ياسر الزعاترة

ياسر الزعاترة

كاتب أردني

من الأسئلة التي تطرح نفسها إثر فوز باراك أوباما بالرئاسة في الولايات المتحدة ما يتعلق بمسار الديمقراطية وعموم حركة الإصلاح في العالم العربي. وهي أسئلة تفرض على المراقب أن يستعيد ما جرى خلال ولايتي جورج بوش.

هنا يمكن القول إن روحية الموقف الأميركي خلال الولايتين قد تمثلت في استخدام سيف الإصلاح في سياق الابتزاز السياسي لا أكثر، وذلك بعد أن اكتشف المحافظون الجدد (الأرجح أنهم يعرفون ذلك) أن أفضل وسيلة لابتزاز الأنظمة العربية هي تلك المتمثلة في التلويح لها بعصا الديمقراطية والإصلاح.

"
بوصلة الإدارة الأميركية في عهد بوش والمحافظين الجدد هي خدمة الأجندة الإسرائيلية، ولذلك وجدت تلك الإدارة في هجمات سبتمبر/أيلول فرصة لتصعيد الهجوم على المنطقة من أجل إعادة تشكيلها لحساب هذه الأجندة
"
وبالطبع لأن هدفها الأسمى، هي والنخب التي تدور في فلكها، هو إبقاء كل شيء على حاله، إلى جانب الحيلولة دون أي مسار تعددي أو إصلاحي يسمح بقدر من الرقابة عليها، وهي التي تميزت باحتكار السلطة والثروة، وليس السلطة وحدها كما كان الحال في مراحل سابقة.

من المفيد القول ابتداءً إن بوصلة الإدارة الأميركية في عهد جورج بوش والمحافظين الجدد هي خدمة الأجندة الإسرائيلية، حتى لو انطوى ذلك على تجاهل للمصالح الأميركية، ولذلك وجدت تلك الإدارة في هجمات الحادي عشر من سبتمبر/أيلول فرصة لتصعيد الهجوم على المنطقة من أجل إعادة تشكيلها لحساب الأجندة الإسرائيلية (لعل ذلك هو ما أشاع نظرية المؤامرة في التعاطي مع تلك الهجمات).

بدأت الرحلة باحتلال أفغانستان ثم العراق، مع العلم أن هذا الأخير كان الأهم في تلك الرؤية، حيث يؤكد مدير المخابرات الأميركية السابق جورج تينيت في كتابه "في عين العاصفة" أن بوش جاء إلى البيت الأبيض وقرار احتلال العراق في جيبه.

في المرحلة الأولى تعاونت الأنظمة العربية الرئيسية مع برنامج احتلال العراق، لكن تعاونها التالي في تثبيت الاحتلال كان ضروريا كذلك، وهنا بدأ مشروع الابتزاز الأميركي للأنظمة عبر برنامج الإصلاح، وبالطبع من خلال برنامج الشرق الأوسط الكبير الذي طرح مطلع العام 2004، والذي استند إلى مقاربة سياسية تقول إن الدكتاتورية هي أساس تفريخ الإرهاب، وأنه من أجل اجتثاثه (أي الإرهاب) لا بد من "تشجيع الديمقراطية والحكم الصالح، وبناء مجتمع معرفي، وتوسيع الفرص الاقتصادية".

ولأن انطلاقة المشروع كانت تحتم قليلا من المصداقية في طرح شعاراته، فقد بدأت موجة ضغوط أميركية لإشاعة الديمقراطية والإصلاح في المنطقة. وفي سياق امتصاص تلك الضغوط بادرت عدة دول عربية إلى تمرير انتخابات جزئية (بلدية في السعودية جرى تسهيل فوز الإسلاميين فيها كي تصل الرسالة بشأن البدائل المتاحة في حال الاستجابة لنصائح الدمقرطة والإصلاح)، بينما نظمت دول أخرى انتخابات برلمانية بجرعة أقل من القمع والتزوير سمحت لقوى المعارضة بالحصول على بعض المكاسب (الحالة المصرية مثالا عندما جرى التسامح مع الإخوان المسلمين في الجولة الأولى ففازوا بخمس مقاعد مجلس الشعب 2005).

"
بعد أن تأكدت الدوائر الأميركية من أن البديل القادم في حال تطبيق الديمقراطية والتعددية الحقيقية هم الإسلاميون, نسيت إدارة بوش معزوفة الإصلاح، اللهم إلا في مناسبات عابرة لرفع العتب أو ردا على مواقف لا تروق لها من هذا النظام أو ذاك
"
بعد ذلك وقع التوافق الضمني على الصفقة مع واشنطن بعد أن تأكدت الدوائر الأميركية من أن البديل القادم في حال تطبيق الديمقراطية والتعددية الحقيقية هم الإسلاميون الأكثر عداءً لسياساتها في المنطقة، وتنص الصفقة المذكورة على مقايضة المواقف السياسية المتعلقة بالقضايا الحساسة مثل فلسطين والعراق، وبعض المواقف الداخلية بقضية الإصلاح.
وقد رأينا في هذا السياق كيف مررت الأنظمة العربية قتل عرفات بالسم وترتيب الخلافة من بعده للفريق الذي تريده تل أبيب وواشنطن، كما تابعنا كيف جرى الاعتراف بالأوضاع الجديدة في العراق بعد الاحتلال.

هنا نسيت إدارة جورج بوش معزوفة الإصلاح، اللهم إلا في مناسبات عابرة، وغالبا في سياق رفع العتب أو ردا على مواقف لا تروق لها من هذا النظام أو ذاك.

وبذلك عادت الأوضاع إلى سابق عهدها، حيث تناست الأنظمة إياها وعود الإصلاح، أعني تلك التي لا توجد لديها حياة تعددية، ولو في الحد الأدنى مثل السعودية، وحتى ليبيا بعد أن دفعت ما عليها من مستحقات، بينما عادت دول ديمقراطية الديكور (تتوفر فيها أشكال الديمقراطية الخارجية مثل الأحزاب والبرلمان والانتخابات، من دون حريات حقيقة ولا تداول على السلطة)، عادت إلى سابق عهدها، إذ وقع تزوير مفضوح في انتخابات مجلس الشورى المصري وبعدها المحليات (البلديات).

كما تابعنا جملة من الجولات الانتخابية المزورة في عدد لا بأس به من الدول (على تفاوت في مستوى التزوير). بل وصل الحال حد منح تلك الأنظمة فرصة قمع معارضتها بالطريقة التي تراها مناسبة من دون مخاوف التعرض لانتقاد حقيقي.

ما ينبغي الالتفات إليه في هذا السياق هو أن مرحلة بوش قد تميزت بسياسات لا يعتقد أن أوباما سيكررها، ليس لأنه لا يريدها، بل لأن المؤسسة العسكرية والأمنية وحتى السياسية في الولايات المتحدة لن تمررها، ومعها الشارع الأميركي، أعني تلك السياسة القائمة على التركيز على منطقة الشرق الأوسط لحساب الأجندة الإسرائيلية.

لا يعني ذلك أن أوباما سيكف عن نصرة الرؤية الإسرائيلية، فهو لن يجرؤ على ذلك (الأسباب معروفة: لوبي صهيوني قوي، كونغرس مؤيد لإسرائيل بشقيه الديمقراطي والجمهوري، فريق استشاري صهيوني يتصدره كبير موظفي البيت الأبيض رام إيمانويل)، لكن الإستراتيجية ستتغير، ويبقى احتمال أن ترى الدولة العبرية أن عليها تقديم بعض التنازلات لتمرير التسوية، مثل القبول بالمبادرة العربية مع بعض التعديلات. وهي تنازلات يمكن لأوباما أن يسوقها أكثر من أي أحد سواه.

"
جوهر الموقف الأميركي من عملية الإصلاح في المنطقة لن يتغير، اللهم إلا في طبيعة الثمن, لكن السؤال المهم هو مواقف القوى الإسلامية: هل ستركن إلى ديمقراطية الديكور القائم أم ستستغل التطورات الدولية الجديدة؟
"
إذا صدقت التوقعات بشأن التغير في الإستراتيجية الأميركية في اتجاه التركيز على حل المشكلة المالية داخليا، مع التصدي للمنافسين الكبار، وعلى رأسهم الصين وروسيا خارجيا، فإن الحاجة ستكون أكبر للأنظمة العربية القائمة، وهنا لن تلجأ الولايات المتحدة إلى المغامرة بخسارتها عبر الضغط عليها في اتجاه الإصلاح، وستترك لها في الغالب فرصة التعاطي مع معارضيها، لا سيما الإسلاميين منهم وفق ما تراه مناسبا، وغالبا وفق نظام الكوتا الذي يمنح ديمقراطية الديكور مزيدا من الشرعية بدل تهديدها أو تغييرها (سيجري السكوت على الدول التي ليس فيها ديمقراطية).

على أن ملف الإصلاح سيبقى قائما كأحد أدوات الابتزاز إذا تلكأت الأنظمة العربية أو بعضها في دفع الاستحقاقات السياسية وغير السياسية المطلوبة منها، بما فيها المتعلقة بعملية التسوية مع الطرف الإسرائيلي، لا سيما إذا قدم هذا الأخير تنازلات رأتها إدارة أوباما كافية لتمرير العملية.

والنتيجة أن جوهر الموقف الأميركي من عملية الإصلاح في المنطقة لن يتغير، اللهم إلا في طبيعة الثمن: (مواقف في القضايا المحورية ومنها فلسطين، إلى جانب المساعدة في إخراج الولايات المتحدة من المستنقعات القائمة في العراق وأفغانستان، أم مساندة للولايات المتحدة في معركتها مع منافسيها الكبار).

على أن السؤال الذي لا يقل أهمية هو ذلك المتعلق بمواقف قوى المعارضة وعلى رأسها القوى الإسلامية: هل ستركن إلى ديمقراطية الديكور القائمة، التي تمنحها حصة بائسة من العملية السياسية، تتراجع بمرور الوقت، وهذه المرة ليس بقرار، وإنما بتراجع شعبي حقيقي مرده اليأس من قدرتها على إحداث التغيير، أم ستستغل التطورات الدولية الجديدة (ملامح التعددية القطبية وتراخي القبضة الأميركية على العالم) في نضال سلمي يفرض التغيير على الأنظمة؟ سؤال ستجيب عليه المرحلة المقبلة.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك