خالد حاجي

- الفن والجدل بين الإسلام والغرب
- الفن والمقدس في السياق الغربي
- المسلمون.. المقدس ومقتضى العولمة

تزامن معرض فرانكفورت الدولي للكتاب مع الأزمة المالية والاهتمام الإعلامي الكبير بتداعياتها على الاقتصاد العالمي، وهذا ما فوّت على مجلة تيتانيك الساخرة التي تحترف الهجاء والتهكم، فرصة تَصدر عناوين كبريات الصحف والمجلات العالمية ووسائل الإعلام الأخرى.

"
الجهات المحركة للأزمة بين الفن والمقدس الإسلامي تحرص على استدراج المسلمين للظهور بمظهر المانع لحرية الفكر المضيق على مذاهب الإبداع وحرية التعبير بالفن، في مقابل حرصها على أن يخرج الغرب من اللعبة بمظهر المنافح عن حرية الفكر والاعتقاد والانتقاد والتعبير
"
لقد اختار الساهرون على المجلة فرصة انعقاد معرض الكتاب للإعلان عن تنظيم مسابقة غريبة تتمثل في محاكاة شخصية محمد صلى الله عليه وسلم، فقاموا بتقديم الدعوة إلى رئيس وزراء تركيا ليكون من المشاركين في هذه المسابقة، وفي ظنهم أنهم بهذه الدعوة وبهذه المنافسة يخدمون الفن، ودعواهم أنه ليس في "تقليد محمد ما يخرج عن المألوف العادي".

بيد أن الساهرين على المتحف الذي كان من المفروض أن يحتضن التظاهرة رأوا غير ذلك، فاعتذروا لمجلة تيتانيك متذرعين بصغر المكان وعدم مناسبته لاحتواء مثل هذه المنافسة التي قد تشهد إقبالا كبيرا.

والحاصل أن أصحاب المجلة والساهرين على المتحف، كلاهما يدرك طبيعة المسابقة ومدى قدرتها على توليد أزمة بين المسلمين ممثلين في تركيا البلد الضيف تحديدا، وبين الغرب ممثلا في ألمانيا خصوصا.

الفن والجدل بين الإسلام والغرب
إن الهدف من وراء تنظيم المسابقة أوضح من أن يخفيه التذرع بالتمسك بالحق في ممارسة فن التهكم والسخرية والهجاء. والساهرون على المجلة أعلم من غيرهم بطبيعة الحرج الذي ستحدثه المسابقة سواء بالنسبة للطرف التركي المسلم، أو بالنسبة لمدينة فرانكفورت راعية شؤون المعرض.

ولعل الهدف من وراء المسابقة هو إحراج الطرفين معا، إحراج تركيا لصعوبة قبولها بالمشاركة في معرض تنظم على هامشه مسابقة تخدش المقدس الإسلامي وتحاول أن تنال منه، وكذا إحراج الطرف الألماني أمام ضيفه التركي بتحميله مسؤولية التنكر لمبدأ حرية التعبير.

والراجح أن فكرة المسابقة تقبع وراءها الرغبة في صنع حدث يصب الزيت على نار الصراع الحضاري المفتعل بين الإسلام وبين الغرب، إذ أنه من المستبعد أن يكون قد فات الداعين للمسابقة إدراك صعوبة إنجازها.

ولعل الأرجح هو أن أملهم في أن تُمنَع التظاهرة كان أقوى من أملهم في إجرائها، وعيا منهم بأن المنع سيضع المجلة لا محالة في قلب الصراع الجاري بين "المسلمين والغربيين".

وبالفعل، لقد وفقت المجلة بمجرد إعلانها عن المسابقة في استدراج الجميع إلى نتائج تصب كلها في تكريس صورة نمطية رائجة "صورة الإسلام، الدين الذي يضيق على حرية الفكر والتعبير الفني" في مقابل "عالم الحداثة الذي يوسع أمام الفكر والفن والإبداع".

ولولا ألطاف الله وانشغال وسائل الإعلام بتغطية الأزمة المالية لعرف حدث مسابقة مجلة تيتانيك مسارا آخر ولاتخذ أبعادا أكبر.

لكن ما في كل مرة تسلم الجرة! فما نكاد نخرج من أزمة تهدد بالعصف بالعلاقات بين المسلمين والغربيين، إلا ونجد أنفسنا أمام أزمة أخرى، أساسها الاختلاف حول طبيعة عمل فني.

هذه المرة يجد المسلمون أنفسهم أمام رواية شيري جونز "جوهرة المدينة" ومحورها شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها.

وفي هذه الحالة كذلك، فإن الاهتمام بالرواية أقل من الاهتمام بظروف وملابسات نشرها وتوزيعها واستقبالها من طرف المسلمين والغربيين.

ولا يخامرنا شك في أن الجهات المحركة للأزمة والمديرة للحدث ستحرص على استدراج المسلمين للظهور بمظهر "المانع لحرية الفكر، المضيق على مذاهب الإبداع وحرية التعبير بالفن" في مقابل حرصها على أن يخرج الغرب من اللعبة بمظهر المنافح عن حرية الفكر والاعتقاد والانتقاد والتعبير.

"
تساهم الأعمال الفنية المستفزة لمشاعر المسلمين في ترسيخ الانطباع بأن المقدس الإسلامي أسرع من غيره إلى التأثر بالنقد والتهكم والسخرية، وأقل حصانة أمام الخيال الفني والإبداع العقلي
"
الفن والمقدس في السياق الغربي
يشعر المتابع للجدل الدائر في أوروبا حول الإسلام وحرية التعبير بأننا أمام مسلسل استفزاز لا تنتهي حلقاته، إذ في كل مرة يطلع علينا عمل فني يستدعي ردة فعل المسلمين, وبغض النظر عن قيمته الفنية، فإن الجدل المرافق لنشره يذكي حماسة المدافعين عن حرية التعبير في الغرب.

والواقع أنه يصعب التفكير في سبل الخروج من أسر هذه اللعبة المملة التي تقتضي قوانينها أن يتقمص المسلمون دور المطالبين بالحد من حرية الفكر والتضييق على الإبداع الفني، في مقابل الدور الغربي المتمثل في المنافحة عن هذه الحرية وهذا الإبداع.

تساهم الأعمال الفنية المستفزة لمشاعر المسلمين في ترسيخ الانطباع بأن المقدس الإسلامي أسرع من غيره إلى التأثر بالنقد والتهكم والسخرية، وأقل حصانة أمام الخيال الفني والإبداع العقلي.

كما تساهم الأحداث التي تولدها هذه الأعمال في إظهار الغرب في صورة من ليس له مقدس يخشى أن ينال الإبداع الإنساني منه، أو من كان المقدس عنده أقوى من أن ينال هذا الإبداع منه.

وهكذا تترسخ صورة الإسلام كدين ينتمي إلى القرون الوسطى، ويتم ربط المسلمين بسلوكيات تعود بالذاكرة الغربية إلى قرون الظلامية، بينما تترسخ صورة الغرب كمنظومة حداثية وحضارية متنورة، لا تعرف حدودا للنقد أو شروطا لإعمال العقل.

صحيح أن المقدس في الثقافة العربية الإسلامية ليس هو المقدس في الثقافة الغربية المسيحية، فالغربيون يبدون أكثر جرأة من المسلمين على مقدساتهم، فما بالك بمقدسات الآخرين.

لقد تجرأ أعضاء مجموعة البيتلز قبل زيارتهم الشهيرة للولايات المتحدة الأميركية في الستينيات على القول إنهم أكثر شهرة من المسيح عليه السلام.

ويتجرأ المتظاهرون في موكب الحب الذي تشهده برلين سنويا على رفع لافتات تصف الذات الإلهية بنعوت يستحي الإنسان أن يناجي بها نفسه، فكيف بأن ينقلها لغيره.

إن مظاهر المساس بالمقدس في السياق الحضاري الغربي كثيرة لا تنقطع، لكن هل التسليم بوجود هذه الظواهر يفيد التسليم بضرورة حملها على جهة التنوير والتحديث والانفتاح وما إلى ذلك من الأوصاف، وبالتالي حث الآخرين على الالتزام بها؟ أم أن العلاقة بالمقدس تختلف باختلاف السياق الحضاري والثقافي ودرجة تمكن هذا المقدس من نفوس الناس وتمسكهم به وصلاحيته في تدبير شؤونهم وما إلى ذلك؟

تشي العلاقة بالمقدس في السياق الغربي بتجربة مخصوصة لا يجوز رفعها إلى درجة الكونية الملزمة للآخرين. فمن يتأمل في واقع الغرب الحضاري يجد بأن هناك سلطا متعايشة، وسبيلها إلى التعايش هو "التسامح" كما تحدد مدلوله في السياق التاريخي الغربي، أي الإقرار بعدم القدرة على محق الآخر وإخراجه من الوجود.

ولعل أهم هذه السلط المتعايشة هي "سلطة الديني" المتمركزة في يد المؤسسة الكنسية التي تعنى بالحفاظ على المقدس وحمايته، ثم "سلطة السياسي، وسلطة الإعلامي، وسلطة الفني، وسلطة المعرفي" وهي سلط متمركزة في يد مؤسسات أخرى.

وهذه السلط المتعايشة قد تمر بلحظات حرجة يصعب تحقيق التعايش فيها، فتتناطح وتتنافر كما يشهد على ذلك التاريخ الغربي الحافل منذ عصر النهضة بحالات التنافر الشديد بين سلطة الديني وسلطة الفني مثلا.

وقد يحدث أن تتعارض مصالح السلط الأخرى فتدخل في علاقة تصادم، وتقدم لنا ثورة مايو/ أيار 68 الطلابية في فرنسا نموذجا للتضارب الشديد بين سلطة السياسي وسلطة المعرفي، حين كان الطلبة أثناء هذه الثورة يرفعون شعار "إن نهر لاسين يفصل بين لاسيتي ولا سوربون" أي بين منطقة صنع القرار السياسي ومنطقة صنع القرار المعرفي.

"
لن يفيد المسلمين اعتراضهم على أعمال فنية لا تحترم مقدساتهم ما لم يكن ذلك مشفوعا بنظرية متكاملة في الأخلاق والسياسة والفن والمعرفة والإعلام تملك مقومات التحصين الذاتي ضد خطر الانزلاق نحو منطق التصادم بين الدين والفن
"
لا شك أن للحروب الدينية الطاحنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية دورا أساسيا في إرساء دعائم هذا النموذج من التعايش، حيث إن الاختلاف الشديد بينهما حول المقدس كان وراء فتح الباب أمام بروز مؤسسة الفن كمؤسسة مستقلة عن سلطة الديني، متحررة من أي التزام بهذا المقدس.

وكأن قبول المؤسستين البروتستانتية والكاثوليكية بالتعايش والتساكن، بالرغم من عدم اعتراف أي منهما بالمقدس عند الآخر، أدى بالضرورة إلى فتح الباب أمام التساكن والتعايش مع المدنس.

فلم يكن قبول الكاثوليكي بالتعايش مع "المدنس البروتستانتي" وكذا قبول البروتستانت بالتعايش مع "المدنس الكاثوليكي" أكثر مرارة من قبولهما بالتعايش مع صيغ أخرى من "المدنس الفني" أو قبولهما بتفويض أمر إدارة الصراع حول المقدس لـ "سلطة السياسي" المحايدة.

ولعل هذا التعايش بين سلط متفاوتة في دفاعها عن المقدس وحرصها على حمايته، انعكاس لموازين قوى أفرزتها ملابسات تاريخية غربية محضة يضيق هنا المقام عن التفصيل فيها.

المسلمون.. المقدس ومقتضى العولمة
لا عجب في أن تبرز، مع بروز المسلمين كفاعلين في الساحة الثقافية والسياسية في الغرب، الحاجة إلى إدماج الإسلام في إطار المعادلات القائمة بين السلط المذكورة، ووفقا لمقتضيات موازين القوى التي تحكم العلاقة بينها.

لذلك تجد جملة الكتابات والتصريحات بخصوص الأعمال الفنية المثيرة للجدل بين المسلمين والغربيين تركز على أن شرط إدماج المسلمين في المشهد الحضاري الغربي، هو أن يتسع صدرهم لقبول المساس بمقدسهم، تماما كما يتم المساس بالمقدس المسيحي.

فتماما كما وقع في السياق الغربي، يتخذ الفن مطية لنزع القداسة عن المقدس الإسلامي، ويوكل إلى "سلطة الفني" مهمة التصدي إلى "سلطة الديني" في حضارة الإسلام.

الواقع أن ما لم تلتقطه وسائل الإعلام العربية والإسلامية، ولن تلتقطه أبدا بالنظر إلى زحمة الأحداث والاكتراث بنقل تفاصيل ردود الأفعال حول الأعمال الفنية، هو أن الأمر أخطر بكثير من مجرد رواية أو رسم يتعرض للمقدس الإسلامي.

فالثقافة العربية الإسلامية تقف عند مفترق طرق، فإما أن تسلم تحت ضغط العولمة الغربية بضرورة انتصاب الفن سلطة متحررة من سلطة الديني معارضة لها، فتنهج في هذه الحالة نهج الثقافة الغربية، وإما الاجتهاد من أجل إيجاد صيغ جديدة للتناغم بين الديني والفني، إبقاء على قداسة المقدس في هذه الثقافة.

كل المؤشرات تدل على أن الثقافة العربية الإسلامية مستدرجة نحو استحداث القطيعة نفسها التي عرفها التاريخ الغربي بين الفني والديني مع عصر النهضة، ما لم تشهد هذه الثقافة نقاشا جديا حول "الدين وسؤال الفن" وما لم يتم التفكير بعمق في المقدس وموقعه بين مقتضيات العقيدة الإسلامية وخصوصيات المجتمعات الإسلامية من جهة، وبين إملاءات سلطة الحداثة والعولمة من جهة أخرى.

لن يفيد المسلمين اعتراضهم على صدور أعمال فنية لا تحترم مقدساتهم ما لم يكن هذا الاعتراض مشفوعا بنظرية متكاملة في الأخلاق والسياسة والفن والمعرفة والإعلام، نظرية تملك مقومات التحصين الذاتي ضد خطر الانزلاق نحو منطق التصادم بين الدين والفن، كما تملك القدرة على النفاذ إلى ثقافة العولمة والتأثير في مجراها.
__________________
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك