محمد الأمين محمد الهادي

- المحاكم وقوى المقاومة
- تدجين الإسلاميين
- الحكومة الانتقالية
- واقع متأزم

- آفاق المستقبل

لا تخرج القضية الصومالية من أزمة تعصف بها حتى تدخل في أزمة أخرى في دوامة تثير السخط والعطف.

وتتوالد في مسار الأزمة تساؤلات في ظل تغير مواقف الأطراف الفاعلة فيها حيث يتلاقى الأعداء ويفترق الأصدقاء في صراع يستخدم فيه الدين والقبيلة وتلعب بخيوطه أطراف إقليمية ودولية توجهها حسب مصالحها الإستراتيجية مستغلين هؤلاء المرضى بجنون الزعامة والسلطة ولو على جماجم الشعب أو على ظهور دبابات وصواريخ أعدى أعدائهم.

وفي آخر فصولها يبدو مسار الأزمة مثيرا للدهشة ويلقي تساؤلات عن مآلات القضية الصومالية في المستقبل القريب والبعيد في ظل الصراع الدائر بين الإسلاميين والحكومة الانتقالية من جانب وبين كل منهما ومكوناته الأساسية من جانب آخر، مما أدى إلى تغيير المواقف والتصريحات.

فما الذي أوصل الأمور إلى هذا الوضع وما الذي سيؤدي إليه في المستقبل؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا المقال حسب ما يسمح به المقام.

المحاكم وقوى المقاومة
بدأت عملية التشرذم والتفرق في الرؤى داخل مكونات المحاكم الإسلامية منذ انفراط عقدها بعد الاحتلال الإثيوبي للصومال أواخر ديسمبر/كانون الأول ٢٠٠٦م، وتشكلت مجموعات تمثل رؤى مختلفة حول التعاطي مع القضية الصومالية وإن كانوا موحدين حول مبدأ مواجهة الاحتلال والحكومة التي جاءت به، ولكنهم يختلفون حول الهدف من هذه المقاومة.

فبعضهم توقف عند إخراج المحتل وإسقاط الحكومة ثم إشراك الصوماليين كلهم في إنشاء حكومة تمثل الشعب بكل أطيافه، وهذا هو موقف معظم الإسلاميين الموصوفين بأنهم معتدلون. وبعض آخر رأى أن من الضروري بعد الاحتلال وإسقاط الحكومة الانتقالية العميلة أن تنشأ دولة إسلامية صومالية تطبق الشريعة.

"
التشرذم والتفرق في الرؤى داخل مكونات المحاكم الإسلامية بدآ منذ انفراط عقدها بعد الاحتلال الإثيوبي للصومال وتشكلت مجموعات تمثل رؤى مختلفة حول التعاطي مع القضية الصومالية وإن كانوا متفقين على مبدأ المقاومة
"

وهناك فريق ثالث يؤمن بمواصلة الجهاد بعدها لتحرير بقية أجزاء الصومال من براثن الاحتلال الإثيوبي والكيني في سبيل إنشاء دولة إسلامية قومية تكون هي الأكبر في القرن الأفريقي ودعم المستضعفين في العالم وتمثل هؤلاء مجموعة حركة الشباب المجاهدين ومجموعة رأس كيامبوني بقيادة الشيخ حسن تركي.

وقد تمكن المعتدلون من جمع القوى المشاركة في المقاومة الداعمة لها داخليا وخارجيا ليؤسسوا تحالف إعادة تحرير الصومال في سبتمبر/أيلول ٢٠٠٧م الذي جمع اتحاد المحاكم الإسلامية والبرلمان الحر والمهجر الصومالي وبعض الأعيان. وتباينت رؤى المؤسسين فصيغ الميثاق الأساسي بشكل توافقي ولكن الرؤية المعتدلة كانت لها الغلبة.

وكان الهدف توحيد الجهود وإيجاد صوت يتحدث باسم المقاومة خارجيا ويخوض المعركة الدبلوماسية لشرح قضية الصومال وضرورة إخراج الاحتلال من الصومال وحشد الدعم للمقاومة في الداخل.

ومنذ أن أعلن عن التحالف لم يعجب مضمون الميثاق ولا المشاركون في المؤتمر ومكان انعقاده حركة الشباب المجاهدين، فأعلنوا رفضهم لهذا التحالف وهم منذ ذلك الحين يعملون بشكل منفصل علنا ويتبنون الأيديولوجية القاعدية.

وبعد أقل من شهر أعلن عن تأسيس الجبهة الإسلامية لتحرير الصومال، وكانت تمثل مجموعات الاتحاد التي لم يعجبها الانخراط في تحالف أنشئ على أساس وطني ولا يوضح مرجعيته الإسلامية ولا أهدافه في إنشاء دولة إسلامية. ويضم علمانيين ولا يتبنى الجهاد علنا بل يخوض المعركة باسم المقاومة. وبقيت مجموعة من قيادات الاتحاد داخل التحالف محاولة تسيير دفة الأمور إلى الوجهة التي ترضيها.

ورغم أن صوت الشباب والجبهة الإسلامية لإنقاذ الصومال لم يكن لا بعدده ولا بعتاده ولا بخبرته السياسية بمستوى التحالف فإن خروجهم عن التحالف جعل الخلاف الأيديولوجي الذي يحتدم داخل قوى المقاومة يخرج للعلن.

تدجين الإسلاميين
توصلت الولايات المتحدة وإثيوبيا والغرب عموما بعد عامين من المواجهة مع المقاومة الصومالية إلى نتيجة مفادها أن الحسم العسكري مع المقاومة الإسلامية والشعبية مستحيل وأن تقوية ودعم الحكومة الانتقالية لن يأتي بنتيجة ما لم تغير بعض قياداتها لجعلها مقبولة لدى الشعب.

ولعلمها بأن المقاومة الإسلامية بوضعها الحالي لا يمكن القبول بكونها طرفا مشاركا في السياسة الصومالية، سعت إلى تفتيتها وتدجين من يمكن تدجينه منها ليدخل في عملية التجميل السياسي المطلوب لمؤسسات الحكومة الفدرالية ليكون مقبولا.

وجرى في لقاءات عديدة إلقاء الطعم بعد الطعم لاصطياد من تسميهم الدوائر الغربية بالمعتدلين لإبعادهم عن المتشددين. وتوجت هذه المساعي بتكليف ممثل الأمين العام للأمم المتحدة أحمدو ولد عبد الله في الصومال بعد إقالة سلفه الذي اتهم بأنه لا يقوم بدوره على الشكل المطلوب.

"
بسبب علم أميركا وإثيوبيا والغرب بأن المقاومة الإسلامية بوضعها الحالي لا يمكن القبول بكونها طرفا مشاركا في السياسة الصومالية، سعت إلى تفتيتها وتدجين من يمكن تدجينه منها ليدخل في عملية التجميل السياسي المطلوب لمؤسسات الحكومة الفدرالية
"
وجاء اختيار ولد عبد الله لأسباب غير مذكورة منها أنه يأتي من نفس الخلفية البدوية الرعوية القبلية التي تمثلها الحالة الصومالية وهي موريتانيا، وأيضا لطمأنة الجانب العربي والإسلامي، ولقدرته على كسب ثقة الإسلاميين والعروبيين في الصومال.

واستطاع ولد عبد الله إقناع قيادة التحالف وفريق من الحكومة الصومالية الانتقالية بالبدء في مفاوضات بدأت بطريق غير مباشر ثم انتقلت إلى المباشرة والعناق المتبادل.

وقد أغضبت مسألة الخوض في المفاوضات أطرافا داخل التحالف والدولة المضيفة للتحالف (إريتريا) وحصل أول انقسام تولد منه جناحا أسمرا وجيبوتي.

وبالرغم من أن جناح جيبوتي كان يحظى بالأغلبية وبوجود زعيمي أهم طرفين في التحالف هما المحاكم والبرلمان الحر وهما رئيس المجلس التنفيذي ورئيس المجلس التشريعي في التحالف مما أكسبه قوة أدبية تُوّجت بتشريع المفاوضات بعد مصادقة المجلس التشريعي على نتائج جولتها الأولى، فإن الطرف الآخر كان يضم قيادات في الصف الإسلامي لا تمكن الاستهانة بها وإن لم تكن تحمل في داخل التحالف صفة رسمية.

ورأت قيادات جناح جيبوتي من التحالف أنهم حققوا إنجازا مهما بإقناع العالم بالاعتراف بكونهم طرفا أساسيا في صياغة مستقبل الصومال وإبعاد تهمة الإرهاب عن المقاومة والتحالف، ودخلوا في مرحلة جديدة تقتضي لعب أدوار جديدة واللعب بأوراق جديدة ليس التحالف على بينة منها ولا دراية كافية بها ولا على توافق على جميعها بل أبعد من ذلك لا يملك خبراتها.

واعتقد جناح جيبوتي أنه حقق اختراقا للمجتمع الدولي وأنه في طريقه لتحقيق هدفه العسكري وهو إخراج الاحتلال الإثيوبي العسكري وهدفه السياسي المتمثل في إخراج القضية الصومالية من تحت وصاية منظمة الإيغاد ومن ورائها إثيوبيا وكينيا وهي المنظمة التي شقيت بها القضية الصومالية منذ بدايتها حيث هندست لاستمرار الأزمة ومراوحتها مكانها.

وكان التفاوض مع الحكومة عبر الأمم المتحدة وعدم القبول بوجود إثيوبيا في جلسات التفاوض يعتبر محققا لهذا الهدف السياسي، حيث إنه سيتوج بإدخال هذه العناصر التي لا ترضى بوصاية إثيوبيا وسيطرتها على الصومال عسكريا وسياسيا، وستتمكن من إفشال المخطط الإثيوبي من خلال الدخول في المؤسسات التي ستخضع في النهاية لصوت الشعب الذي لا شك سيلفظ عملاء إثيوبيا مرة واحدة إذا سمح له بأن يعبر عن رأيه.

ومن خلال فتح باب التفاوض بدأت عملية -لم يتنبه لها معظم أعضاء التحالف ووفد التفاوض- تهدف إلى تدجين الإسلاميين والوطنيين داخل التحالف ليقبلوا بما ينبغي عليهم القبول به ثمنًا لإشراكهم في السياسة الصومالية ودمجهم مع الحكومة الانتقالية.

وكان المشرفون على المفاوضات من الأمم المتحدة والدبلوماسيين الغربيين قد وجدوا فرصة لدراسة التحالف عن قرب ومعرفة مكامن قوته وضعفه وكان الإتيان بسفير إثيوبيا لدى جيبوتي وإشراكه في جلسات الحوار بالون اختبار -يرتد فيه وفد التحالف إلى الوراء- بعد أن وافق التحالف على الجلوس وجها لوجه مع ممثلي الحكومة التي كانت بالأمس القريب تعتبر عميلة للاحتلال.

وتسبب الدخول في التفاوض في تشتيت جهود التحالف وقوته ميدانيا ولا سيما القوة الإسلامية فيه المتمثلة بالمحاكم الإسلامية، ونتج عن ذلك أن تعززت قوى أخرى استفادت من الوضع لتبرز نفسها على أنها المقاومة الحقيقية فرفضت مسبقا الانضواء تحت لواء التحالف، على رأسها "حركة الشباب المجاهدين" وانضمت إليها مجموعة رأس كيامبوني التي يقودها الشيخ حسن تركي. وبدأت أصوات من هذا الفريق تقول بتكفير قادة التحالف بجناحيه لأنهم "ركنوا إلى الذين ظلموا" والذين كفروا وعليه "فستمسهم النار".

أما المجموعة التي أتت تحت لواء التحالف فقد كانت منقسمة بالرغم من عدم إعلان انشقاقها عن قيادة المحاكم. ولكن كان يظهر وقوعها في الحرج أمام الآخرين من مضمون الاتفاقيات التي سيوقعها جناح الشيخ شريف فيما بعد والتي بدت فارغة عن أي مضمون يحفظ لهم ماء وجوههم. ولكنها كانت تحتفظ بمواصلة المقاومة وضرب العدو وإيلامه هو وأولئك الذين يتترس بهم من الحكومة العميلة.

وكانت إثيوبيا في البداية منزعجة من مسار التفاوض الذي يجري في جيبوتي وواعية لأهداف التحالف من ورائه ولكن جرت طمأنتها مرارا من قبل المجتمع الدولي ومن قبل فريق الأمم المتحدة المشرف على التفاوض. وكانت هناك جهود مكثفة تجري من وراء الكواليس تقوم بها أطراف إقليمية لم يكن حتى أكثر الأعضاء من الفريق المفاوض في جناح جيبوتي على علم بها.

هدف هذه المفاوضات هو تدجين زعيم التحالف الشيخ شريف باستخدام الجزرة في معظم الأحيان وإطماعه بأن مستقبل الصومال سيكون بيد التحالف وبيده شخصيا إذا قام بطمأنة الجانب الإثيوبي كي لا يعارض ذلك.

"
بعض المراقبين الصوماليين اعتبروا قبول الشيخ شريف المشاركة والظهور في مؤتمر إيغاد خطأ تاريخيا وإستراتيجيا حيث أضاع بمشاركته هذه جهود التحالف في تحقيق هدفه السياسي المتمثل في إبعاد إيغاد وإثيوبيا عن القضية الصومالية
"
وكانت نتيجة ذلك المفاجأة التي أدهشت الجميع هي مشاركة الشيخ شريف في قمة الإيغاد التي يرأسها مليس زيناوي رئيس وزراء إثيوبيا الغازي للصومال في نيروبي وجلوسه أمامه كأحد مريديه مستمعا لخطابه الموبخ للحكومة الانتقالية التي أسستها الإيغاد، وسكوته على مقررات القمة وتوصياتها التي جعلت الصومال بلدا تحت وصايتها.

واعتبر عدد من المراقبين الصوماليين داخل التحالف وخارجه قبول الشيخ شريف المشاركة والظهور في هذا المؤتمر خطأ تاريخيا وإستراتيجيا حيث أضاع بمشاركته هذه جهود التحالف في تحقيق هدفه السياسي المتمثل بإبعاد الإيغاد وإثيوبيا عن القضية الصومالية. ومن هذا المنطلق رفض فريق من أعضاء التفاوض السفر مع الشيخ شريف إلى هذه القمة بل نصحه بعدم المشاركة فيها ولكنه كان قد حزم أمره.

وقد أوضحت هذه القمة الأمور أكثر للرئيس عبد الله يوسف بأنه غير مرغوب فيه وأنه ورقة محروقة وينبغي الإتيان بلاعبين جدد على الساحة الصومالية من الآن فصاعدا، ولكنها أعادت القضية إلى نقطة البداية.

وتبع ذلك زيارة الشيخ شريف المفاجئة أيضا للصومال والتقائه بقادته الميدانيين. وكانت الزيارة تهدف إلى مسح آثار مشاركته في قمة الإيغاد، وإثبات أنه ما زال الزعيم الحقيقي للتحالف والمحاكم الإسلامية، بالإضافة إلى إقناع القادة الميدانيين في الداخل وزعماء العشائر -الذين أعلنوا رفضهم لآخر اتفاق أبرمه التحالف في ٢٧ أكتوبر/تشرين الأول ٢٠٠٨م - بتبني وجهة نظره والعمل معه في إنجاح وتطبيق مضمون الاتفاقية ولكن يبدو أنه حقق القليل من النجاح في هذا المجال.

الحكومة الانتقالية
لم تكن الحكومة بمنأى عن هذه الانقسامات التي عرفت بها بل إنها ازدادت هوتها بين الفريق الذي يؤمن بالتفاوض مع التحالف وعلى رأسه رئيس الوزراء نور حسين عدي والفريق المناوئ لهم بقيادة رئيس الدولة عبد الله يوسف.

ولكن الرئيس يوسف بدا مقصوص الجناح بعد أن بدأت إثيوبيا تقوي من أزر الطرف الآخر وتدعمه ضده لأسباب تتعلق بحساباتها الإستراتيجية.

وبعد مؤتمر قمة الإيغاد تأزمت خلافات أعضاء الحكومة الانتقالية وتفجرت بينهم بشكل لم يسبق له مثيل بعد تيقن عبد الله يوسف من أن كل الإجراءات التي يتم اتخاذها من الآن فصاعدا تهدف إلى إقصائه عن سدة الحكم وإدخال الفرسان الجدد في ساحة المعركة، وأنه فاقد لنصيره الأساسي الذي أتى به إلى الحكم وهو إثيوبيا.

ومعروف تشبث عبد الله يوسف بالحكم بكل ثمن وبهذا يمكن تفسير كل محاولاته اليائسة لعرقلة ذلك أو تأخيره ومنها رفضه المصادقة على تشكيلة الحكومة التي شكلها رئيس وزرائه نور عدي، وإعلانه العجيب الغريب أنه لا توجد حكومة شرعية في الصومال وأن البلاد وقعت تحت قبضة الإسلاميين.

ولهذا بدأ رحلة البحث عن مخرج من أزمته فذهب إلى ليبيا لعلها تكون حبل إنقاذ له من البئر التي وقع فيها، ويحاول من هناك أن يستنجد بالزعيم الليبي لينقل عملية السلام الصومالية إلى ليبيا. ولكن يبدو أن الأمل في تحقق شيء من ذلك قليل جدا.

واقع متأزم

"
أمام الوضع المتأزم بين أطراف الحكومة والمقاومة استفادت حركة الشباب المجاهدين وقوّت نفسها وتمكنت من السيطرة على مدن ساحلية إستراتيجية وأصبح مقاتلوها على مشارف مقديشو العاصمة التي جعلوها بين فكي كماشة
"
نحن الآن أمام واقع تنذر شواهده بمآلات لا يمكن التنبؤ بها ويغلب على الظن أنها لن تكون لصالح الشعب الصومالي. فالإسلاميون ومعهم المقاومة قد تم تدجين بعضهم إلى حد دفعهم إلى هاوية السقوط في بئر الخيانة، ودفع بعضهم إلى حافة التطرف والتشدد ليخطب ود القاعدة، واتجه آخرون إلى العمل على وقع المصالح الشخصية والقبلية.

ووصل الحد إلى تكفير بعضهم بعضا مما ينذر باندلاع معارك بين الإسلاميين أنفسهم يبرز معها أمراء حرب جدد للصومال ولكن بزي ديني يكون التجييش فيها باسم الدين بدل القبيلة. وهذا أسوأ العواقب.

أمام هذا الوضع المتأزم بين أطراف الحكومة وأطراف المقاومة استفادت حركة الشباب المجاهدين وقوت نفسها وتمكنت من السيطرة على مدن ساحلية إستراتيجية هي عصب الحياة في الجنوب من كسمايو إلى مركة وأصبح مقاتلوها على مشارف مقديشو العاصمة التي جعلوها بين فكي كماشة. ووضعت الجميع الحكومة والقوات الإثيوبية والمجاميع الأخرى من المقاومة أمام الأمر الواقع.

آفاق المستقبل
والسؤال الذي يطرح نفسه أمام تقدم الشباب نحو مقديشو هو: هل سيسمح الوضع الإقليمي والدولي بعودة أشد الإسلاميين تطرفا وسيطرتهم على الصومال مرة أخرى؟

دوليا هناك متغير مهم يأمل الصوماليون أن يسهم ولو عن طريق غير مباشر في حل مشكلتهم وهو رحيل بوش وفريقه من المحافظين الجدد عن البيت الأبيض وقدوم زعيم أسود يعد بالتغيير في التعامل مع الملفات الدولية وستندرج الصومال ضمن هذه الملفات.

فقد كانت الإدارة السابقة ترى أن الصومال ساحة مواجهة مع الإرهاب واستفادت منها إثيوبيا لتمرير مشروعها وربطه بالمشروع الأميركي.

وبتولي الإدارة الديمقراطية الجديدة التي يوجد من بين أعضائها في الكونغرس من يدعو إلى سحب القوات الإثيوبية من الصومال وإيجاد حكومة يتوافق عليها الشعب الصومالي حتى يستقر الوضع هناك، يمكن أن لا يجد المشروع الإثيوبي ذلك الدعم الذي وجده من الإدارة السابقة. لذلك يمكن أن يستفاد منها لإنهاء الأزمة الصومالية حسبما يرى بعض المراقبين.

ولكن لا ينبغي أن نحلم كثيرا، فمما لا شك فيه أن القوى الدولية والإقليمية ما زالت على موقفها من عدم القبول والسماح لإسلاميين أيا كان انتماؤهم معتدلين أو متشددين بأن يستفردوا بالحكم في الصومال لأسباب كثيرة، وهي من باب أولى لن تسمح بسيطرة قوة تتهم بولائها للقاعدة على الصومال البلد الإستراتيجي.

"
مع اقتناع القوى الإقليمية والدولية بأن منع الإسلاميين من الحكم نهائيا لا يمكن تحقيقه أصبحت مستعدة للقبول بضم القوى الإسلامية المعتدلة وإشراكها في السلطة، ولكن ليس بالاستحواذ عليها، وحتى هؤلاء لا بد من أن يؤمن جانبهم أولا قبل أن يسمح لهم بشيء
"
ولذلك فلا يمكن أن نتوقع أن يتم السكوت عن ذلك، والاستمرار في الحلم به هو استمرار لمعاناة الشعب الصومالي المنهك من القتال والتشرد.

فمع اقتناع القوى الإقليمية والدولية بأن منع الإسلاميين من الحكم نهائيا لا يمكن تحقيقه حسب الخبرة المكتسبة أصبحت مستعدة للقبول بضم القوى الإسلامية المعتدلة وإشراكها في اقتسام السلطة ولكن ليس بالاستحواذ عليها، وحتى هؤلاء لا بد أن يؤمن جانبهم أولا قبل أن يسمح لهم بشيء.

إقليما نجد إثيوبيا منهكة مما تلقته من ضربات المقاومة ومن تشوه صورتها لدى منظمات حقوق الإنسان العالمية بسبب ما اقترفته من جرائم ضد الإنسانية في الصومال. لذلك نجدها تقول دائما إنها غير مستعدة للاستمرار في دعم الحكومة الصومالية المؤقتة "إلى أجل غير مسمى" وتظهر نفسها على أنها حريصة على إنجاح عملية السلام واتفاقية جيبوتي.

ولكنها تخطط لأمر آخر وهو أن تسحب قواتها إلى الحدود لمراقبة الوضع، وتقول إن ذلك تنفيذ لاتفاقية جيبوتي وتظهر بأنها حقا حريصة على السلام في الصومال.

ولكنها لم تفعل ذلك إلا بعد أن تأكدت من أنها أعادت القضية الصومالية إلى أدراج منظمة الإيغاد التي تتحكم فيها، وتأكدت أيضا أنها لن تخلف حكومة تستطيع أن تعيش فإما أن تنهار كليا وتندلع معارك السيطرة على الحكم مرة أخرى بين كل الأجنحة، وإما أن تتكون الحكومة التي تبشر بها اتفاقية جيبوتي والتي لن تصبح مقبولة من قبل العديد من قوى المقاومة، وسيتحتم حينئذ مواجهتها بالقوة.

فقد نجحت إثيوبيا في زرع بذور الشقاق والنزاع بين القبائل حيث صورت في كل مرحلة أنها مع طرف دون آخر، وهذا سيتفجر بعدها ليؤثر على المقاومة التي لم تتحصن بعد من تأثير القبيلة عليها وليعود كل إلى قبيلته ليتقوى بها.

وبما أنه لا يمكن الفصل بين الديني والقبلي والسياسي في الصومال إذ في كل ذيول للآخر، فقد نشهد اصطفافات قبلية ودينية تفاقم من معاناة الشعب.

"
على الشعب الصومالي أن لا ينخدع بالمسرحيات التي يجري تمثيلها وأن يعمل على تقوية مؤسساته وإشراك الجميع في الحكم, وعلى الدول العربية أن تتحرك بعد أن  أصبحت نذر انهيار الدولة في الصومال تصل إليهم عبر القرصنة البحرية
"
وحينئذ تكون الفرصة سانحة لأن تتخذ المنظمات الإقليمية أو الدولية مثل الإيغاد أو الاتحاد الأفريقي أو الأمم المتحدة قرارات جديدة إما بتقوية قوات "حفظ السلام" الأفريقية الموجودة حاليا وهو ما يتم طبخه حاليا في أروقة منظمة الإيغاد. وربما ستحول فيما بعد إلى قوات "فرض السلام" وستكون إثيوبيا مستعدة للمشاركة فيها تحت هذا المسمى أو ذاك ولكن ليس بعد خروجها مباشرة.

وقد أعلنت كينيا مؤخرا استعدادها للمشاركة في ذلك. وهكذا يكون الاحتلال قد خرج من الباب ليعود من الشباك.

وعلى الشعب الصومالي وفعالياته السياسية أن لا ينخدعوا بالمسرحيات التي يجري تمثيلها وأن يعملوا على تقوية مؤسساته وإشراك الجميع في الحكم حتى لا يكون هناك مبرر لشن حرب سواء تحت مسمى قبلي أو ديني.

والدول العربية التي اكتفت في الغالب بالمشاهدة عليها أن تتحرك ليس فقط لصالح الصومال بل لصالح العرب أنفسهم الذين أصبحت نذر انهيار الدولة في الصومال تصل إليهم عبر القرصنة البحرية التي تستخدمها قوى دولية مبررا لتدويل أمن البحر الأحمر والسيطرة عليه.
ـــــــــــــ
كاتب صومالي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك