خالد المعيني

الاسم: خالد حمزة المعيني- المولد: 1960 بغداد - الحالة الاجتماعية: متزوج- التحصيل العلمي: دكتوراه فلسفة في العلوم السياسية - علاقات دولية


- ضخامة الإنجاز وضعف الاستثمار
- بيئة محلية ودولية مناسبة
- عناصر بناء الإستراتيجية

لم تكن المقاومة العراقية بدعا بين نظيراتها من تجارب شعوب العالم في دفاعها عن النفس وكفاحها ضد الاحتلال لنيل الاستقلال.

وإذا كان الغموض وحالة عدم اليقين اللذان اكتنفا ظروف انبثاقها وتوجهاتها وكذلك حجم إنجازاتها قد شكلت في السنين الأولى من الاحتلال أحد أهم أسباب نجاحها, فإن هذه الخاصية لم تعد -طبقا لقانون المراحل التي تخضع له معظم تجارب المقاومة وحركات التحرر- تستجيب أو تنسجم مع المستجدات الحالية.

"
الدروس الصعبة التي على المقاومة استيعابها في المرحلة القادمة كثيرة، لعل من أهمها تلك التي تتعلق بغياب إستراتيجية واضحة وشاملة ومتعددة الأبعاد بعد أن تمكنت من إنزال هزيمة عسكرية قاسية بالقوات الأميركية
"
ثمة متغيرات جدية وعميقة طرأت على ما يمكن أن نطلق عليه "منضدة الرمل" أو ساحة الصراع في العراق، متغيرات سياسية واقتصادية على المستوى المحلي والإقليمي والدولي.

يرتب الفشل المتكرر للإستراتيجيات الأميركية في العراق بصفحاتها العسكرية والسياسية والاقتصادية على عاتق دوائر التخطيط لدى فصائل المقاومة العراقية مسؤولية إعادة تعريف الموقف وتقييم المرحلة السابقة بكافة نجاحاتها وإخفاقاتها، وطرح إستراتيجية بديلة خلاقة تنسجم مع المتغيرات الحالية وتسير بمرونة مع رغبات وتوجهات الشعب العراقي، مع الحفاظ الحازم وعدم التفريط في ثوابت مصلحة العراق العليا المتمثلة في الاستقلال الناجز ووحدة العراق والحفاظ على هويته العربية والإسلامية.

تساهم في صياغة هذه الإستراتيجية معظم مكونات الحركة الوطنية من هيئات وأحزاب وحركات وشخصيات لتشكل بوصلة للعمل الوطني على المديين القريب والمتوسط.

وتحاول بهذه الإستراتيجية أن تضمن استعادة المبادأة من يد الاحتلال ليس على مستوى الفعل العسكري فحسب، بل استعادة حواضن المقاومة على المستويين السياسي والاجتماعي بعد أن تمكنت بيوت الخبرة لدى دوائر الاحتلال بخبث في السنة المنصرمة من تحقيق بعض الاختراقات هنا أو هناك عبر ابتكارها ظاهرة الصحوات ومجالس الإسناد، مستغلة سياسة التجويع والقتل والتهجير والتنكيل وإثارة الفتنة الطائفية بغية استنزاف إرادة الشعب العراقي وإجباره في آخر المطاف على القبول والتطبيع مع الأمر الواقع.

إن الدروس الصعبة التي على المقاومة استيعابها في المرحلة القادمة كثيرة، لعل من أهمها تلك التي تتعلق بغياب إستراتيجية واضحة وشاملة ومتعددة الأبعاد، بعد أن تمكنت من إنزال هزيمة عسكرية قاسية بالقوات الأميركية، وكبدتها خسائر مادية وبشرية هائلة باعتراف معظم التقارير والتوصيات الحكومية الأميركية المستقلة، خاصة في الفترة من يوليو/تموز 2006 لغاية منتصف 2007.

ضخامة الإنجاز وضعف الاستثمار
بالعودة إلى تجارب شعوب أخرى في المقاومة نجد أن العدد الهائل من عمليات فصائل المقاومة العسكرية التي بلغت 164 ألف عملية منذ بدء الاحتلال حتى 2008، لا يمكن إلا أن يطلق عليها الباحث في بعض المراحل وصف ثورة شعبية، بمعنى أنها أكبر من مجرد عمليات كرّ وفرّ في حرب عصابات متقطعة.

ويكمن السر وراء هذا النجاح في التعاطف والتعاون والاندماج الكامل للمقاومة مع حاضنتها الاجتماعية، وهو اندماج يعد أحد أهم شروط نجاحها.

ومثلت معركة الفلوجة الأولى ذروة هذا الانسجام عندما قطعت كافة إمدادات قوات الجيش الأميركي على الأرض حتى أجبرت هذه القوات على طلب التفاوض مع ممثلي المقاومة لوقف إطلاق النار.

ضخامة هذا الإنجاز والانتصار رافقه ضعف وإهمال في الترصين والتوظيف أفقيا، لأن التركيز برمته تم على مسار واحد من الصراع ألا وهو العامل العسكري، وأهمل التكامل والتناغم مع العناصر الأخرى من الصراع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

هذه الفجوة أتاحت لدوائر الاحتلال القدرة على المناورة من خلالها والالتفاف على النجاحات العسكرية للمقاومة العراقية.

لقد شكل تعاطف الحاضنة الاجتماعية نسبة كبيرة من ثقل العمل العسكري المنجز في المرحلة السابقة، إلا أن غياب إستراتيجية واضحة للتعامل مع هذه الحاضنة سواء عبر توعيتها أو تحصينها وتنميتها اقتصاديا وإيجاد المنافذ المستدامة للتمويل وإدامة صمود المقاتلين، أدى إلى أن تفقد فصائل المقاومة عشرات الآلاف من الشباب الذين كانوا احتياطيا مساندا لها، فانخرطوا خلال أشهر قليلة في برامج الصحوات ومجالس الإسناد التي تعد التفافا ناجحا حققته قوات الاحتلال في الميادين الاجتماعية والاقتصادية من الصراع مما أتاح لقواتها فرصة التقاط أنفاسها.

"
على مستوى العملية السياسية التي صممت في العراق لتكون المكملة لمشروع الاحتلال، هناك انهيار وفشل تام في ملفات كالمصالحة الوطنية وإعادة النظر في الدستور وتمرير قانون النفط ومشكلة كركوك
"
بيئة محلية ودولية مناسبة
جرّبت الولايات المتحدة الأميركية منذ احتلالها أربع إستراتيجيات في تعاملها مع الملف العراقي باءت جميعها بالفشل، وكان آخرها إستراتيجية "الطريق الجديد.. إلى الأمام" وأمدها 18 شهرا انتهت يوم 31 يوليو/تموز 2008.

كان من المؤمل أن تتوج هذه الإستراتيجية باتفاقية أمنية طويلة الأمد، وتجسد الفشل على المسارين الأمني والسياسي، إذ بني التحسن الأمني المزعوم على عناصر هشة.

فالصحوات حاليا قيد التحلل والتفكك، والهدنة مع جيش المهدي غير مضمونة ومرتبطة بمشيئة دولة إقليمية مجاورة وبمزاج قيادة التيار الصدري.

كما أن القوات الحكومية التي مضى على تشكيلها أكثر من خمس سنوات لم ترتق إلى ما كان مخططا له، لتكون جيشا وطنيا يتحمل المسؤولية الأمنية.

ويكمن السبب في عدم جهوزيتها في أنها تشكلت من مجموعة مليشيات وأن عقيدتها تقوم أساسا على مبدأ المحاصة الطائفية، وتتوزع ولاءاتها بين أحزابها ومرجعياتها الدينية الطائفية، إضافة إلى أنها لغاية الآن لم تجهز بسوى أسلحة خفيفة.

على مستوى العملية السياسية التي صممت في العراق لتكون المكملة لمشروع الاحتلال، هناك انهيار وفشل تام في ملفات كالمصالحة الوطنية وإعادة النظر في الدستور وتمرير قانون النفط ومشكلة كركوك.

وأدى تخلف الهياكل السياسية التي قامت على قاعدة المحاصصة الطائفية والعرقية كالدستور والبرلمان والحكومة إلى أن يكون الحراك السياسي الشعبي بعد ست سنين أكثر وعيا بمخططات الاحتلال، كما أن الطبقة السياسية الطائفية التي قدمت معه أصبحت أكثر عزلة ولا تحظى بأي مساندة أو تعاطف من كافة شرائح المجتمع.

من جانب آخر شهدت البيئة الدولية متغيرات سريعة وإيجابية تستطيع فصائل المقاومة العراقية استثمارها لصالح قضية العراق، لا سيما أن الولايات المتحدة باتت مقيدة أكثر من ذي قبل ومتورطة ومستنزفة في تحديين إستراتيجيين في آن واحد، مما حرمها القدرة على مواجهة أي تحد ثالث.

انتفاضة الروس في جورجيا لاستعادة دورهم ومجالهم الحيوي أحد نتائج المقاومة العراقية، كما أن الانهيار الاقتصادي الحاد الأخير في قطاع الاستثمار المصرفي الذي يمثل عصب القوة في الولايات المتحدة جاء ليكمل عوامل الخور والانكفاء الأميركي الذي سيترك أثرا سريعا على الوضع في العراق، أو على الأقل سيحد من قدرة أميركا على تمويل الحرب لفترة طويلة.

"
أول شروط رسم الإستراتيجية الشاملة والمتناغمة ونجاحها، وحدة العمل المسلح إذ هو الشرط والمفتاح الرئيسي الذي يشكل خط الشروع
"
عناصر بناء الإستراتيجية
تمر فصائل المقاومة العراقية حاليا بمنعطف يمكن أن نطلق عليه "الفراغ الإستراتيجي" بمعنى الافتقار إلى التناغم والترابط بين عناصر إستراتيجية المقاومة.

فالبناء الإستراتيجي الشامل للمقاومة العراقية لا يزال مبعثرا ومفككا ويحتاج إلى إعادة ترميم وتجميع وإعادة إنتاج طبقا لنظرة متكاملة الأبعاد غير تجزيئية.

وتتوزع عناصر بناء أي إستراتيجية ناجحة من الناحية النظرية إلى أربع مراحل: المسح والدراسة أي دراسة البيئة الداخلية والخارجية، ثم صياغة الإستراتيجية أي تحديد الأهداف والإستراتيجيات الفرعية، وتنفيذ الإستراتيجية أي إعداد البرامج والإجراءات، ثم التقييم والرقابة أي الرقابة السياسية والاقتصادية والعسكرية والإعلامية.

تشير كل من البيئتين المحلية والدولية إلى وجود ظروف مشجعة ومناسبة توفر عنصر الإنجاز العسكري للمقاومة العراقية وتسمح لها بالنجاح في عبور عنق الزجاجة، والمطاولة وتحقيق مبدأ النفس الطويل أو ما يسمى "إستراتيجية الإنهاك بالملل" عبر الاستنزاف المستمر لقوات ومعدات الاحتلال الأميركي.

ينبغي الشروع في صياغة مفردات الإستراتيجية القادمة، خاصة في مستوياتها الاجتماعية والسياسية والإعلامية، بهدف استعادة دور الحاضنة الاجتماعية والسياسية تمهيدا لمسك الأرض وإنهاء الظواهر الشاذة وتصفية إفرازات وتداعيات الاحتلال.

ولعل من أول شروط رسم الإستراتيجية الشاملة والمتناغمة ونجاحها، وحدة العمل المسلح إذ هو الشرط والمفتاح الرئيسي الذي يشكل خط الشروع.

وغياب هذا الشرط سيجعل أي جهد في هذا المضمار ضربا من ضروب الأوهام وضياعا للجهد والدماء، وبدونه ستغدو المقاومة ذكرى جميلة من الماضي.

المقصود بهذا الشرط المفتاح هو وحدة العمل المسلح وتشكيل مجلس وطني للمقاومة العراقية ليشكل رافعة العمل الوطني المقاوم للاحتلال برمته.

ويكون من أول واجبات هذا المجلس في هذه المرحلة ترجمة إنجازات المقاومة وانتصاراتها إلى مشروع وطني شامل.

هذا الشرط هو وحده الكفيل بتحقيق انتقالة نوعية في منحنى الصراع، ويضخ الآمال من جديد في عروق الملايين من العراقيين الذين اختلطت عليهم الحقائق وينتظرون هذه الولادة بفارغ الصبر.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك