عدنان أبو عامر

عدنان أبو عامر

كاتب فلسطيني


- شعبية حماس والحصار
- حماس الحكومة.. إلى متى؟
- بنية التنظيم

بينما تحيي حركة المقاومة الإسلامية حماس ذكرى تأسيسها الحادية والعشرين، تشعر الحركة أنها بلغت بهذه المرحلة الزمنية القصيرة نسبيا في عمر التنظيمات والأحزاب، ذروة مجدها وأقصى ما تتمناه أي حركة سياسية، في حين ينظر إليها الخصوم المتربصون –وما أكثرهم- بمشاعر يختلط فيها الإعياء بالحنق من كثرة الإحباط الذي ألم بمخططاتهم لاستئصالها والقضاء عليها.

وفي ذات الوقت، يبدو المجال متاحا للحديث في محاور هامة، لابد للحركة من أن تقرأها جيدا، وتتأمل ما بين سطورها التي ليس بالضرورة أن تكون واضحة، وضوح العنوان الوارد أعلاه.

شعبية حماس والحصار
فاجأتني-كما غيري- الأعداد التي فاقت الحصر في مهرجان انطلاقة حماس الأخير في غزة، لاسيما في ظل حضور مختلف الفئات والمستويات، وبغض النظر عن الأرقام التي ذكرت، فإن هذه الشعبية المتنامية لحماس في قطاع غزة تحديدا، تضع أسئلة هامة، حول ما قد تستفيده الحركة فعلا من شعبيتها هذه، في ظل أن التوقعات والاستطلاعات "الموجهة" تشير وتؤكد ولا زالت أن شعبية حماس وجماهيريتها بالقطاع المحاصر، إسرائيليا وفلسطينيا وعربيا ودوليا، تراجعت بما لا يدع مجالا للشك، شاءت حماس أم أبت.

أهم هذه الأسئلة التي تتطلب وقفة جادة وتاريخية من قيادة حماس، في الداخل والخارج:

"
الحشود المؤلفة التي وصلت مهرجان انطلاقة حماس، تحتم عليها البقاء على ثوابتها السياسية الوطنية، والإثبات لهذه الجماهير أنها على ذات العهد والقسم الذي من أجله ذهب الشهداء الذين تزينت بصورهم ساحة المهرجان
"
1- قدرة حماس على استقطاب هذا العدد الهائل الذي لم يشهد له قطاع غزة مثيلا منذ احتلاله قبل أربعين عاما، وفي ظل حصار محكم الإغلاق، وإصرار عز نظيره من قبل المحاصرين على استكمال حلقاته حتى النهاية، حتى لو كانت نتيجته إبادة الغزيين، أصحاب الأرواح السبعة، يوجب على حماس أن تقيم لجماهيرها ومناصريها، من أفراد الشعب العاديين، غير المؤطرين، تمثالا من الأحجار الكريمة.

فقد عاد الغزيون فعلا إلى أيام سحيقة، حيث استخدام أكثر وسائل العيش بدائية، وربما لا يتسع المجال في هذا التحليل للغوص في التفاصيل المؤسفة لما آلت إليه الأمور في غزة، لكن الشاهد يتمثل في أن قدرة الناس على الصمود فاقت كل تصور، وهنا لابد لحماس وحكومتها أن تنظر بعين أكثر حرصا وتحسسا لأوضاعهم، هناك جهود تبذل نعم، ولكن حشود الجماهير الأخيرة تضع مسؤوليات كبيرة على حماس، حكومة وحركة، وتتطلب مزيدا من الجهد والتوازن في صرف الموازنات على قلتها.

2- الحشود المؤلفة التي وصلت مهرجان انطلاقة الحركة، تحتم على حماس البقاء على ثوابتها السياسية الوطنية، والإثبات لهذه الجماهير أنها على ذات العهد والقسم الذي من أجله ذهب الشهداء الذين تزينت بصورهم ساحة المهرجان، وألا تخضع لحملات الترهيب والترغيب التي تمارس عليها، من الأصدقاء والخصوم على حد سواء، لأن لسان حال تلك الجماهير كان بصوت عال: لا تصالح..لا تصالح!

3- لا أظن للحظة واحدة أن أي تنظيم تصل جماهيريته وشعبيته إلى هذه الدرجة، يسعى للمزيد من الاستقطاب واستيعاب المزيد من الأنصار والمؤيدين، فقد وصلت حماس إلى مختلف البيوت والعائلات، ونادرا ما تجد بيتا ليس فيه مؤيد للحركة أو مناصر لها، فضلا أن يكون مؤطرا في صفوفها.

ولكن: حماس مطالبة اليوم وأكثر من أي وقت مضى أن تنتشر أكثر فأكثر في صفوف الفلسطينيين، ليس بالضرورة وفق المفاهيم التنظيمية التقليدية، لكنها بسلوك يومي مقبول، وباختلاط أكثر فأكثر في مختلف المستويات الشعبية، الفقيرة تحديدا، حتى تستطيع الوصول إلى ما هو أعلى منه اليوم.

حماس الحكومة.. إلى متى؟
وصول أي حركة سياسية لمرحلة الحكم والسلطة هو أقصى ما تتمناه وتسعى إليه، وقد وصلت حماس بالفعل للحكم في بقعة جغرافية تجري عليها أكثر الصراعات والنزاعات دموية وتاريخية، وفي ظل رفض شبه مطلق لأن تخوض الحركة تجربتها السياسية، وكأن هناك فيتو محليا إقليميا دوليا عليها.

وبغض النظر عن موقفي الشخصي في مسألة تولي حماس الحكم وفق المنطلقات التي تحكم العملية السياسية بالأراضي الفلسطينية، فإن الحركة ماضية في برنامج الحكومة، خاصة في ضوء قدرتها على إدارة الأمور في قطاع غزة بصورة مرضية نسبية، بعد السيطرة عليه أواسط العام الماضي، مع بعض التحفظات هنا وهناك.

"
مطلوب من قيادة حماس أن تستحضر ثوابتها من جديد في ذكرى انطلاقتها، وألا تفقد بوصلتها تحت ضغط الترغيب أو الترهيب، وألا تنسى أن خصومها وأعداءها قبلوها عندما عجزوا عن مواجهتها
"
ومع هذا، فإن حماس مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى، وفي ظل أن بقاء الأمور في قطاع عزة والضفة الغربية مرشحة للاستمرار إلى أجل غير مسمى، فإن ذلك يفرض تحديا على حماس في مجال الحكم، من خلال اجتراح بعض الميكانيزمات والآليات التي يجب أن تتسلح بها لاجتياز هذا التحدي بأقل الخسائر.

خاصة وأن الحديث لا يدور عن مكاسب ومغانم، فالمرحلة لا زالت تدفع استحقاق مغارم مرتقبة في الطريق، حتى لو تأخر وصولها بعض الوقت، بفعل المضادات التي ستتهيأ لحماس، وبالتالي فإن اجتياز هذا التحدي يمكن أن يمنح حماس بجدارة براءة الاختراع الخاصة بابتكار وصفة جديدة من الحكم، وسط هذا البحر المتلاطم الأمواج من التحديات والعداوات والشماتات الضمنية والمعلنة.

وفي ذات الوقت، مطلوب من قيادة حماس أن تستحضر ثوابتها من جديد في ذكرى انطلاقتها، وألا تفقد بوصلتها تحت ضغط الترغيب أو الترهيب، وألا تنسى أنهم (الخصوم والأعداء) قبلوها عندما عجزوا عن مواجهتها، وأن تكون جاهزة دائماً لخطوة الخروج من هذا "مستنقع السلطة" الذي قد يفقدها أكثر مما يكسبها، إن هي شعرت ذلك.

ومن المعايير التي تحتم على حماس أن تجتاز تحدي الحكم في هذه المرحلة:
1- الجمع بين السلطة والمقاومة
لم يكن انتقال حماس من المعارضة إلى السلطة انتقالا مكانيا، أي انتقالا من موقع إلى موقع، بل انتقال زماني، من زمن الدعوة إلى زمن الدولة، من لحظة الفعل الذي يحكمها مبدأ الواجب الشرعي والوطني، إلى لحظة يؤسسها مبدأ الممكن السياسي.

انتقال أطلقت عليه بعض الأقلام، من الأيديولوجيا إلى السياسة، والسياسة كما يعرفها بعض علمائها هي الدرجة التي تحترق عندها الأيديولوجيا، بمعنى آخر أن حماس ربما انتقلت من حيث تشعر أو لا تشعر من الإستراتيجيا إلى التكتيك، من الأهداف العليا إلى الأهداف المرحلية.

وبالتالي قدر كل أيديولوجيا أن تنزل من عليائها النظري إلى الواقع حين تصطدم بالسياسة، لأنه من الصعوبة بمكان المحافظة على "العذرية الثورية" حين تترجل وتمشي على الأرض، لأنها ستصبح في هذه الحالة كائنا ماديا نسبيا تسري عليه نواميس التحول، وككل مادة، فقد يلحقها الفساد.

2- تفكيك الغموض البناء
تنفيذ الآلية الأولى، يتطلب من حماس أن تدخل بعض التوضيحات المطلوبة في خطابها السياسي العملي، لا يجب أن يفهم أن المطلوب هو الاستجابة للسيمفونية المشروخة الخاصة بالاعتراف والالتزام وغيرها، ولكن على الأقل الانسجام المطلوب في الخطاب الصادر عن الناطقين باسم حماس "التنظيم" ووزراء حماس "الحكومة" ليس التماهي هو المطلوب في هذه الحالة، ولكن من الصعوبة أن تخرج مواقف غير منسجمة من قضايا قد تشكل إقلاقا للرأي العام، المتعاطف مع حماس.

وهنا لا يجب على حماس أن تعيش ذات التباين التي عاشته قبل عامين تقريبا بين الناطقين باسم الحركة والحكومة، فريق هون من شأنها، وآخر اعتبرها مثيرة للتشكك، ترى هل هذا هو الغموض البناء؟

"
حماس في ذكرى انطلاقتها وسيطرتها المطلقة على قطاع غزة، يتطلب منها أن تدير هذه البقعة الجغرافية التي تنتظر أياما عصيبة، أكثر مما هو عليه الآن، بآليات أكثر انفتاحا على الكفاءات الفلسطينية التي لا تنتمي بالضرورة للحركة
"
لا أعتقد ذلك، بل إن هذا الغموض غير المقصود –حسب التحليل السياسي- مرده إلى تعدد الجهات الناطقة باسم حماس في مواقعها الإدارية المختلفة اليوم، في التنظيم أو البرلمان أو الحكومة! وتسارع وسائل الإعلام لأخذ موقف أو رد فعل على حدث ما، وبالتالي "تطوع" جميع أولئك الناطقين لتحليل هذا الموقف دون التحقق منه، ومن تبعاته القانونية والسياسية، وربما هناك شواهد على التصريحات من التهدئة وتمديدها، والدعوة للانتخابات المبكرة.

3- خارج اللون الواحد
من نافلة القول إن حماس بذلت جهودا مضنية لتشكيل حكومة ائتلافية تشكل قوس قزح فلسطينيا، يحظى بإجماع شعبي وطني، ولكن الحسابات المختلفة لجميع الأطراف أعاقت خروج هذه الحكومة إلى حيز الوجود، فالحزبية الضيقة للبعض، والتخوف من ضخ الـUSAID من البعض الآخر، والنقاش الموضوعي الذي قد يدور من قبل بعض ثالث، لم يمنح الفرصة لتلك الحكومة أن ترى الحياة.

ومع ذلك، فإن حماس في ذكرى انطلاقتها وسيطرتها المطلقة على قطاع غزة، يتطلب منها أن تدير هذه البقعة الجغرافية التي تنتظر أياما عصيبة، أكثر مما هو عليه الآن، بآليات أكثر انفتاحا على الكفاءات الفلسطينية التي لا تنتمي بالضرورة للحركة.

أقول ذلك، لأن الوزارات والدوائر الحكومية تكتظ بمئات الكوادر النظيفة وذات الأيدي البيضاء، تترقب بشوق وتلهف أن يدير وزراء أكفاء وزاراتهم ومديرياتهم، أيا كان انتماؤهم السياسي، ولا أظن أن هؤلاء الوزراء أقل شوقا من الالتقاء والتعامل مع هؤلاء الموظفين، ومنحهم فرصهم الطبيعية في الترقي الوظيفي والإداري، حتى لو كانوا من لون مختلف، لأن عهد التعيينات الفوقية التي كانت تأتي بالفرمان الرئاسي، شهدت حماس كيف كان سقوطه مدويا صم الآذان والأسماع!

بنية التنظيم
طوال عشرين عاما حافظت حماس على انتقال سلس للمواقع التنظيمية، غير المكشوفة على نطاق واسع، دون أن يشهد الناس صراعات حزبية، واستقطابات تنظيمية، مع أن ذلك ليس محرما أو محظورا، لكنه بقي داخل البيت التنظيمي الواحد.

ومن الآثار التي ترتبت على حركة حماس تنظيميا خلال خوضها لمرحلة الحكم:

1- تغير الخطاب السياسي
كان لدخول حماس مرحلة السلطة، آثاره على بنية التنظيم، ذلك أن انتقال حماس من موقع لآخر، يجعلها تنتقل من آفاق المعارضة الرحبة، إلى أزقة السياسة الضيقة، الأمر الذي قد تستغربه قواعدها وأنصارها وهي ترى قادة حركة المقاومة الإسلامية يتحدثون عن خارطة الطريق والرباعية، والرغبة في وصول المنطقة إلى الاستقرار الدائم، والاجتماع مع رؤساء أميركيين سابقين.

يضع هذا الانتقال على حماس عبئا تنظيميا يركز في الحديث إلى الداخل، وإن شئت فقل داخل الداخل، فهو الحلقة التي قد تبدو مشدوهة فارغة فاها تجاه ما تسمعه وتراه، الأمر الذي يحتم عليها –القواعد والأنصار- ألا يكبلوا حركتهم بثوابت متوهمة، أو مخلوطة بالأمنيات، وعليهم أن يوطنوا أنفسهم على تحمل بعض الخسائر والتراجعات، وأن يتذكروا أن السياسة تمتد بين المطلقات التي يستشهد في سبيلها ولا يجوز التنازل عنها، وبين الضرورات التي تبيح المحظورات، وأن يوسعوا ثقافتهم باتجاه المتغيرات وأخف الضررين وأقل الشرين، بنفس القدر من ثقافتهم حول الثوابت والعزائم والأصول.

"
حماس تدخل عامها الثاني والعشرين من عمرها وهي تبدو أكثر انتشارا من ذي قبل، وأقل عرضة للاستئصال والغياب عن المشهد السياسي، مع عدم تناسي جسامة التحديات التي ما زالت في طريقها
"
2- البعد عن الذوبان
أسهب المحللون كثيرا في تفسير التراجع التاريخي لحركة فتح، وأقر بعض الفتحاويين أنفسهم أن بعض المحظورات التي وقعوا بها، تمثلت في ذوبان فتح "التنظيم" في مؤسسات السلطة، ورويدا رويدا تبخر التنظيم، بدءا بلجنته المركزية، مرورا بمجلسه الثوري، وانتهاء بأقاليمه المنتشرة في الضفة والقطاع، وفجأة استيقظت فتح على نفسها أوائل 2006 لتشهد نتائج الانتخابات التشريعية، لتجد أن مفاصل التنظيم وكفاءاته وكوادره قد ذهبت ووجدت طريقها إلى ديوان الموظفين!!

الآلية المطروحة أمام حماس ليست بحاجة لكثير شرح أو تفسير، الحرص المعلن والمشروع على إنجاح مشروع التجربة الحكومية، يجب ألا يكون على حساب المشروع الأم، مشروع المقاومة التي لن تحافظ على ذاتها وكينونتها إلا من خلال الجسم التنظيمي التي استطاعت حماس خلال عشرين عاما المحافظة عليه، رغم جسامة الضربات التي وجهت إليها من قريب أو بعيد.

أخيرا.. تدخل حماس عامها الثاني والعشرين من عمرها وهي تبدو أكثر انتشارا من ذي قبل، وأقل عرضة للاستئصال والغياب عن المشهد السياسي، مع عدم تناسي جسامة التحديات التي ما زالت في طريقها، مما يحتم عليها أن تكون أكثر حذرا في التعامل مع الآخر، المحتل والمتواطئ، وأقل توجسا من الآخر الوطني، المستعد لمد يد العون لها بينما تستقبله من سنوات قادمة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات