منير شفيق

قرار مجلس الجامعة العربية (وزراء الخارجية العرب) بالتمديد للرئيس الفلسطيني محمود عباس عبر الطلب منه الاستمرار بالقيام بمهامه إلى حين إجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في آن واحد، وتلميح وزير الخارجية المصري بخطاب في اجتماع المجلس المذكور إلى مسؤولية حركة حماس في تعطيل الحوار، أعادا مرة أخرى إلى الواجهة موضوع علاقة العرب بالفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

هذا الموضوع كان ولم يزل خلافيا بين وجهتي نظر إحداهما قامت بالفصل بصورة غير مباشرة، حين أصدرت قرار اعتبار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني ولقضية فلسطين وذلك في قرار قمة الرباط العربية عام 1974، وكان الرئيس المصري السابق أنور السادات وراء القرار، وقد وجد هوى لدى بعض القيادات الفلسطينية ولا سيما الزعيم الفلسطيني الراحل ياسر عرفات.

"
البعض اعتبر قرار قمة الرباط 1974 بتسمية منظمة التحرير الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني مكراً عربياً يستهدف غسل اليدين من المسؤولية عن الأراضي الفلسطينية المحتلة في يونيو/حزيران 1967 "
أما وجهة النظر الأخرى فقد رأت في القرار مكراً عربياً يستهدف غسل اليدين من المسؤولية عن الأراضي الفلسطينية (الضفة الغربية وقطاع غزة) المحتلة في يونيو/حزيران 1967 والتخلص من المبدأ الذي طالما اعتبر القضية الفلسطينية قضية فلسطينية وعربية وإسلامية، مما يترتب عليه مسؤولية عربية وإسلامية، لا سيما عربية بحكم أن فلسطين جزء من الوطن العربي وشعبها جزء من الأمة العربية.

فمن جهة أراد السادات من القرار أن يذهب إلى التسوية غير محمل بالمسؤولية عن القضية الفلسطينية، ومن دون حاجة إلى ربط الانسحاب من قطاع غزة بالانسحاب من سيناء، كما يلزمه به قرار 242، لكون القطاع كان ضمن الإدارة المصرية قبل حرب العدوان في 1967، أو في الأدق منذ 1949 وهو ما انطبق عليه عندما انسحب الجيش الصهيوني من سيناء وقطاع غزة إثر احتلالهما في العدوان الثلاثي في العام 1956 .

فكان الانسحاب من سيناء والقطاع في آن واحد وفي المقابل كان حصر المسؤولية عن الأراضي الفلسطينية في الضفة والقطاع بمنظمة التحرير الفلسطينية يتطلب توريطها بالاعتراف بالقرار 242، وكانت ترفضه رفضا حاسماً، فضلا عن توريطها في عملية التسوية والمطالبة بإقامة دولة فلسطينية فوق الأراضي المحتلة في حزيران/يونيو 1967 أي الضفة والقطاع (22% من أرض فلسطين) مع ما يتطلبه ذلك من تنازلات تبدأ بالتنازل عن 78% من فلسطين المحتلة (المغتصبة بسبب تزاوج الاحتلال باقتلاع الفلسطينيين (أكثر من 950 ألفا، أي ثلثي سكان فلسطين العرب في حينه، كما تم الاستيلاء على أراضيهم وبيوتهم وأملاكهم التي تشكل حوالي 94% من فلسطين).

من هنا يتبين أن القرارين: "الممثل الشرعي والوحيد"، و"إقامة دولة فلسطين" (سميت بداية إقامة سلطة فلسطينية عام 1947) شكلا أكبر خللين حدثا في السياسات الفلسطينية والعربية، وكانا الأخطر في نسف الموضوع المبدئي الذي اعتبر فلسطين جزءاً من البلاد العربية وشعبها جزءاً من الأمة العربية والإسلامية.

وكان الإجماع قد انعقد على أن كل فلسطين تمثل أساس الحق الفلسطيني فهذان القراران أضعفا الشعب الفلسطيني في معادلة موازين القوى حين ترك وحيدا لمواجهة أميركا والكيان الصهيوني، وهو المجزأ بين عرب 48، وضفة غربية وقطاع غزة، ولاجئين خارج فلسطين لا سيما في الأردن وسورية ولبنان وبلدان عربية أخرى وفي المهاجر.

وبهذا أصبحت أغلبية الفلسطينيين خارج فلسطين، وذلك تمهيداً -كما حدث بعد اتفاق أوسلو- لإضعافه أكثر في حصر تقرير مصير القضية بيد السلطة والمناطق التي حددها أو التي ستتآكل عبر مفاوضات لن تكون نتائجها غير وخيمة على الأراضي التي احتلت في يونيو/حزيران 1967 لا سيما على القدس الشرقية.

وبعد اتفاق أوسلو الكارثي بالنسبة للقضية الفلسطينية تكرس غسل اليد العربية من المسؤولية عن فلسطين والقضية الفلسطينية برفع شعار مدمر يقول "نرضى بما يرضى به الفلسطينيون" والمقصود ما ترضى به قيادتهم الرسمية الموقعة على اتفاق أوسلو، وقد عزز هذا الشعار بالقول "لا نستطيع أن نكون ملكيين أكثر من الملك" وبهذا تكون المعادلة كالتالي:

ترك الشعب الفلسطيني المجزأ والرازح تحت الاحتلال والمكبل في منافي اللجوء ليقلع شوكة بيده أمام الدولة الصهيونية المدعومة من قبل أميركا والغرب وما يقع تحت نفوذهما، بما في ذلك شل الفعل العربي والإسلامي بالضغوط على الأنظمة العربية وابتزازها، الأمر الذي يؤدي بالضرورة والحتم إلى الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني وإلى انقسام عربي-عربي، وإسلامي-إسلامي، وذلك عند أول منعطف على طريق التسوية، فماذا ينتظر أن يخرج من المفاوض الفلسطيني ضمن هذه المعادلة.

فمنذ التقدم ببرنامج السلطة الفلسطينية (النقاط العشر) وبقرار الممثل الشرعي والوحيد، زرعت بذور الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني الذي راح منذ 1974 يتسع ويضيق، ثم يتسع ويضيق: مع التفاوت بين مرحلة وأخرى إلى حين انحاز ياسر عرفات بصورة غير مباشرة أو عمليا، إلى جانب الانتفاضة والمقاومة بعد تجربته المريرة في اتفاق أوسلو وتداعياته، وفشل مفاوضات كامب ديفد، وهو ما أدى إلى حصاره ( سجنه في مقره عمليا) منذ العام 2002.

وقد تطور الأمر إلى مطالبته بالتحول إلى مجرد رمز بلا صلاحيات قيادية وترك القيادة لرئيس الوزراء محمود عباس في حينه، وقد نجم عن ذلك انقسام داخل فتح نفسها، ثم مقاطعتها من أغلب الرؤساء والملوك العرب مما سمح لشارون وبوش باتخاذ قرار باغتياله فسقط مقتولاً شهيداً بالسم, فياسر عرفات ما كان ليقتل لولا رفع الغطاء فتحاويا وعربياً وأوروبيا عنه، ولو بنسب متفاوتة، إلا أنها كانت كافية ليستغلها شارون فيقدم على اغتيال كان ذلك الغطاء ، لا سيما العربي والأوروبي يمنعه منه.

"
معادلة الانقسام بقيت تتسع وتضيق بعد نتائج انتخابات المجلس التشريعي عام 2006، والتي أعطت حركة حماس أغلبية في المجلس ومن ثم تشكيل حكومة إسماعيل هنية الأولى ثم حكومة الوحدة الوطنية حيث اتخذ الانقسام والشد والرخي شكل صراع بين شرعية عباس وشرعية المجلس التشريعي
"
بقيت معادلة الانقسام تتسع وتضيق بعد نتائج انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 ، والتي أعطت حركة حماس أغلبية في المجلس ومن ثم تشكيل حكومة إسماعيل هنية الأولى ثم حكومة الوحدة الوطنية فقد اتخذ الانقسام والشد والرخي شكل صراع بين شرعية الرئيس الفلسطيني محمود عباس وشرعية المجلس التشريعي، وما انبثق عنه من حكومتين شرعيتين لمدى سنة ونصف تقريبا تخللتها أزمات حادة واقتتال بدأ يسقط موضوعة تحريم الدم الفلسطيني عند الخلاف والانقسام وقد انتهى الأمر إلى انقسام بين حكومة مقالة في قطاع غزة وحكومة قامت على تعيين الرئيس لها بلا شرعية من المجلس التشريعي كما يقتضى النظام الداخلي المعدل (الدستور).

ومنذ يونيو/حزيران 2007 حتى اليوم اتخذ الانقسام سمة الانقسام الأشد في الساحة الفلسطينية إذ قسم الأرض أيضا إلى ضفة غربية وقطاع غزة فضلا عن الانقسام داخل فصائل المقاومة ولكنه من ناحية الأساس لم يكن بدعاً في التاريخ الفلسطيني والذي وصل إلى حد الاقتتال وانقسام القرى عام 1938/1939، ولم يكن بدعاً في ما حدث من انقسامات حول البرنامج المحلي مروراً بانقسام فتح 1983 ، إلى الانقسام حول اتفاق أوسلو ثم الانقسام مع اندلاع الانتفاض منذ سبتمبر/أيلول 2000 ، إلى اغتيال الشهيد ياسر عرفات ، ثم إلى الانقسام بين شرعيتي الرئيس والمجلس التشريعي.

لا أحد يحب أن يرى الانقسام الراهن كما لا أحد يحب أن يرى الانقسامات السابقة التي حدثت قبل 1947، أو في تجربة الثورة الفلسطينية المعاصرة منذ قيام منظمة التحرير الفلسطينية عام 1964 (فتح ومنظمات المقاومة في حينه قررت شق طريق مواز: الكفاح المسلح).

ما من أحد يحق له إلا يتفهم عمق الخلافات السياسية والإستراتجية في ظل الوضع الفلسطيني المجزأ، والموزع بين عدد من الدول العربية والواقع تحت تأثيرات عربية وإقليميه ودولته كثيرة، والأهم عند مواجهة الحلول السياسية المطروحة للقضية الفلسطينية.

فالذين يذهبون إلى تلك الحلول ويصرون عليها يقبلون على الانقسام إن كان ثمن الوحدة التراجع عن مواقفهم ورؤيتهم السياسية (المقاومة والتحرير). ولهذا فان الانقسام من حيث الأساس له مسوغاته التي يشترك فيها الجميع. وكل من موقعه الذي يتمسك فيه.

وهو أمر موضوعي وجزء من سنن الحياة والمجتمعات والثورات حين توجد بمفترق طرق باتجاهين متناقضين أحيانا 180 درجة، ويصعب أن تذكر تجربة أمة لم تعرف الانقسام الذي أوصل إلى الحرب الأهلية, فحتى الشعوب التي واجهت احتلالاً، وهو ما لم يحدث في التاريخ الفلسطيني، وجدت قطاعات من الشعب والقوى السياسية شكلت فرقاً قاتلت جنبا إلى جنب مع قوات الاحتلال ضد المقاومة وأقرب الأمثلة تجربة فيتنام وكوريا وعدد من الحالات في الحرب العالمية الثانية.

أما السبب فيرجع إلى كون المشروع الصهيوني كان اقتلاعياً بالنسبة إلى كل الفلسطينيين مما جعل الانقسام الفلسطيني-الفلسطيني لا يبلغ إلى حد تشكيل ألوية وفرق للقتال إلى جانب قوات العدو ضد المقاومة، فقد كان في جوهره يدور حول كيفية التعامل مع العدو لا دعم العدو في مشروعه وكان دائما بين مفاوض ومقاوم.

إن إدراك الأسباب الوجيهة للانقسام الفلسطيني لا يعني تسويغا له أو تكريسا، لأنه من الممكن أن يكون تحت سقف لا يصل إلى الاقتتال أو إلى انقسام إلى جمهوريات وإلى سلطتين، ولكن هذا الإدراك، وتفهم الأسباب يقصد منهما دحض موضوعات الذين أرادوا إن يتخذوا مما هو حاصل من انقسام ذريعة للمضي بعيداً في غسل اليدين من الفضية الفلسطينية وقد وصل الحد بالبعض إلى اعتباره إنهاء للقضية الفلسطينية أو إعداما لها .

"
القضية الفلسطينية بقيت دائما فوق كل انقسام وستبقى قضية ملتهبة وعادلة تحت كل الظروف، فهي شيء والانقسام شيء آخر، فلا يصطاد هنا في الماء العكر إلا من في قلبه مرض، يريد أن يمهد لنفسه التخلي عن القضية الفلسطينية
"
علماً أن القضية الفلسطينية بقيت دائما فوق كل انقسام وستبقى قضية ملتهبة وعادلة تحت كل الظروف، فهي شيء والانقسام شي آخر، فلا يصطاد هنا في الماء العكر إلا من في قلبه مرض، يريد أن يمهد لنفسه التخلي عن القضية الفلسطينية ومن ثم الذهاب إلى الحل الأميركي -الصهيوني للقضية الفلسطينية أي السعي لتصفيتها والخلاص من همها.

فالقضية الفلسطينية بقيت دائما عقبة كأداء أمام كل من يريد التطبيع والتعاون مع الكيان الصهيوني أو يذهب مع أميركا إلى المدى الأقصى، لا سيما في مرحلة إدارة بوش الابن.

فقد أصبح المطلوب التخلي عن المقاومة، وعن حق العودة والتمسك حتى في ما يسمونه حدود حزيران 1967 وعن معظم القدس الشرقية وتلفيق قيام دويلة فلسطينية كيفما اتفق من أجل أن تفتح صفحة مصالحة وتعاون مع الكيان الصهيوني وأميركا والتوجه لمواجهة إيران، أو من ستحددهم أميركا من أعداء في عهد (الرئيس الأميركي المنتخب) باراك أوباما سواء كانوا الروس أم الصين أم غيرهم.

من هنا ثمة خطورة من انتقال العلاقة بالقضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني إلى مرحلة جديدة وهو ما يجد مؤشراته في ما يلقاه الرئيس الفلسطيني محمود عباس من تأييد بعض الدول العربية، بعد جفاء دام أكثر من سنة إثر أحداث 14/5/2007 فالمخاوف من المفاوضات الثنائية تراجعت إلى الخلف بل أعلن عن  دعم له في هذه المفاوضات.

ثم هنالك معالم تؤشر إلى توتر العلاقات بحماس وبالوضع في قطاع غزة كما يبدو من مجرى الوساطة المصرية التي انحازت إلى وجهة نظر الرئيس محمود عباس ولم تفسح مجالاً لإدخال أي تعديل على ورقتها ليكون بالإمكان الدخول في الحوار الجاد وهو ما عبر عنه قرار مجلس الجامعة العربية الذي جاء مخالفاً لكل تقاليد الجامعة العربية في عدم التدخل في الشأن الداخلي للدول العربية، وكان ذلك شرطا لبقاء الجامعة العربية.

إذا كان من الخلل غسل اليدين من القضية الفلسطينية، ومن مقاومة شعبها ، فإن من الخلل أيضا الانحياز إلى طرف آخر، لا سيما حين يكون ثمة انقسام داخلي، لأن المرغوب فيه، والحالة هذه، هو التدخل (التوسط) البناء للمصالحة لإنهاء الانقسام طواعية وبالتوافق من قبل جميع الأطراف، وبدهي أن الانحياز والانقسام المحتدم سيعقد الأمور أكثر ويضر بالعلاقات العربية-الفلسطينية، أما الأخطر فتمرير ذلك من خلال الجامعة العربية لأن الضرر سيصيب الجامعة نفسها ودورها.

إما المشكلة في الانحياز الراهن فتكمن في إعطاء ورقة عربية بيضاء للخط السياسي الذي يتبناه الرئيس محمود عباس، وما قد يكون قدم من تنازلات هبطت عن السقف العربي كما حددته المبادرة العربية بالرغم من التحفظ الشديد عليها أصلا لما تضمنته من تنازل مجاني على المستوى العربي العام، ناهيك عن هبوط عما هو معلن عن حركة فتح نفسها أو ما يسمونه "برنامج الحد الأدنى" إلى جانب ما يمكن أن تسفر عنه العملية التفاوضية حين تستوفى في عهد باراك أوباما، الأمر الذي يفيد أن القضية الفلسطينية تواجه خطر التصفية أكثر من أي يوم مضى.

"
إذا كان من الخلل غسل اليدين من القضية الفلسطينية، ومن مقاومة شعبها، فإن من الخلل أيضا الانحياز إلى طرف آخر، لا سيما حين يكون ثمة انقسام داخلي
"
هذا الانحياز الذي يتضمن بصورة مباشره أو غير مباشرة ، انحيازا أيضا لخط المفاوضات الجارية ، يبعث برسالة لا تقتصر على حماس وحدها وإنما هي موجهة أيضا إلى الغالبية من بين الفضائل وحتى داخل فتح نفسها كما بين الفلسطينيين عموماً ، فمجرد استمرار المفاوضات مع استمرار الاستيطان وتهويد القدس والحفريات تحت المسجد الأقصى وبناء الجدار فضلاً عن الحصار الجماعي لمليون ونصف مليون فلسطيني في قطاع غزة، وعن الاغتيالات والاقتحامات في الضفة الغربية يدل على مستوى غير معهود من التفريط والضعف واللامنطقية حتى زاوية التفاوض البراغماتي البحت (والمرفوض أصلا) .

مثلا كيف يفسر قول المفاوض الفلسطيني "إن الاستيطان يعرقل المفاوضات" بينما يستمر بالمفاوضات وتتصاعد وتيرة الاستيطان؟ وكيف يفسر أن ذلك المفاوض يريد الحوار الذي لا معنى له ما لم يهدف إلى التوافق الوطني في حين أعلنت إدارة بوش وحكومة أولمرت أن لا تفاوض مع حكومة وحدة فلسطينيه تشارك فيها حماس، أو في حين يعلن ياسر عبد ربه وسلام فياض أنه من غير الممكن القبول بعودة الحصار (الذي مورس بعد انتخابات 2006). الأمر الذي يكشف أن المقصود بالحوار والانتخابات الرئاسية والتشريعية هو إقصاء حماس، وعلى حماس أن تدخل " حوارا " لتقصي نفسها.

لا يمكن لعاقل أن يفهم استمرار المفاوضات مع استمرار حصار الموت لمليون ونصف فلسطيني في قطاع غزة، وبغض النظر عن أي خلاف سياسي أو انقسام داخلي ، بل لا يمكن أن يفهم حين يصحب ذلك الحصار استمرار الاعتقالات والاغتيالات والاقتحامات في الضفة الغربية، والأنكى تقطيعها بالحواجز (المحاسيم) وجعل حياة أهلها وتنقلهم شقاء لا يحتمل.

فإذا كان وزير خارجية حكومة سلام فياض قد تجرأ على تحميل حماس مسؤولية الحصار فماذا يقول في ما هو أسوأ من الحصار في الضفة الغربية إذ يجتمع فيه العقاب الجماعي مع الإهانة المستمرة والعذاب المضني على الحواجز والطرق الالتفافية .

ومع ذلك تستمر المفاوضات والتشاور، بدلا من أن يصار إلى توحيد الموقف الفلسطيني على كسر الحصار عن القطاع ورفع الحواجز وهدم الجدار وتفكيك المستوطنات واستنقاذ القدس من التهويد والمسجد الأقصى من الحفريات وتهديد وجوده ، ومواجهة الاعتقال والاغتيال والاقتحام بالقوة في الضفة الغربية .

كيف لا يقابل ذلك كله بغير الاحتجاج اللفظي من قبل الرئيس الفلسطيني وحكومة سلام فياض ولا تتوقف المفاوضات، بل تتجه كل الضغوط إلى الداخل الفلسطيني؟ ثم كيف يتعامل مجلس الجامعة العربية مع الانقسام مسقطا من حسابه كل هذه الوقائع لتصبح المشكلة مشكلة تمديد للرئاسة وإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية في آن واحد؟

من هنا ، كل محاولة لمعالجة الوضع الفلسطيني الراهن لا ترى أن أساس المشكلة تكون في السياسات الإسرائيلية المطبقة في الضفة الغربية قبل القطاع، ومن ثم فإن معالجة الانقسام غير ممكنة وذات جدوى أن لم تكن باتجاه وفاق وطني فلسطيني لمواجهة الاحتلال والاستيطان واتخاذ إجراءات عملية فلسطينيه وعربية ضد تلك السياسات.

لقد جرَب بما لا يدع مجالا للشك كلا من سياسات الرئيس الفلسطيني في المفاوضات وإظهار حسن النية وحتى تقديم التنازلات بما فيها مطاردة خلايا المقاومة في الضفة الغربية واعتقال كل من يشتبه بعلاقته بها ( من كل الفضائل)

كما جربت التهدئة في قطاع غزة ، فلا سياسات التفاوض والمناشدة وطلب التوسط الأميركي رفع حاجزا واحدا أو الحد من الاستيطان، أو من بناء الجدار الجار أو الاعتقالات أو أوقف الحفريات وبناء كنيس تحت المسجد الأقصى في الضفة الغربية ، ولا التهدئة في قطاع غزه فتحت المعابر أو خففت من الحصار ودعت لرفعه أو وقف الاقتحامات والقصف والاغتيالات ، الأمر الذي لا يبقي سبباً واحداً يمكن أن يسوقه أصحاب سياسة المفاوضات أو سياسية التهدئة .

وفي المقابل جربت السياسات العربية التي اتبعت في السنوات الثماني الأخيرة في مواجهة السياسات الإسرائيلية والأميركية في فلسطين سواء كانت تلك المتعلقة بحصار الرئيس الفلسطيني واغتياله، أم بحصار قطاع غزة أم في قضايا الاستيطان والجدار وتهويد القدس والحفريات تحت المسجد الأقصى أم كيفية دعم الشعب الفلسطيني الأمر الذي لا يترك حجة واحدة في مصلحه الاستمرار فيها وعدم مراجعتها فالنتائج العملية تشهد على عدم جدواها بل على ارتداداتها السلبية على عدد من الأنظمة داخليا كما على ضعف الموقف الرسمي العربي العام.

والمأساة أن ذلك كله حدث واستمر في ظروف اختلال موازين القوى في المنطقة والعالم في غير مصلحة أميركا والكيان الصهيوني. أي حدث في ظروف كان يمكن أن يحقق الفلسطينيون والعرب فيها إنجازات كان يمكن أن تؤدي إلى دحر الاحتلال وتفكيك المستوطنات من الضفة الغربية بلا قيد أو شرط وكان يمكن فيها لتضامن عربي قوي أن يوقف التدهور ويحقق وضعاً عربياً قوياً على أنقاض فشل مشروع الشرق الأوسط الكبير، بل هذا هو التفسير لسؤال لماذا لم يتحول الوضع العربي إلى قوة إقليمية وحتى من العالم الثالث؟

"
أي معالجة للانقسام الفلسطيني غير ممكنة وغير ذات جدوى إن لم تكن باتجاه وفاق وطني فلسطيني لمواجهة الاحتلال والاستيطان واتخاذ إجراءات عملية فلسطينيه وعربية ضد تلك السياسات
"
فإذا كان بالإمكان أن تنتصر المقاومة في حرب يوليو/تموز 2006 على لبنان وتدخل الجيش الصهيوني في أزمة لم يعرفها في تاريخه، وإذا كان بإمكان قطاع غزة أن يستعصي عسكرياً على الاحتلال والاقتحام بعد أن فرضت الانتفاضة والمقاومة انسحابا إسرائيليا منه وتفكيكا للمستوطنات بلا قيد أو شرط وإذا كانت المقاومة والممانعة في العراق قد أبطلتا مفعول الاحتلال وحولتاه إلى مأزق أميركي، وإذا كانت المقاومة في الصومال قد أفشلت الاحتلال الإثيوبي المدعوم أميركيا, وإذا كان كل ذلك قد تحقق بالرغم من الانقسام الفلسطيني وبالرغم من الانقسام العربي وضعف السياسات العربية، فكيف لو توفرت وحدة وطنية فلسطينية مضت بعزم لدحر الاحتلال، وكيف لو توفر تضامن عربي بسياسات قوية" نسبياً" لكانت الإنجازات التي يمكن تحقيقها أكبر ولكان الوضع العربي أقوى كثيراً، ولما كان لحصار قطاع غزة أن يستمر ولما كان ما تعانيه الضفة الغربية من تقطيع أوصال وعذابات، ولما تكالب التآمر على السودان ولما تنمر عليه أوكامبو، ولما عرف الوضع العربي العام ما نشهده اليوم من تدهور وعجز ولا فاعلية.

حقا سيكون ثمة من يقول إن في هذا التقدير مبالغة ربما، ولكن ليقلل من المبالغة كما يشاء فالمحصلة سوف تأتي، في كل الأحوال أفضل مما نحن عليه الآن، لأننا ونحن في هذا الوضع ما زال الشعب الفلسطيني قادراً على الصمود وعلى كسر الحصار وعلى وضع حد لما يجرى في الضفة الغربية، وما زال شعب لبنان ومقاومته مستعصيين على الثأر الإسرائيلي, وما زال الشعب العراقي قادراً على دحر الاحتلال، وما زالت المقاومة في الصومال مسرعة على طريق دحر الاحتلال الإثيوبي نهائيا، وذلك كله فضلا عن صمود سوريا في وجه الضغوط الأميركية، وصمود السودان في مواجهة التجزئة والتمزيق، ثم إذا أخذ بعين الاعتبار النتائج الناجمة عن الأزمة المالية التي أطاحت بالنظام الاقتصادي الأميركي، وهيبة العولمة، كما النتائج المترتبة على عودة روسيا دولة كبرى قوية عسكرياً وسياسياً ناهضة اقتصاديا، كما الصين والهند علمياً واقتصادياً وعسكرياً فضلاً عن مطالبة أوروبا لأميركا بالندية والشراكة، وتحول إيران وتركيا إلى قوتين إقليميتين وكذلك فنزويلا والبرازيل في أميركا اللاتينية.

الأمر كله يعني أن وضعاً عالميا وإقليميا جديداً آخذ في التشكيل بالرغم من إرادة أميركا ، طبعا ثمة جولة قادمة سيحاول فيها باراك أوباما استعادة سمعتها وهيبتها ومكانتها العالمية قيادة، وقوة عسكرية، ونفوذاً سياسيا واقتصاديا، ولكن دون ذلك ما دونه من نقاط ضعف ورياح غير مواتية.

من هنا ندرك كم كان مجلس الجامعة العربية متخلفاً في الأجندة التي وضعها، في مواجهة التحديات الحقيقية فلسطينياً وعربياً وإقليميا، فقد راح يحفر وهو في الحفرة، وكان ظالماً لنفسه.
ــــــــــــ
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك