طارق الكحلاوي

- مركز الأمن الأميركي الجديد
- المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه
- المركز من أجل التقدم الأميركي

إلى جانب السياسيين التنفيذيين كان دوما للخبراء الناشطين ضمن مراكز الأبحاث غير الحكومية (think tanks) الأميركية دور بارز في الإدارات الأميركية المتعاقبة، وهي كذلك نافذة تشارك عبرها الدوائر الأكاديمية وأحيانا بعض الفرق الإيديولوجية والسياسية، لا في التنظير للسياسات فحسب، بل في صناعتها أيضا من خلال تقديم المشورة لصانعي السياسة أو تبوُّؤ مواقع تنفيذية متقدمة.

تتزايد أهمية هذه المراكز بشكل خاص عندما تكون للرئيس الأميركي رؤية إيديولوجية ثابتة وواضحة وهو ما حدث مع الرئيس بوش في عهدتيه خلال السنوات الثماني الماضية، إذ كان لمركز مثل "معهد المؤسسة الأميركية" دور بارز في مجمل الملفات بما في ذلك ملف الحرب على العراق منذ بدايته حتى في صياغة خطة "زيادة القوات" بأشكال تفوق أحيانا المؤسسات التنفيذية الحكومية.

الرئيس ريغان الذي جاء بسياسات محافظة جدا في بداية الثمانينيات كان يستعين في صناعة سياساته إلى حد كبير بمركز "الهريتاج فاونديشن".

الرؤساء الديمقراطيون لم يتخلفوا عن هذا التقليد ولكن بشكل أقل بروزا بسبب أهمية الرؤى البراغماتية في صياغة سياساتهم، فقد لعب معهد "بروكينغس" دورا بارزا خلال عهدتي الرئيس كلينتون في تقديم المشورة، وكان مصدرا للخبراء الذين تم تعيينهم في مواقع تنفيذية.

ينطبق ذلك على الإدارة المرتقبة للرئيس المنتخب باراك أوباما، لأنها في سياق رغبتها في إظهار الرئيس بمظهر الرئيس الموحد، وبمعزل عن شعاراتها البراغماتية وعدم رغبتها في التموقع إيديولوجيا، وكذلك بمعزل عن التركيز الراهن على ذوات الشخوص التي اختارتها لمواقع متقدمة والتي تحمل أحيانا رؤى متناقضة، لديها خلايا من الخبراء الذين بدؤوا في التموقع ضمن الهياكل الوسطى لصناعة السياسات، خاصة عبر "فرق مراجعة الوكالات" (Agency Review Teams) و"مجموعات العمل على السياسات" (Policy Working Groups) في الإدارة الانتقالية العاملة الآن في واشنطن.

مع كل الضبابية والغموض اللذين لا يزالان يغلفان آفاق السياسات التنفيذية للإدارة الجديدة فإن خلفية العناصر العاملة الآن في شؤون السياسة الخارجية خاصة بالنسبة للاتجاهات العامة لمراكز البحث المنتمين إليها يمكن أن تمثل أحد المصادر لفهم الخطوط العامة للسياسة الخارجية لإدارة أوباما.

أستعرض فيما يلي أهم مراكز البحث هذه بناء على أسماء العاملين في إدارة أوباما الانتقالية كما تم الإعلان عنها عبر الموقع الإلكتروني الرسمي للرئيس المنتخب.

"
مركز الأمن الأميركي الجديد بعكس معهد بروكينغس صغير الحجم لا يزيد عدد خبرائه على عشرين خبيرا، ولكنه مع ذلك يلعب بشكل واع دور الراعي للإدارة الجديدة في ملف الشؤون الخارجية
"
مركز الأمن الأميركي الجديد
تظهر أهمية "مركز الأمن الأميركي الجديد" (The Center for New American Security) في الإدارة المرتقبة من خلال حضور أسماء بارزة ضمن الفرق التي عينها الرئيس المنتخب في إدارته الانتقالية بالنسبة لملفات الشؤون الخارجية.

من بين أبرز هذه الأسماء ميشال فلورني التي أسست بمعية كورت كامبال "مركز الأمن الأميركي الجديد" منذ حوالي سنة. وهناك أيضا ويندي شيرمان، المكلفة من قبل أوباما بمراجعة وضع وزارة الخارجية، وسوزان رايس أحد أبرز مستشاري أوباما في السياسة الخارجية وهي عاملة في الإدارة الانتقالية في ملف الأمن القومي وهما عضوان في مجلس إدارة المركز.

ومثلهما جيمس ستاينبرغ المكلف مع رايس بالإشراف على ملف الأمن القومي في مجموعات العمل على السياسات في الإدارة الانتقالية لأوباما.

بالإضافة إلى ذلك برزت أسماء أخرى من بين الذين قدموا مشورة للرئيس المنتخب أو من بين المرشحين لمناصب متقدمة من الناشطين في المركز، مثل ريتشارد دانزيغ، عضو مجلس الإدارة الذي برز منذ أسابيع كأحد المرشحين لمنصب متقدم في وزارة الدفاع.

هناك كذلك جون ناغل الذي بدا أحد أهم مستشاري أوباما في ملف أفغانستان، وخاصة موضوع حرب العصابات، إذ كان من بين أهم الخبراء الذين أعادوا صياغة خطط العسكرية الأميركية في هذا المجال، خاصة في العراق تحت إشراف الجنرال بتراوس. ومن المتوقع أن يلعب دورا متقدما في خطط الإدارة الجديدة فيما يخص الحرب في أفغانستان.

من اللافت أن مركز الأمن الأميركي الجديد حديث النشأة إذ تأسس سنة 2007، وأنه يختص بشكل حصري في الشؤون الخارجية، وأن أغلب عناصره كذلك بمن فيهم مؤسسوه من بين الأكاديميين الذين عملوا سابقا في إدارة الرئيس بيل كلينتون كما أن عددا منهم لا يزال ينشط في إطار معهد بروكينغس الذي برز في عهد كلينتون.

غير أن هذا المركز بعكس بروكينغس صغير الحجم لا يزيد عدد خبرائه على عشرين خبيرا، ولكنه مع ذلك يلعب بشكل واع دور الراعي للإدارة الجديدة في ملف الشؤون الخارجية كما يبدو من خلال مؤلف تم نشره مباشرة بعد الانتخابات بعنوان "عمليات الانتقال الصعبة: مخاطر السياسة الخارجية في بداية السلطة الرئاسية" من تأليف كورت كامبل وجيمس ستاينبرغ.

الاتجاه العام للمركز يظهر في شعاره الرئيس الذي يركز على البراغماتية وتطوير سياسات أمن قومي ودفاع قوية وبراغماتية ومبدئية.

في قراءة أولية من الضروري الإشارة هنا إلى أن أبحاث المركز لا تركز على ملفات محددة بما في ذلك المنطقة العربية والإسلامية بقدر ما تحاول النظر إلى المنطقة من زوايا إستراتيجية كبرى وشاملة مثلما تعلن العديد من ورقات البحث الجماعية التي نشرت خلال هذا العام.

من أهم النقاط التي تبرز بين مواقف واهتمامات هذه الأبحاث الدفاع عن أولوية الدبلوماسية باعتبارها عاملا أساسيا في تغيير قواعد اللعبة في العلاقة مع إيران.

في الملف العراقي يبرز مقال منشور من قبل أحد كبار باحثي المركز يوم 17 نوفمبر/تشرين الثاني الجاري يتحدث عن "الاتفاقية الأمنية" بوصفها إطارا زمنيا للانسحاب وهو موقف يختلف عن الجداول الزمنية التي أعلنها أوباما سابقا بين 16 و18 شهرا.

المقال يتخوف بشكل خاص من رغبة عراقية في تغيير موعد الانسحاب ويعتبر أن لإيران مصلحة طبيعية في العراق وأن المشكل هو في حدود النفوذ الإيراني التي يمكن أن تسمح بها الولايات المتحدة.

في المقابل هناك ورقات بحث أخرى تعكس اهتماما خاصا من قبل المركز بموقف قوى آسيوية كاليابان والهند والصين من الحرب في العراق.

"
موقف أوراق بحث المجلس من إيران مثير للاهتمام من جهة تركيزه على أولوية العلاقة الأميركية الإيرانية وتحديدا أن إيران لا تشكل خطرا مهددا بالنسبة للولايات المتحدة
"
المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه
المركز الآخر الذي يبرز مصدرا للخبراء القادمين إلى الإدارة الجديدة في ملفات مختلفة بما في ذلك السياسة الخارجية هو "المجلس من أجل عالم يمكن العيش فيه" (Council for a Livable World).

الاسم الأبرز هنا هو سارة سيوال المشرفة على ملف الأمن القومي في الإدارة الانتقالية بالنسبة لفرق مراجعة الوكالات، وهي تنشط ضمن المجلس المذكور في مجلس الإدارة الاستشاري.

من اللافت كذلك أن عددا من المرشحين الديمقراطيين في الانتخابات التشريعية الأخيرة مرتبطون بشكل مباشر بالمجلس، خاصة أن المجلس عبر رئيسه غاري هارت ومديره التنفيذي جون إيزاكس كان من بين أهم مراكز البحث التي ارتبطت بشكل مبكر بأوباما.

وتوم داشل أحد أهم مستشاري أوباما في الملفات الداخلية الذي سيشغل منصب وزير الصحة، كان أيضا من بين أبرز أعضاء المجلس.

سيوال التي شغلت سابقا منصب نائبة مساعد وزير الخارجية للدفاع والسلام في عهد الرئيس كلينتون تبدو مختلفة عن النخبة الأكثر تقليدية المتمركزة في مركز الأمن الأميركي الجديد، خاصة من حيث إصرارها على ضرورة الانسحاب من العراق بشكل سريع.

الاتجاه العام للمركز عموما يقع توصيفه إعلاميا بأنه معاد للحرب، وأبحاث المركز تتم خاصة عبر واجهة "مركز مراقبة الأسلحة وعدم انتشارها" الذي يرجع تأسيسه إلى بداية الستينيات على يدي عالم فيزياء أميركي كان يعارض تصنيع الأسلحة النووية واستخدامها.

في الملف العراقي تعكس أوراق بحث المجلس ضرورة عدم الاتكال على مآل الوضع الداخلي العراقي ومن ثمة الظروف الأمنية المتأثرة بذلك، وهو موقف يتعارض مع رؤى القيادات العسكرية الأميركية التي بدأت تضغط على أوباما في اتجاه ربط الانسحاب من العراق بالظروف في الميدان.

موقف أوراق بحث المجلس من إيران مثير للاهتمام من جهة تركيزه على أولوية العلاقة الأميركية الإيرانية وتحديدا أن "إيران لا تشكل خطرا مهددا بالنسبة للولايات المتحدة"، وهو موقف لا يربط "الخطر الإيراني" بتهديده للوجود الإسرائيلي كما يمكن أن يفعل آخرون.

كما تقلل الورقة من خطورة البرنامج النووي الإيراني السلمي وإمكان تحوله بسرعة إلى برنامج تسليحي، ومن هذه الزوايا تنصح الورقة الخاصة بإيران بتفعيل الحوار الأميركي الإيراني.

لكن مثلما هو الحال مع المركز أعلاه فإن المجلس لا يبحث بشكل خاص ملف الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما يشكل مؤشرا يضاف إلى مؤشرات أخرى على الأهمية المحدودة لهذا الملف في الفترة القادمة.

المركز من أجل التقدم الأميركي
مركز الأبحاث الثالث الذي يبرز من بين المؤثرين في صناعة سياسات الإدارة الجديدة هو "المركز من أجل التقدم الأميركي" (The Center for American Progress).

بالإضافة إلى جون بوديستا رئيس وأحد مؤسسي المركز وأحد ثلاثة من أبرز المشرفين بشكل عام على الفريق الانتقالي للإدارة الجديدة، نجد بالنسبة للملفات المتعلقة بالسياسة الخارجية جوزيف سيرينسيوني وهو المستشار الرئيسي لأوباما بالنسبة لملف الأسلحة النووية وهو في نفس الوقت أحد كبار الباحثين في المركز.

هناك كذلك غريغوري كريغ الذي كان حتى فترة قريبة أحد أبرز مستشاري أوباما في السياسة الخارجية، وهو أحد كبار الباحثين في المركز، وقد كان مكلفا بالتشكيك في مؤهلات هيلاري كلينتون في ملف السياسة الخارجية.

"
لا يوجد اهتمام بارز لدى هذه المراكز عموما بملف الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما لا يتفق مع تقارير إخبارية غير مؤكدة برزت في الآونة الأخيرة إزاء عزم أوباما دفع هذا الملف بقوة مع بداية عهدته الرئاسية عبر التركيز على "مبادرة السلام" العربية
"
ورغم أنه عمل في السابق في إدارة كلينتون فإن التقارب بين الكثير من الكلينتونيين وأوباما أدى على ما يبدو إلى محاولة إبعاده عن ملفات السياسة الخارجية من خلال تعيينه مستشارا قانونيا للبيت الأبيض.

لكن ذلك لا يبدو أنه يمنع كريغ من التدخل في السياسة الخارجية، إذ نشر عبر المركز من أجل التقدم الأميركي وقام بتصريحات يوم 21 نوفمبر/تشرين الثاني تتعلق بالملف الكوري الشمالي وتحديدا ضرورة إرسال مبعوث خاص للكوريين لإبراز النوايا الجيدة للإدارة الجديدة.

مواقف سيرينسيوني مثيرة للانتباه كذلك خاصة أنها جلبت انتقادات كثيرة من المعلقين الإسرائيليين بسبب دعوته إلى وضع الترسانة النووية الإسرائيلية على طاولة المفاوضات في أي صفقة نووية في المنطقة بما في ذلك الحوار الأميركي الإيراني المتوقع.

يجب التذكير هنا بأن الداعم المالي للمركز البليونير هو جورج سوروس المعروف بانتقاداته الحادة للمحافظين الجدد، كما أن أوراق بحث المركز تبدو متماهية إلى حد كبير مع المواقف العامة لأوباما في السياسة الخارجية بما في ذلك الانسحاب من العراق مقابل زيادة القوات في أفغانستان.

لكنه من اللافت مدى اهتمام المركز بملف الصراع العربي الإسرائيلي، بشكل خاص والتعويل على خبراء ناشطين في أروقة "قوى السلام".

بشكل عام يبدو تأثير مراكز البحث هذه متفاوتا على الإدارة المرتقبة، إذ وفقا للمعطيات الراهنة يبرز مركز الأمن الأميركي الجديد بوصفه المؤسسة الأكثر تأثيرا من الناحية الكمية في أقل الأحوال.

كما أنه من الملاحظ أن هناك اختلافات بينها بالرغم من أن معظم المنتسبين إليها عملوا سابقا في إدارة الرئيس كلينتون مما يعني أن هذه الخلفية لا تعني بالضرورة استنساخا لنفس الرؤى.

من جهة أخرى تبدو أوراق البحث الخاصة بهذه المراكز مهتمة بصياغة رؤى إستراتيجية عامة، وبالتركيز على موضوعات مستقلة في نفس الوقت كإيران والعراق وأفغانستان من دون تقديم رؤية واضحة ومتناسقة في العلاقة مع المنطقة العربية.

ولا يوجد اهتمام بارز لدى هذه المراكز عموما بملف الصراع العربي الإسرائيلي، وهو ما لا يتفق مع تقارير إخبارية غير مؤكدة برزت في الآونة الأخيرة حول عزم أوباما دفع هذا الملف بقوة مع بداية عهدته الرئاسية من خلال التركيز على "مبادرة السلام" العربية.

يجب النظر في هذا الإطار أيضا إلى غياب أي خبراء من الشرق الأوسط خاصة في ملف الصراع العربي الإسرائيلي من بين خبراء الصفوف الأولى الذين تم تعيينهم في الإدارة الانتقالية.

رغم تداول اسمي دنيس روس من معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، ومارتين إنديك من مركز سابان التابع لمعهد بروكينغس فإنهما يغيبان عن الأسماء المعلنة الآن المكلفة بملفات السياسة الخارجية.

وحتى لو تم تعيين هذين الخبيرين فبالنظر إلى التجربة السابقة لهما في عهد الرئيس كلينتون فسيكون ذلك مؤشرا على رغبة الإدارة القادمة في وضع هذا الملف في الثلاجة والاقتصار فيه على جولات استكشافية.
__________________
كاتب تونسي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك