توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية


عندما شرعت في كتابة مقالتي السابقة للجزيرة نت عن مشروع تقسيم الأردن إلى أقاليم ثلاثة, جهدت طوال أيام ثلاثة كي أحصل من أي جهة كانت على أي معلومة عن تفاصيل ذلك المشروع المطروح "للتنفيذ" لا أقل, دون جدوى.

والنتيجة أنني اضطررت للاعتماد على ما سبق إعلانه عن المشروع وعلى ما في أرشيفي وعلى تحليلي وحدسي المبنيين على معرفة دقيقة ليس فقط بواقع السياسة في الأردن, بل بشخوصها وخلفيات وتوجهات وحتى طموحات ومصالح كل منهم.

ولحسن حظي لم أخطئ الهدف هذه المرة أيضا رغم التعتيم المتعمد لكامل المشهد, بل إنني -فيما يبدو- أصبت الهدف بأدق وأعمق مما سبق. والدليل هو تداعيات مقالي السابق منذ عشية نشره في الجزيرة نت يوم 6 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي, التي كشفت ما صدمني أنا المتابعة الحثيثة للمشروع, وبدرجة عالية من التوجس, منذ عقد ونصف.. فكيف بمن لم يساورهم شك أو يستشعروا أية مخاوف مما أشرت إليه, وفجأة فتح أمامهم "صندوق باندورا"؟!

"
سلطة الإقليم في مشروع تقسيم الأردن استحوذت على صلاحيات واسعة تتجاوز كثيرا ما يلزم للإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية, تشمل صلاحيات تتعلق بأموال الإقليم المنقولة وغير المنقولة وتأجيرها أو بيعها
"
ففي صبيحة اليوم التالي لنشر مقالي "مشاريع ومخاوف مشروعة" على الجزيرة نت قامت يومية "العرب اليوم" -الأكثر استقلالا من بين الصحف المحلية- بنشر ما لديها عن مشروع الأقاليم بصورته الأخيرة المعتمدة للتطبيق مرفقة بخارطة, وذلك على موقعها الإلكتروني كونها لا تصدر يوم الجمعة, وأعادت نشره يوم السبت في نسختها المطبوعة.

وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن استعمال الإنترنت كمدخل للصحافة الجادة نخبوي جدا في الأردن كون استعماله من قبل من هم فوق الأربعين محدودا للغاية حتى بين الحزبيين, فإن "العرب اليوم" يفترض أن تكون قد "حرقت" بهذا النشر المبكر على الإنترنت سبقها الصحفي وأتاحته لغيرها.

ولكنها في الحقيقة استعملت فرصة كسر الصمت الذي يغلف به الموضوع, في حين استمر رضوخ الآخرين له بما فيها صحيفة "الرأي" المعروف أنها رسمية, فلم ينشروا حتى نقلا عن حكومة تحظى بدعم مطلق من دائرة المخابرات لا أقل (باستثناء مقالة لكاتبها الأبرز الدكتور فهد الفانك تتحفظ على المشروع), مع أن كل ما تصرح به الحكومة عن مشاريع أقل شأنا بكثير تتصدر الصحف كافة.

وهذا, مضافا إلى ما سنأتي إليه من تجاذب بين المشاريع طاله النشر, يؤكد ما ذهبنا إليه في مقالنا السابق من تجاذب للنفوذ مع الحكومة تقوم به أكثر من جهة, بل ويؤكد ما وصل إليه نفوذ تلك الجهات.

وإلى حين اكتمال جلاء التعتيم وانحسار الصمت, فإن من حق قرائنا على هذا الموقع أن نكمل لهم صورة ما عرضناه في مقالنا السابق, بتلخيص أهم ما تبدى في قيام الحكومة "بنفض الغبار عن مشروع قانون الأقاليم الذي أعدته وزارة الداخلية بناء على توصيات لجنة ملكية خاصة".

باختصار.. ينص المشروع على تقسيم المملكة إلى ثلاثة أقاليم يضم كل منها أربع محافظات على رأس كل منها مفوض الإقليم (منصب مستحدث) برتبة وزير يعينه الملك.

والصلاحيات التي أحيلت إلى مفوضي الإقليم ومجالسه تتطلب تعديل ما لا يقل عن ثلاثمائة قانون. ولا يجري الحديث عن تعديل الدستور في تجاهل لكون هذا المشروع يخرق العديد من أحكامه بما لا مجال لتعداده هنا.

"سلطة الإقليم" في المشروع استحوذت على صلاحيات واسعة تتجاوز كثيرا ما يلزم للإدارة المحلية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية, تشمل صلاحيات تتعلق بأموال الإقليم المنقولة وغير المنقولة وتأجيرها أو بيعها لغير الأردنيين والأشخاص المعنويين بكل ما قد يعنيه هذا في ظل البيع "الإشكالي" الجاري لأصول الدولة وأراضيها، مما طال أراضي ملكيات خاصة استملكت (قانون الاستملاك مطلوب تعديله ضمن مئات القوانين هذه ليعطي هذه الصلاحيات لمفوض الإقليم).. وصولا إلى شأن سيادي بحت وهو صلاحية "منح الإقامة أو رفضها", بل وصلاحية "إعطاء التأشيرة واستيفاء الرسوم المترتبة عليها"!! (بتأشيرة واحدة يستطيع أي شخص التجول في كافة دول الاتحاد الأوروبي على اختلاف أنظمتها وأعراقها).

فهل تلزم ثلاث تأشيرات بثلاث رسوم لأي سائح يزور الأردن, ويمر على نقطة حدود وجوازات داخل حدود المملكة الواحدة تدقق تأشيرته وتحدد إقامته؟؟ هذا إن لم يخضع لكليهما (تصاريح الإقامة والتأشيرة) أو للإقامة وحدها, وكذلك "سكان الأقاليم" الأخرى الذين سيصنفون على هذا الأساس كون صلاحيات إصدار دفتر العائلة وبطاقة الأحوال المدنية وصولا إلى "تصحيح القيود المتعلقة بالجنسية والديانة" ستسحب من المدير العام للجوازات وتمنح لمفوض الإقليم.

ورغم تحاشينا الخوض في أي مضمون سياسي إقليمي لهذه التقسيمات, فإن قدرا كبيرا من السذاجة أو افتعاله يلزم لافتراض أن قطاعات من سكان إقليم ما لن يتعرضوا لإجراءات منع إقامة في إقليم آخر بالتذرع بتلك القيود و"تصحيحها" الذي سيقوم على أسس منابت وأصول أو أديان.

فهذه إشكالية قائمة حاليا في ظل الدولة المركزية الواحدة, منه ما جرى ويجري بالتذرع "بقرار فك الارتباط" من سحب جوازات سفر أو تبديلها بأخرى مؤقتة, كما يجري تنازع على نقل سجلات ناخبين في مواسم الانتخابات البلدية والنيابية, بعذر كون عشيرة تعود إلى منطقة بعينها أو بدون عذر, أدى مرارا إلى مواجهات مخلة بالأمن وصلت أحيانا حد حمل السلاح.

فكيف حين يصبح لسكان كل إقليم حق الانتخاب أو التعيين في مواقع أهم في سلطة الإقليم أو لمجلسها المحلي, حسب ما ورد في مشروع القانون الذي يستنسخ الخلط الجاري بين التعيين والانتخاب, بما فيه استنساخ قانون الانتخاب للمجلس النيابي بكل مخالفات القانون المؤقت الأخير للدستور!!

وبما أننا عرجنا هنا على مكون "أمني", فلا بد من الإشارة إلى صلاحية أمنية أخطر بكثير "فوضت" في هذا المشروع لمفوض الإقليم, وهي "إصدار رخص الحيازة والحمل والاقتناء وكذلك الاتجار بالأسلحة النارية والذخائر".. فما علاقة هذا بالتنمية التي يتذرع بها لتقسيم المملكة إلى أقاليم أو محافظات؟!

وهذه الصلاحية ليست الوحيدة، ولكن ما يلفت النظر إليها أنها ذكرت تحديدا -رغم أنها ضمن صلاحيات وزير الداخلية التي منحت لمفوض الإقليم- مع أن المشروع ينص على تعديل القوانين السارية لإعطاء مفوضي الأقاليم صلاحيات الوزراء على العموم.

"
كل ما قيل عن مشروع التقسيم الأول يمكن قوله عن المشروع الثاني, باستثناء فارقين: أن وزير الداخلية الذي همش تماما في المشروع الأول عاد ليصبح وزير كل الوزارات, وأن مشروع اللامركزية لا يتكلف عناء زعم وجود مجلس محلي يمزج من المنتخبين والمعينين بشكل ديمقراطي
"

هذا عن وزراء الحكومة المركزية وما يتبقى لهم من صلاحيات, وخاصة وزير الداخلية. ولكن الحقيقة أن منصب رئيس الوزراء ذاته يبدو قد جرد من أغلب صلاحياته لصالح كل مفوض في إقليمه.

فمع أن المشروع ينص على أن رئيس الوزراء يرأس مجلس مفوضي الأقاليم, فإن ذلك المجلس المفصلي الذي يضم خمسة وزراء أيضا منهم وزير الداخلية, يضم أيضا مفوضي الأقاليم ونوابهم, أي ستة من الأقاليم مقابل ستة من الحكومة المركزية.

وقرارات المجلس تتخذ بأغلبية الأصوات, أي أن صوت رئيس الحكومة وصوت كل وزير عضو يتساوى ليس فقط مع صوت مفوض إقليم بل ومع نائبه أيضا, مع ميزة واحدة للرئيس وهو أنه في حالة تساوي الأصوات يرجح صوت الرئيس القرار الذي صوت معه.

وعلى أي حال, يجتمع المجلس مرة واحدة كل أربعة أشهر أو كلما دعت الحاجة، في حين أن الحكومة المركزية حاليا تجتمع مرتين أسبوعيا وبالكاد يكفي هذا, وقلة الاجتماعات أو قصرها كان مؤشرا على دكتاتورية رئيس الحكومة وانفراده بالقرار.

ولكن المكتب التنفيذي للمفوضية (حكومتها المحلية) يجتمع بالمقابل مرة كل شهر على الأقل وبدعوة من رئيسها. ومن له حق الدعوة إلى اجتماع له حق إعلان فضه ولو بعد دقائق, ما يعطيه شهرا ينفرد فيه بصلاحيات كل الوزراء في إقليمه!!

هذا عن نص مشروع قانون الأقاليم الذي أعدته وزارة الداخلية ونشرته صحيفة "العرب اليوم" على موقعها, ثم نشرته في نسختها المطبوعة في اليوم التالي.

ولكن بعد 12 يوما وبالتحديد يوم 19 نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، نشرت وزارة الداخلية ملخص مشروع آخر أعدته كبديل لمشروع الأقاليم, تحت عنوان "مشروع قانون الأقاليم التنموية للتخطيط التنموي والإدارة اللامركزية". وحتما الأيام الـ12 لم تنشئ المشروع البديل, ولكنها جدولة للنشر الذي فتح بابه مواربا دون باب الحوار.

كل ما قيل عن المشروع الأول يمكن قوله عن المشروع الثاني باستثناء فارقين: الأول أن وزير الداخلية الذي همش تماما في المشروع الأول عاد ليصبح "وزير الوزارات كلها", (كما توقعت وحذرت في كلمتي في البرلمان في رفض مشروع اللامركزية حين قدم لأول مرة عام 1993).

ذلك أن المحافظ في المشروع الجديد كما في مشروع عام 1993 يعتبر مفوض الإقليم (المحافظة) ويرتبط إداريا وماليا بوزير الداخلية, في حين تخضع مخططات مجلس الإقليم "للمراجعة" من قبل الوزراء المعنيين في الحكومة.

وسيتم إفراد بند خاص بالموارد المالية في موازنة الدولة، ويتم التصرف بالأموال والمشاريع وفق ما تم تخطيطه من قبل مجلس الإقليم, بموافقة وزير الداخلية الذي يعرض توصيات الأقاليم (المحافظات) على مجلس الوزراء للنظر فيها إقرارا أو رفضا.

الفارق الثاني بين مشروع الأقاليم ومشروع اللامركزية القديم الذي جرى تجديده, أن مشروع اللامركزية لا يتكلف عناء زعم وجود مجلس محلي يمزج من المنتخبين والمعينين بما يوحي بوجود مسحة من الديمقراطية. المشروع الأصل للامركزية الذي قدم لمجلسنا النيابي عام 1993 نص على أن يكون نواب المحافظة المنتخبون للبرلمان أعضاء في "المجلس الاستشاري" للمحافظ مفوض الإقليم.

حينها تساءلت: كيف يجوز أن يصبح نائب قادر دستورياً على مساءلة واستجواب -بل وسحب الثقة من وحتى محاكمة- الوزراء بمن فيهم وزير الداخلية, عضوا بين آخرين معينين يستشار اختياريا من جانب محافظ في وزارة الداخلية.

والآن يبدو أن المشروع الجديد قرر القفز تماما عن محددات الانتخاب, وينص صراحة على "تعيين" كامل مجلس الإقليم التنموي للمحافظة المكون من أربعين عضوا, ولكنه يقسمه إلى ثلاثة مجالس:

الأول "تنفيذي" يتكون -كما في المشروع الأصل- من مديري الدوائر الرسمية في كل محافظة، أي حكومة لإقليم المحافظة ولكن برئاسة المحافظ المرتبط بوزير الداخلية، ما يجعل الأخير "وزير كل الوزارات" وأكثر نفوذا من رئيس الوزراء.

والثاني مجلس استشاري يتم تشكيله بطريقة التعيين من "المواطنين المتقاعدين والوجهاء"، في ردة صريحة حتى عن مزاعم الدمقرطة والإصلاح.

والثالث مجلس أمني يتشكل من مديري الدوائر الأمنية في المحافظة ويرأسه المحافظ (مفوض الإقليم) الذي يرأس مجلس المحافظة, أي أن الأمن سيصبح في زجاجة عنقها المحافظ, في قلب للمعادلة القائمة ولكن ليس إلى الأفضل حتما.

لا شيء في دستورنا يتيح مشاريع القسمة وإعادة القسمة والاقتسام هذه, بل إن الكثير مما ورد في المشروعين يمثل تناقضا صريحا مع الدستور الذي حدد أدوار وصلاحيات كل السلطات والمواقع (الوزراء والنواب والمحافظين والمجالس المحلية والشؤون المالية), ما لا مجال لبيانه هنا.

"
أسوأ ما في المشهد الأردني هو جو التكتم الذي يرافق المشاريع المقترحة ويصعب معه حسم أي من أهدافها بأكثر مما يعرفه الأقربون عن حقيقة ولاءات وطموحات شخوصها
"
ولكننا نسوق التناقض بين المشروعين للدلالة على أن زعم دستورية أحدهما يلغي دستورية الأخر, وكلاهما يرفع في وجه المشروع الآخر, وفي وجه أي رأي آخر مخالف, زعم أنه "ترجمة للامركزية التي دعا إليها جلالة الملك".. في حين أن إضعاف السلطة المركزية للوزراء(الذين يمارس الملك صلاحياته عن طريقهم حسب الدستور) ستؤدي حتما إلى إضعاف الملكية الدستورية لصالح إقطاعيات صغيرة.. صورة مصغرة لما حدث لممالك وحتى إمبراطوريات من قبل, آخرها الإمبراطورية العثمانية التي بعض شهودها ومؤرخيها ما زالوا أحياء.

وبالمقابل, فإن قسمة المقسم وتفتيت المفتت يستدعي صورا من تاريخ أقرب عهدا وأطرى جرحا, تزامن بغير ما صدفة مع قيام الكيان الصهيوني, في حين يتزامن مشروع اللامركزية مع اتفاقية وادي عربة, كما تزامن إحياؤه أو طرح بدائله مع تهديدات أخطر للدولة الأردنية. بينما الحكمة تقضي أن يتشبث الكل أكثر بثوابتهم زمن الزلازل والعواصف ويشبكوا أيديهم ويحكموا حلقتهم.

أسوأ ما في المشهد هو جو التكتم الذي يرافق هذه المشاريع ويصعب معه حسم أي من أهدافها بأكثر مما يعرفه الأقربون عن حقيقة ولاءات وطموحات شخوصها.

ولكن حتى للمطلعين على دقائق الأمور بحكم خبرتهم ومواقعهم، تبقى الصورة محيرة وغير متسقة. فمن جهة وزارة الداخلية لا يمكنها إعلان مشروعها دون موافقة مجلس الوزراء عليه, إلا أنه بالمقابل يصعب تصور أن يوافق أي مجلس وزراء على أي من المشروعين، إن لم يكن من باب عدم الدستورية, فمن باب الطموح ذاته الذي يحرك تلك المشاريع.

فلا يعقل أن تتأهل أي حكومة -بطريقة أو بأخرى- لأن تصبح حكومة "مركزية" ثم تقبل أن تختزل بهذا الشكل لصالح وزير داخلية!

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك