيث تخفيف حدة استعراضها في منتدى ميونخ، دون التخفيف منها قبل انعقاد دورته الأخيرة وبعدها، يسري على قضايا أخرى عديدة، لا داعي للتفصيل فيها.

من أمثلة ذلك الخلاف على الدرع الصاروخي الأميركي، فقد جاء النقد الروسي على لسان بوتين من موسكو، واكتفى وزير الدفاع الروسي في ميونخ بتأكيد الدور الروسي العالمي لمواجهة الأزمات على قدم المساواة مع القوى الدولية الأخرى، قاصدا الولايات المتحدة الأميركية.

أما مشكلة كوسوفو المشتعلة، التي أصبح إعلان استقلالها من جانب واحد قاب قوسين أو أدنى، فقد لوحظ في ميونخ عدم صدور ردود عنيفة على اللهجة العنيفة التي استخدمها الرئيس الصربي تاديش في التحذير من عواقب هذه الخطوة الخطيرة على الاستقرار في البلقان وفي أوروبا، على حد تعبيره.

بل لم تكن الردود الغربية عنيفة كما كانت في سنوات ماضية على حديث الأمين العام لوكالة الطاقة الدولية البرادعي وهو يؤكد أن الخطر الحقيقي لا يكمن في وصول السلاح النووي إلى الدول بل إلى "جماعات إرهابية"، في إشارة ضمنية إلى إيران التي دافع رئيس الوزراء التركي أردوغان عن حقها في امتلاك الطاقة النووية السلمية، وبقيت الردود عليه دون درجة الرفض المطلق كما كان قبل الآن.

أما قضايا العراق وفلسطين فبقيت في ميونخ "خارج قوسين" باستثناء ذكرها على لسان أردوغان أيضا، ولكن ليس من باب اتخاذ موقف مباشر بشأنها، وإنما من زاوية تأكيد الدور التركي الإقليمي، ليؤكد بالتالي أهمية العضوية الكاملة لتركيا في الاتحاد الأوروبي، مع صعوبة الجزم بأن ذلك هو هدفه أم أن الهدف هو تقوية جبهته الداخلية في الجولة الجديدة التي يخوضها لانتزاع حق غطاء الرأس لطالبات الجامعة.

وهذه الجولة كجولات سابقة اعتمد فيها اعتمادا رئيسيا على المطالب الأوروبية التقليدية على صعيد سيادة القانون والقضاء والحريات والحقوق والتخلص من سيطرة العسكريين على السياسيين في صناعة القرار.

منتدى ميونخ يفقد مكانته التقليدية
ما الذي يمكن استقراؤه على صعيد السياسات الأمنية الدولية في المستقبل المنظور مما كان في منتدى ميونخ هذا العام، إذا أردنا التعامل معه كما كان مع دوراته التاريخية السابقة؟

هل يعتبر أسلوب تجنب المواجهة الكلامية حصيلة قرار ومخطط أم هو حصيلة الرغبة في تجنّب أن يصبح المنتدى ساحة استعراض ما وصلت إليه الخلافات المتفاقمة بين حلفاء الأمس، وعلى مستوى الأقطاب الدوليين، في حقبة تشهد تسجيل الهزائم -لا سيما الأميركية والأطلسية- أكثر من تسجيل انتصارات عسكرية في الأزمات الساخنة؟

كان منتدى ميونخ في السنوات القليلة الماضية فرصة لتوجيه أشدّ الانتقادات -وحتى التهجمات الأميركية- إلى الدول المعارضة لسياسة حروب الهيمنة، كما كان على لسان وزير الدفاع السابق رامسفيلد، ولم يعد باستطاعة خلفه غيتس أن يمارس مثل ذلك الآن، فقد بلغت الضغوط السياسية الأميركية مداها دون أن تستجيب لها الدول الأوروبية المعنية بها.

بات واضحا عدم جدوى تكرار الطلب بشدّة وتكرار الرفض القاطع في ميونخ، لا سيما بالنسبة إلى واشنطن في عام المعركة الانتخابية، وفي ألمانيا التي ترصد ارتفاع نسبة المطالبين بانسحاب عسكري شامل من أفغانستان إلى أكثر من 60% في عمليات استطلاع الرأي، وهو في مقدمة غياب المستشارة ميركل نفسها عن المؤتمر الذي تستضيفه ألمانيا.

وشهد المنتدى عام 2007 هجوما روسيا عنيفا على سياسة التسلح الأميركية دون أن يغير ذلك شيئا من تصلب مواقف الطرفين، وهو ما يفسّر غياب بوتين ووزير خارجيته عن ميونخ. فإلى جانب تجنب المواجهة الكلامية تستمر الجهود الروسية لمواجهة السياسات الأميركية بسياسات روسية مشهودة، سواء على صعيد تصنيع أسلحة جديدة، أو على صعيد العمل على إنشاء تحالف روسي صيني هندي يوازن ثقل التفوق العسكري الأميركي عالميا.

"
أهم ما أسفرت عنه الدورة الرابعة والأربعون في ميونخ هو أن زمام صناعة قرار مشترك وتنفيذه أفلت من أيدي القوى الدولية الرئيسية المهيمنة عليه وعلى السياسات العالمية، أو يكاد، وأن الفوضى الدولية هي العلامة المميزة للمرحلة المقبلة
"
رسالة ميونخ إلى العرب والمسلمين
على أن ما شهده منتدى ميونخ عام 2008 -على نقيض منتدى دافوس قبل أيام منه- يؤكد أنه لم يعد يصلح لأداء دوره القديم لصناعة أرضية مشتركة للسياسات الأمنية الدولية، مما يستدعي طرح تساؤلات عديدة:

1- هل يعني ذلك إشارة إلى تحوّل مركز الثقل في صناعة القرار الدولي المستقبلي كلية لصالح مراكز القوى المالية والاقتصادية التي يمثلها مؤتمر دافوس بمشاوراته غير الملزمة، وتجمّعات دولية أخرى كمجموعة السبع الاقتصادية -دون روسيا العضو في مجموعة الثماني- على صعيد التشاور المسبق حول الخطوط العامة لتثبيت أركان الهيمنة المالية والاقتصادية عالميا، مع كل ما ينبثق عنها سياسيا وأمنيا؟

2- أم هل يعني ذلك انفراطا تدريجيا لتجمعات دولية كبرى، وتحوّلها على ساحة المشاورات إلى وضع شبيه بما تحوّل إليه مجلس الأمن الدولي على ساحة القرارات؟

فلم يصبح منتدى ميونخ وسيلة لتقارب وجهات النظر وتنسيقها بين صانعي القرار، ولم يصبح مجلس الأمن الدولي المرجعية الوحيدة لإخراجه دوليا لا سيما عندما تنتزع القوى الغربية لنفسها حق تقرير مستقبل كوسوفو دون العودة إلى اتفاق في مجلس الأمن الدولي، وهو سلوك سياسي يوصل إلى استقلال كوسوفو كما يقضي تاريخها ويقضي القانون الدولي في الأصل.

ولكن ماذا عن سلوك مشابه مع قضية فلسطين عندما تنتزع واشنطن لنفسها أن تكون وحدها المرجعية في مفاوضات تفرضها، أو مبادرات ترفضها، أو خرائط ترسمها، ولا يبقى لسواها مجال للنقاش والتنسيق في منتدى، أو صناعة القرار وتنفيذه عبر هيئة دولية؟

3- إذا كانت دولة بحجم الاتحاد الروسي قادرة على ممارسة سياساتها كما تراها دون الرجوع إلى منتدى حواري ولا هيئة رسمية دولية، فماذا عن الدول التي لا تزال عاجزة أو ممتنعة عن الاستقلال بسياساتها عمّا ورثته من حقبة الحرب الباردة وما بعدها؟

ألا ينبغي أن تعمل للتعويض عن ذلك عبر سياسات محلية وتكتلات إقليمية تعطيها بالتعاون -كما هو الحال مع الدول العربية والإسلامية- الثقل الدولي الذي تفتقر إليه أشدّ افتقار عبر تحرك كل منها على انفراد، أو في حدود المساحة الضيّقة التي تتركها الارتباطات بالقوى المهيمنة، لتكوين تحالفات إقليمية يضرب بعضها بعضا؟

لقد كانت في منتدى ميونخ على الدوام مؤشرات سياسية وأمنية مستقبلية، وأهمّ ما أسفرت عنه الدورة الرابعة والأربعون عام 2008 في ميونخ هو أن زمام صناعة قرار مشترك وتنفيذه أفلت من أيدي القوى الدولية الرئيسية المهيمنة عليه وعلى السياسات العالمية، أو يكاد، وأن الفوضى الدولية هي العلامة المميزة للمرحلة المقبلة.

ولا مكان في حقبة الفوضى الدولية لمن يستبقي قيود "الفوضى الخلاقة" في كل بلد أو كل منطقة إقليمية على حدة، إنما سيكون مستقبل القضايا الإقليمية والمحلية، من مستوى قضية فلسطين المصيرية، أو من مستوى قضايا السودان ولبنان وسوريا وباكستان، مرتبطا ارتباطا وثيقا بما تصنعه القوى المحلية والإقليمية نفسها، وبخروجها من فلك التبعية السياسية إلى الاستقلال السياسي، ومن التجزئة والتفرقة إلى التضامن والتعاون والتكتل.

تلك هي رسالة منتدى ميونخ 2008 إلى العالم العربي والإسلامي، ويبقى السؤال هو: من يستوعب الرسالة ويعمل على التصرف بمقتضى ما تعطيه من فرصة تاريخية، أو يمارس سياسة الانتظار -وما هي بسياسة- إلى أن تتشكل بنية هيكلية مستقرة لنظام دولي جديد، تكون له من المتانة وأسباب الاستقرار حقبة من الزمن، ما يكفي لتضييق مجال الحركة إلى درجة الاختناق حول القوى الأصغر في إطار ما يسمّى الأسرة الدولية؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك