مطيع الله تائب

- التوقيت والدوافع
- الحل السلمي.. تصورات ومواقف
- الحوار.. عقبات واحتمالات
- رؤى الحل

تتعالى منذ شهور أصوات عديدة تنطق بصعوبة الحل العسكري في أفغانستان، وضرورة الحوار والتفاوض مع طالبان، وسط تقارير دولية تشير إلى تدهور الأوضاع الأمنية واتساع رقعة المعارك وارتفاع عدد الضحايا المدنيين.

"
تفاصيل التصور الحكومي للحل غير واضحة إذ تقتصر على قبول الجلوس على طاولة الحوار الذي هو أمر مرفوض حاليا من قبل طالبان والحزب الإسلامي حسب مواقفهم المعلنة
"
التوقيت والدوافع
لا يكاد يمر يوم دون أن نسمع قادة الناتو أو الزعماء الغربيين السياسيين والعسكريين والخبراء الأكاديميين والإعلاميين يتحدثون عن الحل السلمي للأزمة الأفغانية المستعصية بدل الحل العسكري الذي بدأ يستنزف الغرب ماديا ومعنويا، وقد يؤدي إلى هزيمة حلف الناتو في أول مهمة له خارج حدوده الجغرافية.

وأما الحكومة الأفغانية وعلى لسان رئيسها حامد كرزاي فقد ظلت تكرر دعوتها للحوار مع طالبان دون كلل منذ أكثر من عامين، كان آخرها في سبتمبر/ أيلول الماضي قبل تسرب الأخبار عن وساطة سعودية تمثلت في حفل إفطار جمع بعض المسؤولين من الحكومة الأفغانية وشخصيات قريبة من طالبان والحزب الإسلامي بقيادة حكمتيار في مكة المكرمة.

طالبان رفضت أن تكون هذه الشخصيات تمثلها، وأكدت على شرطها بخروج القوات الأجنبية من أفغانستان قبل بدء أي حوار، كما أن الدعوات الغربية لم تخل من شروط مسبقة للحوار أهمها انفصال طالبان عن القاعدة، ووقف الحرب التي تشكل العقبات الرئيسية أمام أي مشروع حوار جاد.

ويشتد الحديث عن ضرورة الحل السلمي في ظل مجموعة تطورات وتواقيت يمكننا معرفة أهمها:
- التقارير الغربية والدولية التي تتحدث عن تدهور الوضع الأمني، واتساع رقعة الحرب وارتفاع عدد العمليات العسكرية وعدد الضحايا المدنيين.

- التقارير الدولية التي تتحدث عن ضعف النظام الحاكم في كابل، واستشراء الفساد في المؤسسات الحكومية واتساع رقعة الشك وعدم الثقة بين الحكومة والمواطنين.

- الفشل الدولي في تجهيز وتدريب المؤسسات الأمنية الحكومية مثل الشرطة والجيش، بحيث تتمكن من تحمل مسؤولياتها الأمنية.

- الفشل الدولي في تحقيق الوعود في إعادة إعمار البلد من بنى تحتية ومشاريع كبيرة.
- الفشل الحكومي والدولي في القضاء على زراعة المخدرات.

- انتقال الحرب إلى باكستان (بين حركة طالبان باكستان والجيش الباكستاني) في مناطق القبائل ووادي سوات في إقليم سرحد، واستمرار الهجمات الأميركية على أهداف للقاعدة وطالبان داخل الأراضي الباكستانية.

- عودة حزب الشعب إلى سدة الحكم المدني في باكستان، وذهاب الجنرال مشرف من رئاسة باكستان ومجيء آصف زرداري رئيسا.

- الأزمة المالية العالمية التي ضربت الاقتصاد الأميركي والأوروبي بشكل كبير، كما أثرت بشكل كبير على الاقتصاد الباكستاني المهزوز.

- الخلافات الروسية الغربية بسبب الأزمة الجورجية والتحرك الروسي للضغط على الناتو والولايات المتحدة، ردا على نصب أنظمة الدرع الصاروخي الأميركية في أوروبا الشرقية.

- استتباب أمني حذر في العراق بعد تجربة مجالس الصحوات، وتحجيم دور القاعدة هناك بالتعاون مع الوسط السني ومحاولة تصدير التجربة بنسخة معدلة إلى أفغانستان وباكستان.

- الانتخابات الأميركية التي تحظى فيها أفغانستان بموقع خاص في مواقف المرشحين الجمهوري جون ماكين والديمقراطي باراك أوباما، إذ أن كلا المرشحين يؤكدان على زيادة القوات الأميركية هناك مع اختلافات في التفاصيل.

وبشكل عام، يبقى الموقف الأميركي الجديد مرهونا بنتائج الدراسات والخطط الشاملة التي يضعها قائد القيادة العامة الأميركية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا الجنرال ديفد بتراوس.

- تداعيات الملف النووي الإيراني، والحديث عن تهدئة الأوضاع في أفغانستان لممارسة مزيد من الضغوط على إيران عبر حدودها الشرقية.

"
الحديث المتفائل عن إمكانية الحلول السلمية يعتمد بشكل أساسي على رغبة الغرب في تهدئة الأوضاع في أفغانستان في المرحلة الحالية والبحث الجاد عن مخارج سياسية من ورطته العسكرية هناك
"
الحل السلمي.. تصورات ومواقف
لقد أثارت موجة التصريحات الغربية أسئلة كثيرة عن السيناريوهات المحتملة لأي حل سلمي يمكن أن يوقف مسلسل الدم في أفغانستان، خصوصا أن الاتفاق على مبدأ الحل السلمي والتفاوض يظهر في مواقف الأطراف، بينما يكمن الخلاف في تصور كل طرف عن الحل السلمي وشروطه المسبقة التي تبدو تعجيزية أحيانا، مما يدفع الكثير ممن يتابعون الشأن الأفغاني إلى التشكيك في حصول أي تقدم واضح باتجاه الحل السلمي في المستقبل القريب.

لكن تبقى احتمالات حدوث تقدم ما بهذا الاتجاه قائمة في ضوء تطورات وملابسات معينة تصب لصالح سيناريو التهدئة، في إطار حل شامل قد يخرج الناتو من ورطته الحالية.

وتتحدث التصورات الغربية للحل السلمي بشكل عام عن ضرورة فتح الحوار مع طالبان وبقية المجموعات المسلحة المعارضة ومحاولة ضمها لنظام الحكم، مع التشديد على فصل مسارها عن مسار القاعدة.

التصريحات الغربية الصادرة من الزعماء السياسيين أو العسكريين لا تتحدث كثيرا عن التفاصيل وتتركها لأجندة الحوار في حالة بدئها، وكل ما في الأمر حاليا هو التركيز على صعوبة أو استحالة الحسم العسكري في المدى القريب، وضرورة حل سياسي في إطار مراجعة شاملة للموقف العسكري والسياسي والاقتصادي لوجود الناتو والقوات الأميركية هناك.

ولقد رافق هذه التصريحات تحرك إعلامي غربي كبير يدعم هذا الاتجاه بشكل واضح، فتتحدث التقارير بشكل مستمر عبر الخبراء والمراسلين والمراقبين للشأن الأفغاني عن تورط الغرب العسكري في "المستنقع الأفغاني".

وتثير أسئلة عديدة جدوى الوجود الغربي في أفغانستان، بل تتحدث عن طالبان بأنها تقاتل من أجل إخراج القوات الأجنبية ولا تشكل أي خطر إرهابي على المصالح والحضارة الغربية لو قطعت علاقاتها مع القاعدة.

الحكومة الأفغانية وعلى رأسها الرئيس كرزاي تتحرك منذ مدة باتجاه تحريك المسار السلمي مع طالبان والحزب الإسلامي بقيادة رئيس الوزراء الأسبق قلب الدين حكمتيار.

وقد شهدت التحركات بهذا الاتجاه تسارعا كبيرا مع قرب موعد الانتخابات الرئاسية الأفغانية صيف 2009 القادم، وهو ما جعل البعض يعتبر الأمر جزءا من خطة فريق الرئيس كرزاي لضمان الفوز في الانتخابات، في ضوء الحديث الداخلي والتقارير الدولية عن هبوط شعبية الرجل وفشل النظام الحاكم في الوفاء بوعوده.

التفاصيل غير واضحة كذلك في التصور الحكومي للحل، والدعوات تقتصر على قبول الجلوس على طاولة الحوار، وهو أمر مرفوض حاليا من قبل طالبان والحزب الإسلامي عبر مواقفهم المعلنة، وإن كانت هناك أحاديث عن اقتسام السلطة في الأقاليم وفي المركز، مقابل وقف الحرب وهي كلها صيغ محتملة ومن السابق لأوانه الحديث عنها.

وقد وجد مبدأ الحوار والتفاوض مع المعارضة المسلحة دعما وتأييدا من قبل الأحزاب والتكتلات المعارضة للرئيس كرزاي، فأيدت الجبهة الوطنية هذا التوجه، وهي تكتل سياسي معارض يرأسه الرئيس السابق برهان الدين رباني ويضم عددا من الأحزاب والشخصيات الجهادية السابقة بجانب آخرين من الشيوعيين السابقين والقوميين والليبراليين.

وعلى المستوى الشعبي والرسمي دعا البرلمان ومجلس الشيوخ وكذلك مجلس السلام المشترك بين زعماء القبائل الباكستانية والأفغانية الحكومتين الأفغانية والباكستانية إلى الحوار مع طالبان.

وفي المقابل تتسم مواقف طالبان والحزب الإسلامي (حكمتيار) برفض أي حوار في وجود القوات الأجنبية، وكان ذلك واضحا في خطاب الملا عمر ردا على مفاوضات مكة المكرمة، إذ كل ما وعده به هو ضمان طريق آمن لانسحاب قوات الاحتلال الغربية من أفغانستان، آمرا أتباعه بتشديد العمليات العسكرية لتحقيق هذا الهدف.

الموقف نفسه يمكن قراءته في موقف الحزب الإسلامي المعلن في موقع جريدة شهادت الناطقة باسمه، غير أنه يقبل بمبدأ الحوار كما قبل الوساطة السعودية بشرط أن تكون المفاوضات شفافة وبعيدة عن تأثير القوى الغربية، موضحا أن أول بند في الحوار يجب أن يكون انسحاب قوات الاحتلال الأجنبية من أفغانستان.

الحوار.. عقبات واحتمالات
وسط هذه الدعوات الغربية إلى ضرورة الحوار، والتوسلات المتكررة من حكومة أفغانستان للجلوس على طاولة الحوار، جاء اجتماع مكة المكرمة أواسط سبتمبر/ أيلول الماضي وجمع شخصيات أفغانية قريبة من طالبان مثل وزير خارجيتها وكيل أحمد متوكل وسفيرها في إسلام آباد عبد السلام ضعيف بجانب مسؤولين حكوميين وممثلين عن الحزب الإسلامي (حكمتيار).

ورغم رفض طالبان لأن تكون الشخصيات المشاركة في اجتماع مكة تمثلها أصلا، فإن الاجتماع أثار إمكانية الحل السلمي للأزمة الأفغانية، خصوصا وأن الوساطة السعودية تبدو أحد أهم عناصر النجاح في رأي المتفائلين، إذ تتمتع المملكة بعلاقات قريبة من طالبان وباكستان والولايات المتحدة في نفس الوقت.

وبحكم مكانة السعودية الدينية والسياسية في العالم الإسلامي فهي تسعى في إدارة مشاريع السلام للأزمات الإسلامية، وترغب في تحجيم النفوذ الإيراني في المنطقة، مما يدفعها لأخذ المبادرة في أفغانستان.

"
الناتو والولايات المتحدة يجابهان أزمة حقيقية في إدارة المعركة في أفغانستان في ظل الخسائر البشرية والمادية والتمويل الضخم للحرب في ضوء الأزمة المالية التي يعيشانها حاليا
"
وربما يدفع هذا الخوف إيران إلى رفض أي حوار مع طالبان و "الإرهابيين" في أفغانستان، وإلى رفض البحث عن حلول سلمية تمهد لعودتهم إلى نظام الحكم في أفغانستان، معتبرة ذلك كارثة على الحريات والنظام الديمقراطي.

ويبقى الدور الباكستاني في إدارة الأزمة الأفغانية هو الأهم في الوقت الحالي، ومن الواضح أن إسلام آباد التي تقاتل عناصر طالبان الباكستانية فوق أراضيها، لا تبدو راغبة بشكل جاد في الضغط على طالبان أفغانستان دون مقابل.

ومن المحتمل أن تلعب باكستان دورا بارزا في أي حلول سلمية في أفغانستان، تضمن مصالحها الإقليمية الإستراتيجية.

وللحديث عن مستقبل الحل السلمي للأزمة الأفغانية يمكننا وضعها في محورين أساسيين، رغم الغموض الكبير الذي يلف مشروع الوساطة السعودية والحديث عن المفاوضات السلمية بشكل عام.

رؤى الحل
الرؤية المتفائلة: وتتوقع إمكانية الحل السياسي في ضوء استمرار الهجمات الأميركية على مراكز القاعدة التي تقع في الأراضي الباكستانية، وتهدف إلى تحجيم دور القاعدة وأنشطتها هناك.

ومع استمرار المعارك بين الجيش الباكستاني وعناصر طالبان الباكستانية في وادي سوات وباجور ووزيرستان قد تجد طالبان أفغانستان نفسها في وضع صعب بالنسبة لخطوط إمداداتها الأساسية في باكستان، وقد يدفعها ذلك للتفكير في عروض السلام عبر الوسطاء السعوديين والباكستانيين.

وتعتمد الرؤية كذلك على وجود اختلاف بين تيارات داخل طالبان والمجموعات المعارضة المسلحة في أفغانستان بشأن مستقبل الوضع في أفغانستان، وإن كانت كلها تقاتل القوات الأجنبية.

وقد يتيح هذا التعدد في وجهات النظر والأذواق السياسية الفرصة لمزيد من الجدية في البحث عن الحلول السلمية.

فالحديث المتفائل عن إمكانية الحلول السلمية يعتمد بشكل أساسي على رغبة الغرب في تهدئة الأوضاع بأفغانستان في المرحلة الحالية، والبحث الجاد عن مخارج سياسية من ورطته العسكرية هناك، وفي حالة إيجاد وكلاء إقليميين مثل السعودية وباكستان تتزايد فرص الحوار والتفاوض.

الرؤية المتشائمة: وهي التي تقوم أساسا على فرضية أن موقف طالبان الرافض لأي حوار في ظل الوجود الأجنبي وهو شرط من الصعب قبوله من قبل الناتو وواشنطن، ويعتبر شرطا تعجيزيا كما هو الحال بالنسبة لشرط حكومة كابل والناتو بأن تقطع طالبان علاقاتها بالقاعدة.

وتعتمد هذه الرؤية على أن وضع طالبان العسكري الآن أفضل من أي وقت آخر، ولو استمرت في الضغط على قوات الناتو وزادت من وتيرة عملياتها نوعا لربما تحصل على أهدافها دون أي تفاوض، لأن كل المؤشرات تشير إلى أن الناتو والولايات المتحدة تجابهان أزمة حقيقة في إدارة المعركة في أفغانستان في ظل الخسائر البشرية والمادية والتمويل الضخم للحرب في ضوء الأزمة المالية التي تعيشانها حاليا.

كما تستبعد هذه الرؤية استعداد طالبان للتخلي عن سلاحها أو وقف الحرب من أجل الحصول على عدة مناصب وزارية في العاصمة أو مسؤوليات إدارية في الأقاليم التي تنشط فيها في الجنوب والغرب، بجانب الصعوبات التي تواجهها عملية تقاسم السلطة في بلد متعدد العرقيات أصلا.

وما بين التفاؤل والتشاؤم حول مستقبل الحل السلمي، لا يشك أحد في أن معاناة الشعب الأفغاني لن تنتهي قريبا، وأن كل يوم سيبعد أكثر هذا البلد عن تحقيق حلمه في عودة السلام والوئام والرفاهية، رغم أنه نجح أكثر من مرة في قهر الغزاة والمحتلين وفشل في قطف ثمرات التحرير.
__________________
كاتب أفغاني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك