الطيب زين العابدين

تطلعات السياسيين الجنوبيين منذ مؤتمر جوبا في عام 1947 كانت تتجه إلى حكم فدرالى لجنوب السودان يضع الإقليم تحت إدارة أبناء الجنوب أنفسهم، أو إلى انفصال تام وقيام دولتين متجاورتين، إلا أن الإداريين البريطانيين الذين أشرفوا على قيام المؤتمر ضغطوا على ممثلي الجنوب بقبول سودان موحد لأن الجنوب لا يملك الموارد المالية أو البشرية ليصبح دولة منفصلة.

ويعتبر موقف الإدارة البريطانية هذا جديدا على سلوكها السابق، فقد عملت في الماضي على فصل الجنوب عن الشمال، واعتبرت الجنوب منطقة مقفولة لا ينتقل إليها المواطن في الشمال إلا بإذن من الإدارة البريطانية وكذلك مجيء مواطن من الجنوب إلى الشمال، وقللت من أعداد التجار الشماليين بالجنوب واستبدلتهم بآخرين مسيحيين من الإغريق والشوام، ومنعت مزاولة الشعائر الإسلامية بالجنوب في العلن بل وحتى تسمية أبناء الجنوب بأسماء شمالية!

"
تطلعات السياسيين الجنوبيين نحو الفدرالية أو الانفصال يعود إلى عدم الثقة في أهل الشمال الذي زرعته السياسة البريطانية لعقود من الزمن وتحريض البعثات التبشيرية للجنوبيين ضد الشمال المسلم
"
كما فتحت الباب للبعثات التبشيرية المسيحية لتسيطر على خدمات التعليم والصحة في الجنوب بدعم من الحكومة المركزية التي تمول خزينتها من ضرائب أهل الشمال, ويبدو أن سبب تغير السياسة البريطانية هو عدم قبول الإدارة البريطانية في تنجانيقا (تنزانيا وكينيا وأوغندا) لضم إقليم الجنوب إليها وضعف الإقليم أن يكون دولة مستقلة لوحده.

أما سبب تطلعات السياسيين الجنوبيين نحو الفدرالية أو الانفصال فهو عدم الثقة في أهل الشمال الذي زرعته السياسة البريطانية لعقود من الزمن وتحريض البعثات التبشيرية للجنوبيين ضد الشمال المسلم.

هذا بالإضافة إلى تفاوت مستويات الوعي والتعليم والوضع الاقتصادي بين الشمال والجنوب مما جعل الساسة الجنوبيين يتخوفون من أنهم سيكونون في موقف أضعف مقارنة بالسياسيين الشماليين.

بدأت حركات التمرد الجنوبية ضد الشماليين والحكومة المركزية في أغسطس/آب 1955 بمنطقة الاستوائية، أي قبيل إعلان استقلال السودان الذي تم في الأول من يناير/كانون الثاني 1956، وكان سبب التمرد هو محاولة نقل الفرقة الجنوبية المتمردة من موطنها في الجنوب إلى الشمال والتظلم من الطريقة التي تمت بها سودنة (توطين) الوظائف القيادية في الخدمة المدنية التي كان حظ الجنوبيين فيها ضئيلا نسبة لضعف تعليمهم وقلة خبرتهم الإدارية.

وكانت نتائج التمرد عنيفة لأن العساكر المتمردين اعتدوا فيها على المدنيين من التجار والمدرسين والموظفين الشماليين وأسرهم، وأدى ذلك إلى ردة فعل مماثلة من القوات المسلحة ضد المتمردين.

وجاءت حركة التمرد الثانية باسم "الانيانيا" في أول الستينيات أثناء حكم الفريق إبراهيم عبود الذي اتبع مركزية عسكرية قابضة في الإدارة وحاول اتباع سياسة تعليمية لأسلمة الجنوب وأبعد المبشرين الأجانب من جنوب السودان لتدخلهم في الأمور السياسية.

كان هدف حركة الانيانيا هو فصل الجنوب عن الشمال، واستمر التمرد الذي قاده العقيد جوزيف لاقو من أوائل الستينيات إلى عام 1972 حين عقد مع حكومة الرئيس نميري اتفاقية أديس أبابا التي أعطت الجنوب حكما ذاتيا له حكومته الإقليمية وبرلمانه التشريعي وتوحدت مديرياته الثلاث تحت إدارة واحدة، ومارس قدرا من الديمقراطية لم توجد في الشمال تحت حكم نميري العسكري.

وقام التمرد الثالث في مايو/أيار 1983 تحت مسمى "الحركة الشعبية لتحرير السودان" بقيادة العقيد جون قرنق من أبناء الدينكا، أكبر قبائل الجنوب، بحجة انتهاك الرئيس نميري اتفاقية أديس أبابا حيث أصدر مرسوما رئاسيا بتقسيم الجنوب إلى ثلاث مديريات، وأعلن في سبتمبر/أيلول 1983 بعض قوانين الشريعة الإسلامية دون أن يستثنى منها الجنوب مما أعطى حركة التمرد سببا إضافيا تضايق منه أهل الجنوب غير المسلمين.

"
الحركة الشعبية هي أقوى حركات التمرد الجنوبية لأنها استولت بنهاية الثمانينيات على حوالي 80% من إقليم الجنوب بل واحتلت بعض المواقع في شمال السودان في جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان
"

وتعتبر الحركة الشعبية أقوى حركات التمرد الجنوبية لأنها استولت بنهاية الثمانينيات على حوالي 80% من إقليم الجنوب بل واحتلت بعض المواقع في شمال السودان في جبال النوبة والنيل الأزرق وشرق السودان، وتحالفت سياسيا مع المعارضة الشمالية لنظام الإنقاذ وعسكريا مع حركات التمرد في دارفور، واستطاعت أن تجذب مقاتلين معها من مناطق جبال النوبة والنيل الأزرق في الشمال، ووجدت دعما إقليميا ودوليا ضد حكومة الفريق البشير التي أصبحت معزولة في محيطها الأفريقي والعربي بسبب مواقفها المؤيدة للمعارضة في تلك البلاد.

هدفت قيادة الحركة الشعبية، وعلى رأسها جون قرنق، إلى قيام سودان جديد بنظام كونفدرالي لا تسيطر عليه النخبة العربية الإسلامية التي حكمت السودان منذ الاستقلال، ولكن قواعد الحركة الشعبية كانت أميل إلى انفصال جنوب السودان.

وبعد مقتل جون قرنق في حادث الطائرة الأوغندية ضعف التمسك بالوحدة لدى قيادات الحركة.

من الاستعراض السابق يتضح أن السياسيين الجنوبيين وحركات التمرد الجنوبية كانت أقرب إلى الانفصال منها إلى الوحدة مع الشمال طيلة سنوات الاستقلال.

وهذا ما حدا بالقوى السياسية الشمالية أن تقبل في نهاية الأمر بحق تقرير المصير لجنوب السودان رغم عدم قانونية ذلك الحق في العرف الدولي وفي دستور منظمة الوحدة الأفريقية ومن بعدها الاتحاد الأفريقي، ومعارضة مصر الشديدة لانفصال الجنوب لما يمثله من تهديد لنصيبها في مياه النيل. ولكن القوى السياسية الشمالية وصلت إلى هذه القناعة المؤلمة بعد حرب مع حركات التمرد الجنوبية دامت أكثر من ثلاثين عاما.

بعد سنوات من التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية تحت مظلة دول الإيغاد الأفريقية ومشاركة عدد من الدول الغربية توصل الطرفان إلى اتفاقية السلام الشامل التي وقعت في نيروبي في التاسع من يناير/كانون الثاني 2005. وتعتبر الاتفاقية كسبا غير مسبوق لأهل الجنوب لأنها منحتهم فوق ما كانوا يتطلعون إليه في ظل كل الحكومات السابقة.

أهم معالم الاتفاقية هي: إعطاء أهل الجنوب حق تقرير المصير بنهاية الفترة الانتقالية في 2011، تمكين الحركة الشعبية من السيطرة تماما على إدارة الإقليم الجنوبي أثناء الفترة الانتقالية (2005-2011)، مشاركة أبناء الجنوب في الحكومة الاتحادية بنسبة 28% وفي ولايتي جنوب كردفان والنيل الأزرق الشماليتين بنسبة 45% لأن بعض أبنائها حاربوا مع الحركة الشعبية، احتفاظ الحركة الشعبية بمليشياتها المقاتلة إبان الفترة الانتقالية وخروج القوات المسلحة من حدود جنوب السودان، اقتسام عائدات البترول من الحقول الموجودة في الجنوب مناصفة بين حكومة الجنوب والحكومة المركزية، استثناء الجنوب من تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية وكذلك أبناء الجنوب غير المسلمين في العاصمة القومية، ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب بناء على خريطة 1956 عند الاستقلال ما عدا منطقة أبيي التي أضيفت إلى الشمال في 1905 ينبغي أن تعود مرة أخرى إلى الجنوب.

"
بعد سنوات من التفاوض بين حكومة الإنقاذ والحركة الشعبية تحت مظلة دول الإيغاد الأفريقية توصل الطرفان إلى اتفاقية السلام الشامل في يناير/كانون الثاني 2005 التي تعتبر كسبا غير مسبوق لأهل الجنوب لأنها منحتهم فوق ما كانوا يتطلعون إليه
"
وجدت اتفاقية السلام الشامل تأييدا عاما من كل القوى السياسية في الشمال والجنوب رغم أنها كانت ثنائية بين المؤتمر الوطني (الحزب الحاكم) والحركة الشعبية، وتم اقتسام السلطة على المستوى الاتحادي والاقليمي والولائي لمصلحة الحزبين، وكأن المؤتمر الوطني هو من يمثل الشمال والحركة الشعبية من يمثل الجنوب.

والسبب في ذلك التأييد هو إيقاف الحرب الدامية بين الشمال والجنوب، وأن الاتفاقية كانت شاملة لكافة القضايا المتنازع عليها بين شقي الوطن.

تم في الفترة الماضية منذ عقد الاتفاقية تنفيذ معظم بنودها مثل: صدور الدستور الانتقالي، تكوين الحكومة الاتحادية المشتركة، تكوين الحكومة الإقليمية وحكومات الولايات، اقتسام عائدات البترول، انسحاب القوات المسلحة من الجنوب، إجراء التعداد السكاني الذي تتم على أساسه معرفة أوزان الأقاليم وما تستحقه من تمثيل في البرلمان، صدور قانون الانتخابات، تكوين معظم المفوضيات التي نصت عليها الاتفاقية، ترسيم الحدود الذي أوشك على الانتهاء، تعيين العديد من الجنوبيين في جهاز الأمن الوطني وأجهزة الخدمة المدنية.

صحبت تنفيذ الاتفاقية عبر السنوات الماضية شكوى وملاسنات بين الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني. اشتكت الحركة من عدم الشفافية في إعلان عائدات البترول ومن البطء في ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب والتي تؤدي إلى تحديد حقول النفط التابعة للجنوب، وجود مليشيات جنوبية كانت متحالفة مع الحكومة ولا تزال الحكومة تدعمها رغم نص الاتفاقية على تسريحها أو استيعابها، وأخطر الشكاوى كانت بخصوص حدود منطقة أبيي التي تضم عددا من آبار البترول.

ولجأت الحركة الشعبية إلى الانسحاب من الحكومة الاتحادية في أكتوبر/تشرين الأول 2007 احتجاجا على ما سمته تباطؤ المؤتمر الوطني في إنفاذ الاتفاقية.

واشتكى المؤتمر الوطني بدوره من مصادرة حكومة الجنوب للسلطات الاتحادية في الإقليم مثل سلطات الجمارك على الحدود والطيران المدني وخدمات الاتصال والاعتداء على مباني فروع الجامعات الإسلامية.

ومن المسائل المتبقية ذات الطبيعة الساخنة: ترسيم الحدود بين الشمال والجنوب، حدود أبيي التي أخضعت لتحكيم دولي، القبول بنتائج التعداد (نسبة كبيرة من الجنوبيين ما زالت موجودة في الشمال ولم تحسب تابعة للجنوب)، إجراء الانتخابات في وقتها المحدد وهو يوليو/تموز 2009.

يمكن القول إن قيادة الحركة الشعبية منقسمة بين مؤيدي الوحدة ومؤيدي الانفصال، ومعظم القواعد الجنوبية تؤيد الانفصال. فقد قال الأمين العام للحركة الشعبية باقان موم في ندوة بالقاهرة في النصف الثاني من نوفمبر/تشرين الثاني 2008 إن 90% من أهل الجنوب يؤيدون الانفصال.

تتلخص حجج الانفصال في الآتي: مهما كسب الجنوب من الاتفاقية سيظل الجنوبيون أقلية في مجتمع عربي إسلامي، تطلع أهل الشمال لتطبيق الشريعة الإسلامية يجعل الجنوبي غير المسلم مواطنا من الدرجة الثانية، لكن لماذا يقبل أهل الجنوب بنصف عائدات البترول الذي يقع داخل حدود إقليمهم؟ ليست هناك قواسم مشتركة بين أهل الشمال والجنوب سوى الحدود الجغرافية التي وضعها الاستعمار البريطاني، التفاوت التعليمي والاقتصادي يجعل الشقة كبيرة بين الشمال المتقدم والجنوب المتخلف.

ومن الناحية الأخرى فإن حجج دعاة الوحدة تقول بالآتي: نسبة لضعف البنيات التحتية في الجنوب وقلة الكوادر المهنية والإدارية فإن الشمال يمكن أن يلعب دورا إيجابيا في تشييد البنيات التحتية وفي توفير الكوادر التي يحتاجها الجنوب وهم أعرف بالجنوب من دول الجوار الأفريقية الأخرى.

"
الكفة حتى الآن لمصلحة الانفصال بين القواعد في الجنوب, ولكن القيادات الجنوبية قد تكون أقرب للحفاظ على الوحدة, وإذا ما حزمت الحركة الشعبية أمرها ونزلت بثقلها فإن خيار الوحدة سيكون هو الراجح عند الاستفتاء بحكم سيطرة الحركة التامة
"
الجنوب مقسم أيضا إلى قبائل عديدة تختلف لغاتها وعاداتها وأديانها وسبل عيشها وتحدث بينها مشاحنات ومنازعات، لذا فإن ارتباطهم بالشمال يشكل لهم قدرا من الوحدة في مواجهته كما حدث منذ الاستقلال. الانفصال عن الشمال قد يقود إلى دعوات انفصالية بين مناطق الجنوب الثلاث، الانفصال لا يخلو من مخاطر النزاع والحرب على الحدود مع الشمال، وماذا يكون مصير مئات الآلاف من الجنوبيين الذين يقطنون الشمال ولا يريدون العودة إلى الجنوب في حالة الانفصال؟

وماذا يضير أهل الجنوب من الوحدة وهم يسيطرون بالكامل على إدارة إقليمهم ويشاركون في حكم الشمال عن طريق الحكومة الاتحادية؟ كما أن دعوة الحركة لبناء سودان جديد وجدت تأييدا مقدرا من أبناء الأقاليم المهمشة في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق وشرق السودان مما يفتح الباب للحركة الشعبية أن تكون الحزب الأول في الشمال كما هي في الجنوب، وبالتالي تسيطر على كل السودان وتحقق برنامجها لبناء سودان جديد.

وترجح الكفة حتى الآن لمصلحة الانفصال بين القواعد في الجنوب وذلك لأسباب تاريخية ونفسية ومصلحية، ولكن القيادات الجنوبية قد تكون أقرب للحفاظ على الوحدة.

وإذا ما حزمت الحركة الشعبية أمرها ونزلت بثقلها مع خيار الوحدة كما نادى بذلك زعيم الحركة والنائب الأول لرئيس الجمهورية سلفاكير ميارديت في مؤتمر الحوار الجنوبي الذي عقد في منتصف نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، فإن خيار الوحدة سيكون هو الراجح عند الاستفتاء بحكم سيطرة الحركة التامة على مقاليد الأمور في الجنوب.
ـــــــــ
كاتب سوداني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك