ماجد كيالي

ماجد كيالي

كاتب فلسطيني

المجالات الأكثر تأثرا
خطة الحكومة للمواجهة
نقاش إسرائيلي بشأن الأزمة


"العالم بأسره، بما في ذلك الاقتصاد الإسرائيلي، ينزلق نحو ركود حاد." (هدار حورش، معاريف/عساكيم 25/11/2008) هكذا تأثرت إسرائيل بالأزمة الاقتصادية العالمية، كغيرها من الدول وربما أكثر، بسبب ارتباط اقتصادها بالسوق العالمية وباقتصادات الدول الكبرى، وضمنها تحديدا الولايات المتحدة الأميركية.

المجالات الأكثر تأثرا

"
بحسب مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية أدت إلى "انخفاض النمو إلى 2.3% مقابل 4.1% في الربع السابق و5.2% في الربع الأول من هذا العام 2008، وهذا هو النمو الأدنى منذ العام 2002
"
كان تأثير الأزمة الاقتصادية على إسرائيل من مدخلات عديدة، أي في قطاعات التصدير والاستثمار والعمالة والائتمان وانخفاض نسبة النمو السنوي وتقلص الاستهلاك.

فقد عكست هذه الأزمة نفسها في تراجع قيمة الاستثمارات الخارجية، وفي تناقص حجم الصادرات الخارجية، ما أدى إلى إخراج بعض المؤسسات الصناعية من سوق العمل، ورفد العاملين فيها. وهذا بدوره زاد من نسبة البطالة، وأدى إلى تراجع نسبة النمو والاستهلاك للفرد. وبديهي فإن هذه الأزمة عكست نفسها، أيضا، في مجال الموازنة لجهة تقليص نفقات الحكومة في عديد من الميادين.

وبحسب مكتب الإحصاء المركزي في إسرائيل، فإن الأزمة الاقتصادية العالمية أدت إلى "انخفاض النمو إلى 2.3% مقابل 4.1% في الربع السابق و5.2% في الربع الأول من هذا العام (2008). وهذا هو النمو الأدنى منذ العام 2002.

كذلك انخفض إجمالي الصادرات بنسبة 13.4% بسبب الركود في الولايات المتحدة وفي أوروبا، مقابل انخفاض 2.1% في الربع السابق. وقد انخفضت صادرات الصناعة بنسبة 57.5%، والخدمات السياحية بنسبة 45.5%. وهبطت أيضا الاستثمارات في فروع الاقتصاد بنسبة 17.8%.

والاستثمارات في الآلات والمعدات هبطت بنسبة 26.5 %, إذ أعلن بنك إسرائيل أن توقعات النمو تقلصت إلى 1.5% فقط في العام 2009، وأنه يتوقع ارتفاعا حادا في البطالة من 6.1% في العام 2008 إلى 7% في 2009" (يوسي غرينشتاين، معاريف/عساكيم 25/11/2008).

وكان معدل النمو في إسرائيل قبل الأزمة، وفق الإحصائيات الرسمية، بلغ 5% (للسنة الخامسة على التوالي)، ووصلت حصة الفرد من الناتج الوطني السنوي حد 25 ألف دولار، وانخفضت البطالة إلى 6.5%، وبلغ إجمالي الناتج المحلي السنوي حوالي 150 مليار دولار (نحميا شترسلر، هآرتس 6/5/2008)، ما يبيّن مدى تأثر إسرائيل بالأزمة الاقتصادية العالمية.

ويبدو أن قطاع التكنولوجيا العليا، وهو قطاع تعول عليه إسرائيل كثيرا لجهة تفوقها التكنولوجي وأهميته التصديرية، كان من القطاعات الأكثر تأثرا، بحسب معطيات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، حيث إن إجمالي إنتاج صناعات التكنولوجيا العليا هبط بمعدل 11.4% في شهر سبتمبر/أيلول و16% في الربع الثالث من العام 2008، وهذا يعني تسريح عدد كبير من العاملين في هذا القطاع الحيوي في إسرائيل وتقلص نسبة صادرات هذا الفرع.

"
يمكن اعتبار البطالة من أخطر ما سينتج عن هذه الأزمة على إسرائيل، في دولة تحرص على المحافظة على مستوى عال للمعيشة لمواطنيها كونها بلدا مستقبلا للهجرة ويتعرض لتهديدات ديمغرافية
"
من جهة أخرى يبدو أن هذه الأزمة ستؤثر على الموازنات الحكومية، وضمنها الموازنة الأمنية (الجيش والأمن الداخلي)، كما أن الصناعات العسكرية ستتأثر هي الأخرى بسبب الانخفاض في الطلب.

وفي هذا السياق، مثلا، ونتيجة للأزمة الاقتصادية فقد "جمّدت الهند صفقات بقيمة 2.5 مليار دولار مع الصناعات الجوية الإسرائيلية، وهذا على ما يبدو البداية فقط.." (رون بن يشاي، يديعوت أحرونوت 4/11/2008).

وجدير ذكره في هذا السياق أن الصادرات العسكرية تشكل جزءا كبيرا من سلة الصادرات الإسرائيلية، إذ إن إسرائيل تعتبر خامس أكبر مصدر للسلاح في العالم (بحسب المتحدث باسم وزارة الدفاع الفرنسية لوران تاسير) بعد الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وروسيا وفرنسا.

حيث تسيطر على ما نسبته 5.2% من حجم التجارة العالمية بالسلاح (محمد بلوط، السفير 23/10/2008) وكانت إدارة الصناعات العسكرية الإسرائيلية كشفت أنها باعت من الأسلحة والخبرات الأمنية لدول العالم، في العام 2006 مثلا، ما قيمته 4.4 مليارات دولار منها مليار دولار إلى الولايات المتحدة وحدها (الشرق الأوسط 2/1/2007).

ويمكن اعتبار البطالة من أخطر ما سينتج عن هذه الأزمة على إسرائيل، في دولة تحرص على المحافظة على مستوى عال للمعيشة لمواطنيها كونها بلدا مستقبلا للهجرة ويتعرض لتهديدات ديمغرافية (بحكم الطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية).

وبحسب المحلل الإسرائيلي سيفر بلوتسكر، فإن "جميع الأخطار الأخرى، من عدم الاستقرار المالي إلى عجز ميزانية الحكومة، ومن خسائر الصناديق إلى عبء الدين العام، يقل شأنها قياسا بالبطالة.. من وجهة نظر المواطن فإن الركود يعني الخوف من فقدان مكان العمل وتعني الأزمة الإقالة.." (يديعوت أحرونوت 29/10/2008).

وفي كل الأحوال فقد تضاربت التقديرات بشأن عدد العاملين الذين سيتم قذفهم إلى سوق البطالة ابتداء من نهاية العام الجاري، مرورا بالعام القادم وحتى مطلع العام 2010، إذ تتراوح التقديرات بين بضعة آلاف وحتى 60 ألف عامل.

ويرى رئيس اتحاد الصناعيين في إسرائيل شراغا بروش أنه إذا استمر انهيار الأسواق المالية العالمية وضرب الركود اقتصاد دول كبرى، فإن عدد العاملين الذين سيتم فصلهم حتى نهاية العام القادم قد يتراوح بين 30 و40 ألف عامل (المشهد الإسرائيلي 31/10).

بعد ذلك تأتي مسألة المعونات الخارجية، حيث إن الأزمة الاقتصادية أدت إلى تقلصها. وترى إسرائيل أنها متضررة من الأزمة في اتجاهين, الأول هو تراجع حجم التبرعات بشكل عام، والثاني تراجع قيمة الدولار أمام العملة المحلية الإسرائيلية (الشيكل) وعملات أخرى في العالم.

"
الأزمة الاقتصادية أدت إلى تقليص المعونات الخارجية، وترى إسرائيل أنها متضررة من الأزمة في اتجاهين, الأول هو تراجع حجم التبرعات بشكل عام، والثاني تراجع قيمة الدولار أمام العملة المحلية الإسرائيلية وعملات أخرى في العالم
"
وتقول مسؤولة فرع واشنطن للفدرالية اليهودية سوزي غيلمان إن "الوضع الناشئ جديد علينا.. ما من شك في أن الفدرالية ستواصل دعمها لإسرائيل، ولكن علينا أولا أن نهتم بأنفسنا لأننا نعرف أن الناس ليس في إمكانهم تقديم نفس حجم التبرعات التي قدموها في السنة الماضية" (المشهد الإسرائيلي 30/10).

أما على المستوى الشخصي فثمة تقارير تشير إلى أن الخسائر المالية للإسرائيليين جراء الأزمة الاقتصادية العالمية بلغت حوالي 15.5 مليار دولار. وقد تبين أن أغنى 35 ثريا في إسرائيل تراجعت قيمة ثرواتهم بنسبة 40%، إذ كانت ثروتهم مجتمعة نحو 40 مليار دولار وتراجعت الآن إلى مستوى 26 مليار دولار.

إلا أن الخسائر لا تتوقف عند كبار الأثرياء، بل إنها تضرب أيضا وبقوة المصالح الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة، التي تطالب الحكومة بإعداد خطة طوارئ لإنقاذها، لأن انهيار قسم كبير منها يعني خروج آلاف العاملين إلى البطالة (المشهد الإسرائيلي عن تقرير لصحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية 5/11/2008).

خطة الحكومة للمواجهة
حاولت الحكومة الإسرائيلية التدخل بنشاط لتلافي تأثيرات الأزمة الاقتصادية العالمية على اقتصادها وعلى قطاعاتها الإنتاجية، والتخفيف من وطأة ذلك على مستوى معيشة مواطنيها بطرق عديدة، منها ضخ حوالي 11 مليار شيكل (3 مليارات دولار تقريبا) في صناديق الائتمان والسوق المالية (معاريف: 26/11/2008)، وبذل الجهود لجلب استثمارات جديدة، والحد من توقف بعض القطاعات عن العمل للتخفيف من تزايد نسبة البطالة.

كما حاولت الحكومة تخفيض الإنفاق الحكومي في بعض المجالات، وإيجاد شبكة أمان اجتماعية، وتوفير سيولة نقدية في البنوك للمواطنين، ضمنها منح حماية لأصحاب صناديق التقاعد والاسترداد ممن هم فوق عمر 55 عاما، بحيث لا يخسرون أموالهم من استثمارات غير آمنة دخلت الصناديق (يديعوت أحرونوت 24/10/2008).

وردا على توقعات تقلص نسبة النمو فقد رأى شراغا بروش (رئيس اتحاد الصناعيين في إسرائيل) أنه طالما أن وزارة المالية تتوقع نموا اقتصاديا بنسبة 2% في العام القادم 2009 فإن هذا سيعني ركودا، ولهذا على الحكومة أن تحدث محركات نمو جديدة لتحريك الاقتصاد من أجل ضمان ارتفاع نسبة النمو إلى 3.5%.

وأضاف قائلا إن لدى الحكومة مشاريع اقتصادية مخططة بقيمة 80 مليار شيكل، وهو ما يعادل 21.7 مليار دولار، نصف هذه المشاريع سيمولها القطاع الخاص، وعلى الأقل فإنه يجب تفعيل هذا الجزء في الفترة القادمة، إضافة إلى أنه سيكون على الدولة دعم قطاع التصدير الذي تضرر بفعل انهيار سعر صرف الدولار أمام الشيكل منذ عام ونصف العام، مما شكل ضربة قاصمة لهذا القطاع.

وفي هذا السياق فقد تحمل وزير المالية روني بار أون مسؤولية إيجاد مخارج من هذه الأزمة حيث عرض "خطة لحل الاختناق الائتماني في الاقتصاد تعطي البنوك ضمانات دولة بقيمة 6 مليارات شيكل في صالح استصدار شهادات دين تستخدم لزيادة رؤوس أموالها الذاتية.. كما تعالج الخطة السوق الائتماني خارج البنوك. وهي تسعى إلى إقامة صندوق مشترك للدولة ولهيئات تجارية.. إضافة إلى ذلك تتحدث الخطة عن إقامة آلية مشتركة للهيئات المؤسساتية لمعالجة ترتيبات الدين كما أنها تعالج الامتيازات الضريبية للمستثمرين الأجانب" (افتتاحية هآرتس 26/11/2008).

"
تدخل الحكومة الإسرائيلية لحل الأزمة المالية ليس بدون ثمن، إذ يتعين على البنوك أن تعيد رأس المال الذي يوضع تحت تصرفها إلى الدولة بعد أن تنتهي أزمة الاختناق الائتماني, وإذا لم تفعل ذلك تأخذ الدولة من أسهم البنوك التي لا تعيد رأس المال 
"
وبالطبع فإن التدخل الحكومي ليس بدون ثمن، إذ يتعين على البنوك أن تعيد رأس المال الذي يوضع تحت تصرفها إلى الدولة بعد أن تنتهي أزمة الاختناق الائتماني.

وإذا لم تفعل ذلك تأخذ الدولة من أسهم البنوك التي لا تعيد رأس المال (تقرير هآرتس/ ذي ماركر 22/10/2008)، كما أن هذا الأمر فتح المجال لتشديد الرقابة الحكومية على المؤسسات المالية والبنكية.

وفي هذا الإطار فقد اقترح ستانلي فيشر (محافظ بنك إسرائيل) توصية تفيد بتوحيد سلطات الرقابة على البنوك مع الرقابة على التأمين وعلى صناديق الاسترداد، وجعلها وحدة واحدة داخل بنك إسرائيل. مع تأكيده أن "المنظومة البنكية متينة"، وهي مستعدة لكل السيناريوهات (يوسي غرينشتاين، تقرير معاريف/عساكيم 22/10/2008).

خطوة أخرى اتخذتها الحكومة عبر محافظ بنك إسرائيل لمواجهة الوضع تتمثل بتخفيض معدلات الفائدة بنسبة 0.25% لتصبح 3.5%. وبرأي ستانلي فيشر(محافظ البنك) فإن تخفيض الفائدة سيعزز الاقتصاد في تصديه لأثار الأزمة المالية العالمية وسيساعد النشاط الحقيقي في الاقتصاد (زيادة النمو وتقليص البطالة).

ويتوقع بنك إسرائيل أنه في أعقاب الارتفاع في عدم اليقين في الأسواق المالية العالمية، فإن البنوك المركزية الكبرى في العالم ستواصل هي أيضا تخفيض الفائدة. تخفيض الفائدة الحالي، كما يقرر البنك، سيخفض كلفة الائتمان في الاقتصاد وسيساهم في قدرته على التصدي لأثار الأزمة المالية العالمية (موتي بسوك، معاريف/ تلسيكر 29/10/2008).

وكان وزير المالية روني بار أون عقد أواخر أكتوبر/تشرين الأول ما سميت بـ"الطاولة المستديرة" لبحث خطة الوزارة لإنقاذ الاقتصاد الإسرائيلي من التأثيرات السلبية للأزمة الاقتصادية العالمية، ضمت كبار المسؤولين في وزارته مع قادة الاقتصاد، مثل رئيس اتحاد الغرف التجارية كوريئل لين، ورئيس اتحاد أرباب الصناعة شراغا بروش، ورئيس الهستدروت عوفر عيني، ورئيس مكتب مدققي الحسابات رؤوفين تشيف، والمدير العام لمنظمة المستقلين موتي شبيرا، ومديرة قسم البحوث في بنك إسرائيل د. كرنيت بلوغ ( يديعوت أحرونوت 24/10/2008).

نقاش إسرائيلي بشأن الأزمة

"
النقاش بشأن كيفية مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية هو في بدايته، وهو نقاش عالمي، ومسؤولية عالمية، وليس مجرد نقاش إسرائيلي، أو غيره، ألسنا في عصر العولمة؟
"
وكانت الأزمة الاقتصادية العالمية، أسبابها وتداعياتها والاستنتاجات الناجمة عنها، مدار نقاش واسع بين المحللين الاقتصاديين في إسرائيل، ودخلت أيضا في دائرة التجاذبات بين القوى السياسية خصوصا أنها حصلت في مناخ التحضير للانتخابات القادمة.

وقد تمحورت هذه النقاشات حول مدى التدخل الحكومي في الشأن الاقتصادي، وضرورة ذلك من عدمه، وحول تخفيض مخصصات الموازنة الحكومية في بعض المجالات للعام القادم، وحول إمكانية إقامة شبكة أمان اجتماعي.

وقد وصل النقاش في إسرائيل حد الحديث الأيديولوجي عن صوابية طريق الرأسمالية بحد ذاتها. هكذا لاحظ سيفر بلوتسكر، مثلا، أن هذه الأزمة أعطت شرعية لعملية نقد الرأسمالية المالية، حيث إن الرأسمالية من طراز "وول ستريت" هي مجرد أحد نماذج النظام الرأسمالي (ما الضير في الرأسمالية المتنورة والاجتماعية السائدة في فنلندا وفي هولندا؟) ولكنها الأكثر تطرفا بين هذين النموذجين.

وبرأيه فإن السوق المالية المستقرة والباعثة على الثقة لن تعيش دون تدخل حكومي عميق فيها، بما في ذلك ملكية أجزاء فيها، وحتى الجمهوريون في أميركا باتوا يفهمون ذلك (يديعوت أحرونوت 20/10/2008).

على أية حال فإن النقاش بشأن كيفية مواجهة الأزمة الاقتصادية العالمية هو في بدايته، وهو نقاش عالمي، ومسؤولية عالمية، وليس مجرد نقاش إسرائيلي، أو غيره، ألسنا في عصر العولمة؟

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك