راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

زعيم حركة النهضة التونسية

لا يزال المشهد العام للمنطقة مضطربا ومبعث قلق شديد لقوى الهيمنة الأميركية الصهيونية وحلفائها الدوليين والمحليين بفعل ما ووجهت به مخططاتها من ضروب مقاومة وممانعة، تلك المخططات التي هي في حقيقتها مخططات إسرائيلية نجحت اللوبيات في تسويقها على أنها مصالح غربية.

"
المطلوب من المؤتمر الدولي حول فلسطين هو استعادة المبادرة لإدارة أميركية حولتها المقاومة العراقية بطة عرجاء، ولإدارة صهيونية مهتزة، وتقديم غطاء لحل وهمي لقضية العرب الكبرى لاستدراجهم إلى الانخراط في موجة تطبيع جديدة، فضلا عن توريطهم في مخطط تدمير إيران
"

وقد تم تنفيذها بشكل سافر غطرسة وحماقة بأيد أميركية بعد أن انتصب في البيت الأبيض فريق صهيومحافظ، تمكن من سوق الدولة الأعظم والزج بجيوشها في قلب المنطقة لتحقيق مخططاته التي رفع لتسويغها عدة لافتات الواحدة بعد الأخرى.

وكان كلما انكشفت لافتة دفع بأخرى محلها، من نزع أسلحة الدمار الشامل إلى نشر الديمقراطية، حتى اضطر أخيرا إلى الكشف عن الهدف الإسرائيلي الصريح وهو تقسيم العراق الذي هو جزء من الإستراتيجية الإسرائيلية المعروفة في دفع المنطقة إلى طور آخر من سايكس بيكو جديد، من التفتيت والصراعات بين أجزاء الفتات، ضمانا لأمن إسرائيل.

ويهدف ذلك المخطط إلى أن لا تظل في المنطقة قوة قادرة على الممانعة فضلا عن المقاومة بل لا تبقى لها هوية جامعة ولا خيط ناظم للوقوف في وجه الهيمنة الإسرائيلية.

من هنا كان لزاما فرض المحاصرة والخنق على قوى المقاومة والممانعة تمهيدا لتدميرها، تجريدا لشعوب المنطقة من كل سلاح ومقاومة بعد أن تم لهم تحييد دولنا إلا من سلاح يقمع شعوبها.

فكانت الحرب الشاملة على المقاومة في لبنان التي لم يدخر فيها العدو سلاحا عدا النووي.

ورغم أن حزب الله قد تمكن من إحباط المخطط الإسرائيلي وألحق هزيمة نكراء بالجيش العتيد، فإن ذلك لم يردع مخططات تمزيق البلد، بل استمرت محاولات فرض السيطرة الدولية عليه لحماية الكيان الصهيوني ومحاصرة واقتلاع النفوذ السوري والإيراني.

إلا أن حزب الله لا يزال يمثل عقبة في طريق فرض السيطرة الكاملة على البلد ومحاصرة سوريا وتجريد إيران من قاعدة متقدمة ذات نفوذ.

والبحث الدولي هنا جار على قدم وساق بحثا عن تسوية لفراغ رئاسي حتى لا ينهار وضع هش، حزب الله القوة الأساسية فيه.

وفي فلسطين المحتلة كان مخطط دايتون لاجتثاث المقاومة بعد إرهاقها بالمقاطعة والحصار، وواجهته حماس بتحرك مضاد أحبطه إلى حين، فكان الانقسام الذي يراد له إسرائيليا التأبيد وإحباط كل محاولة لرتقه حتى يستكمل الصهاينة ابتلاع الضفة والقدس والجدار ويستمر سرطان الاستيطان تمددا.

وواضح أن من بين أهداف "المؤتمر الدولي" الذي تعد له الولايات المتحدة عزل المقاومة وتثوير شعبها المحاصر عليها وإظهار فشل النموذج الإسلامي مرة أخرى، ثم تقديم مسكّن تخدير للعرب أو رشوة، لسوقهم إلى المشاركة في المخطط الأميركي لتدمير المشروع النووي الإيراني باعتباره رمزا من رموز المقاومة في منطقة لا يراد لها إسرائيليا ولا أميركيا أن تحتفظ بأي رصيد للمقاومة.

البحث جار عن تسوية، بل قل عن كلام أي كلام، "تسوية" ما أحد من أطرافها بقانع أن لها أفقا، ولكنه مشهد تمثيلي ضروري لملء الفراغ، كمن يضطر للكلام وهو لا يدري ما يقول المهم أن يحرك شفتيه ويصدر أصواتا.

المطلوب دوامة من الاتصالات والمفاوضات التي لا تنتهي، تكون هي بحد ذاتها هدفا، كمن يغلي الماء لمجرد إيهام أطفال جائعين بتحضير الطعام.

وبالنسبة "للسلطة الفلسطينية" المشاركة في هذه الملهاة وفي محاصرة المقاومة، حسبها ما يحفظ لها من مظهر بروتوكولي سلطوي وتدفق أموال، وتكثيف الضغط على غزة حتى تنفجر جماعاتها ويتصاعد الغضب الشعبي والنقمة العامة على المقاومة.

مطلوب من المؤتمر الدولي حول فلسطين استعادة المبادرة لإدارة أميركية حولتها المقاومة العراقية بطة عرجاء، ولإدارة صهيونية مهتزة، وتقديم غطاء لحل وهمي لقضية العرب الكبرى لاستدراجهم، وبخاصة دول الخليج ودول المغرب العربي إلى الانخراط في موجة تطبيع جديدة، فضلا عن توريط العرب في مخطط تدمير إيران.

"
المأزق الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال، إلى جانب ما أفصحت عنه الانتخابات في فلسطين ومصر من فوز إسلامي، حمل الإدارة الأميركية على التراجع عن ما قدمته في فترة سابقة من التبشير ببسط الديمقراطية هدفا لسياساتها في المنطقة سبيلا لمقاومة الإرهاب
"
لا يزال المأزق الأميركي في العراق يشتد وكذا مأزق الأحزاب التي شاركت في عملية سياسية مصطنعة مغشوشة، دفعتها المقاومة إلى حافة الانهيار، لاسيما بعد أن اشتد ضغط الاحتلال على الأطراف الشيعية وهي إلى جانب الأكراد المكون الرئيسي للعملية السياسية، لحملها على حسم أمرها انحيازا إلى الاحتلال يقضي بالتعاون على تصفية النفوذ الإيراني في العراق أو المواجهة مع الاحتلال.

وهذا ما نقل تلك الأطراف إلى وضع صعب اضطر بعضها إلى الانسحاب من العملية السياسية، بل حتى إلى الانخراط في المقاومة بعد أن تعرضت ولا تزال لضربات قاسية (الصدريون)، إلا أن العمود الفقري للعملية السياسية (الحزبان الكرديان والحزبان الشيعيان: المجلس والدعوة) حافظا حتى الآن على العملية المتأرجحة.

وقبل الحزبان الشيعيان من أجل ذلك تقديم ما يشبه التنازل للأكراد عن كركوك، الكنز الذي سيمول دولتهم، فبدأ ترحيل العرب والتركمان، وتعهدت الدولة بالتعويض لكل من "يختار" الرحيل.

وهكذا بدل أن يقدم التنازل إلى الطرف السني (التوافق) المنسحب من عملية لم يجن منها شيئا بالاستجابة لمطالبه، قدم إلى الأكراد، وبدأ البحث أميركيا ومن طرف القائمين على العملية السياسية عن شركاء سنيين عرب في وسط العشائر، بذل الأميركيون جهودا كبيرة من أجل استقطابهم وإغرائهم وتسليحهم للوقوف في وجه القاعدة مستغلين تهورها وحماقتها، الأمر الذي تخوفت الأطراف الشيعية من عواقبه، إذ قد تنقلب تلك الأطراف ضدها، لاسيما والأميركان لا يقبلون أن يغادروا عراقا واقعا تحت النفوذ الإيراني عبر أحزاب موالية له.

عززت المقاومة كسبها الميداني العسكري ضد الاحتلال بكسب سياسي غير مسبوق، وذلك من طريق توصل أهم الفصائل عدا "القاعدة" إلى تشكيل هيأة سياسية جامعة مفتوحة أمام كل فصائل المقاومة والقوى السياسية المعارضة للاحتلال، مرشحة لأن تمثل عنصرا مهما في المعادلة السياسية المستقبلية للعراق.

كان مفهوما أن يقود ترسّخ الكيان الكردي في شمال العراق وتحوله إلى ما يشبه الاستقلال واقترابه من وضع يده نهائيا على الكنز، إلى إثارة الأتراك، لاسيما أن قد تحول منطلقا لهجمات موجعة على الجيش التركي.

هذا الأمر عبّأ الرأي العام التركي ضد متمردي حزب العمال الكردستاني وصعّد التوتر وفرض على الحكومة والجيش التركيين القيام بعمل انتقامي ضد المتمردين المحتمين بإخوانهم في شمال العراق، مما أدخل العلاقات التركية من جهة والأميركية العراقية من جهة أخرى في مأزق شديد يهدد باندلاع حرب قد تمثل تهديدا حقيقيا لجملة العملية السياسية في العراق والأطراف المشاركة فيها.

كما أن المأزق الأميركي في العراق وأفغانستان وباكستان والصومال، إلى جانب ما أفصحت عنه الانتخابات في فلسطين ومصر من فوز إسلامي، حمل الإدارة الأميركية على التراجع عن ما قدمته في فترة سابقة من التبشير ببسط الديمقراطية هدفا لسياساتها في المنطقة سبيلا لمقاومة الإرهاب.

وهذا هو ما أعاد الدفء والحميمية إلى العلاقة بين الديمقراطيات الغربية والدكتاتوريات العربية، وأطلق يد هذه الأخيرة في القمع كما هو واقع في مصر وتونس مثلا حيث تزدحم السجون وتطلق يد قوى القمع.

غير أن ذلك لم يمنع ظهور أصوات في الغرب ممثلة خاصة في الاتحاد الأوروبي حيث شرعت لجان متخصصة في تدارس مسألة فتح حوار مع الحركات الإسلامية المعتدلة مثل حماس والإخوان.

ومن جهة أخرى فإن مأزق الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان واستنزاف قواها في مناطق كثيرة من عالم الإسلام حيث تخوض معركتها المفتوحة على ما تسميه الإرهاب لم يترك لها بقية من قوة لفتح جبهات أخرى، فعمدت في المناطق الأقل أهمية إلى أسلوب الحرب بالوكالة كما في الصومال حيث يتفاقم المأزق الإثيوبي بتصاعد المقاومة.

إن توريط الدولة الأعظم للجنرال مشرف في حربها على أشباح الإرهاب انتهى بهذا الحليف إلى مأزق وزج بهذا البلد المهم فيما يشبه الحرب الأهلية، مما ينذر بحصول تحولات نوعية في أوضاعه قد تنتهي بتفكيكه وتدمير مشروعه النووي .

لأول مرة في تاريخ هذا البلد يتولى جيشه خوض حرب ضد مناطق شاسعة من ترابه، ويبلغ الحقد عليه حد ذبح جنوده كالنعاج، مشهد آخر من مشاهد العراق وأفغانستان والصومال، بما يؤكد حقيقة أن الاحتلال قوة تدمير لا تعمير.

"
ما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال من تمزق وشبه تحارب أهلي نماذج مرشحة للتمدد إلا إذا نجحت قوى المقاومة والمعارضة الجادة بمختلف اتجاهاتها الإسلامية والعلمانية في أن تلتقي على كلمة سواء
"
إن تورط الدولة الأعظم في حربها العالمية على أشباح الإرهاب، وفر مزيدا من الفرص أمام تصاعد نفوذ قوى دولية أخرى وبخاصة روسيا والصين والهند، وجاء تصاعد أسعار النفط ليعزز تماسك الاتحاد الروسي وإصرار رئيسه الحازم -قائد الاستخبارات السوفياتية السابق- على استعادته موروث الاتحاد السوفياتي ووقف زحف القواعد الأميركية على مراكز نفوذه السابقة.

وذلك ما أعاد إلى العلاقات الدولية قدرا من أجواء الحرب الباردة من استقطاب وقعقعة السلاح، دون الوصول الكامل إليها.

لم يمنع ذلك أن هذه المناخات قد قدمت فرصا مناسبة لقوى المقاومة المسلحة والسياسية والاقتصادية في العراق وأفغانستان وإيران وسوريا وفي أميركا اللاتينية لالتقاط الأنفاس وتصعيد المقاومة والتحدي، لدرجة مبادرة رئيس فنزويلا الثائر هوغو شافيز إلى الدعوة لإقامة نظام اقتصادي دولي منافس للنظام الرأسمالي الذي تقوده الولايات المتحدة.

ومقابل تصاعد المأزق الأميركي في العراق ومعه مشاريع العلمنة التي يتسارع تدهورها حتى ما بقي يشدها غير نفوذ الدولة وأدواتها الأمنية والإعلامية والمالية، تسارع المد الإسلامي على كل المستويات الرشيد منها والمشوه بفعل الضغوط المتزايدة على قواه ، وإمعان الولايات المتحدة وحليفاتها الغربيات في العدوان على الإسلام وأهله وبذل دعم غير مجذوذ للكيان الصهيوني الغاصب وللدكتاتوريات المتوحشة في المنطقة.

إلا أنه بموازاة تصاعد المد الإسلامي تصاعدت موجات العداء والكيد للإسلام وبخاصة لمهاجريه ولرموزه، فبعد الفوز المحدود لليمين الألماني جاء فوز اليمين الفرنسي ساحقا، ومن جهة أخرى توالى سقوط رموز الضالعين في غزو العراق، توني بلير آخرهم حتى الآن.

تستمر بل وتتصاعد أزمة النظام العربي وتعويله المتزايد على أدوات القمع وبيع ما تبقى من مقومات الاستقلال الاقتصادي والسياسي والأمني ثمنا لبقائه، ويتفاقم عجزه عن الاستجابة الناجحة للتحديات التي تواجه شعوبه سواء على صعيد القضايا الاجتماعية والسياسية حيث يتسارع نهب المال العام وانحصار الثروة والحكم في أيدي أسر قليلة حول الحاكم.

يضاف إلى ذلك الاتجاه المتسارع للدولة إلى الانسحاب من دورها الاجتماعي فتدهورت الخدمات التعليمية والصحية والتهبت الأسعار وتمددت العشوائيات، فكان من ذلك تصاعد حركات الاحتجاج العمالي في مصر مثلا وتونس، وكذا تسارع انسحابها من قضايا الأمة الكبرى مثل قضية فلسطين خضوعا للضغوط الأميركية.

وهذا ما يفقد النظام العربي ركائز الشرعية: تقديم الخدمة وتحقيق العدل والدفاع عن مقومات الأمن القومي للأمة، ويرشحه لتفاقم الأزمات ومختلف الاضطرابات والصراعات على أكثر من صعيد بين جماعاته أحزابا وطوائف وقبائل وبين الشعوب وحكامها وبين الحكام بعضهم ببعض.

وما يحدث في فلسطين والعراق وأفغانستان والصومال من تمزق وشبه تحارب أهلي نماذج مرشحة للتمدد، إلا إذا نجحت قوى المقاومة والمعارضة الجادة بمختلف اتجاهاتها الإسلامية والعلمانية في أن تلتقي على كلمة سواء نضالا ميدانيا من أجل استدراك ما فات شعوبنا من الاشتراك في المسار الكوني للتحولات التحررية الديمقراطية.

مؤشرات كثيرة تشهد أن مراجل القلوب تغلي والصبر إلى نفاد، فهل تستجيب النخب لنداء شعوبها؟

المصدر : الجزيرة

التعليقات