علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

-الطريق الوعر أمام المؤتمر السادس
-إقلاع اللجنة التحضيرية كان وئيداً للغاية
-الوجبة الدسمة التي قدمت للقدومي
-حلول ترقيعية وتوفيقية
-احتمال التأجيل لوقت طويل

مازالت المساعي التي تبذلها اللجنة التحضيرية للإعداد لأعمال المؤتمر العام السادس لحركة فتح تسير على طريق غير سلس على الإطلاق، بل على طريق صعب.

الطريق الوعر أمام المؤتمر السادس
جاءت وعورة الطريق نتاجاً للأحداث المتراكمة الداخلية في بنية حركة فتح منذ مؤتمرها العام الخامس الذي عقد قبل عشرين عاماً في العاصمة التونسية، ومحصلة للأوضاع السلبية التي تعيشها في حياتها التنظيمية الداخلية التي بدأت تغلي وترتفع في مختلف المفاصل التنظيمية في الداخل والشتات في ظل حالة الترهل المؤسساتي، وانفلات الأوضاع وفق ما يعرف باسم "تعدد المرجعيات والمنابر" وسيطرة تيارات وأجنحة معينة على موقع القرار التنفيذي على الأرض.

فضلاً عن استمرار التباينات الداخلية داخل حركة فتح في جانبها السياسي المتعلق بتقييم المرحلة الطويلة الممتدة من اتفاق أوسلو الأول مروراً بمؤتمر أنابوليس وما بعده، حيث يتمحور الخلاف السياسي داخل حركة فتح بين اتجاه يرى أن المفاوضات مع الإسرائيليين هي الحل والخيار الوحيد رافعاً شعار المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، وبين اتجاه يرى أن كل الخيارات يجب أن تبقى مطروحة، بما في ذلك العودة للبدائل المتمثلة باستمرار النضال بكافة أشكاله ومنه الكفاح المسلح لإنهاء الاحتلال.

هذا إذا ما أضفنا للأزمات السابقة ما يجري حالياً من صراعات داخل أجنحة حركة فتح والسلطة الفلسطينية مع تعالي الأصوات الفتحاوية المنادية باستعادة موقع رئاسة "وزارة رام الله" من يد سلام فياض الذي تعتبره غالبية الكوادر الوسطى وقواعد حركة فتح رجلاً قادماً من خارج عباءة الحركة الوطنية الفلسطينية.

"
يتمحور الخلاف السياسي داخل حركة فتح بين اتجاه يرى أن المفاوضات مع الإسرائيليين هي الحل والخيار الوحيد رافعا شعار المفاوضات ثم المفاوضات ثم المفاوضات، وبين اتجاه يرى أن كل الخيارات يجب أن تبقى مطروحة
"
وهو ما حدا بالسيدة انتصار الوزير (أم جهاد) عضوة اللجنة المركزية لحركة فتح وأرملة الشهيد أبو جهاد للقول "إن هناك شعورا لدى العشرات من قيادات حركة فتح بأن هناك مخططا لإنهاء الحركة بإضعافها أولاً ومن ثم تهميش دورها".

كما رأت انتصار الوزير أن هناك "فئة حول الرئيس عباس لا يعنيها أمر فتح، ومنهم سلام فياض وحكومته التي أحالت على التقاعد أكثر من ستة آلاف كادر فتحاوي غالبيتهم ممن لم يصل إلى سن التقاعد".

وما زاد من تعقد حالة الأوضاع الفتحاوية الداخلية الصعبة، توالد حالات من أشكال الاحتراب الداخلي غير المسؤول بين عدد من المفاصل القيادية التنظيمية والعسكرية والأمنية، وانقطاع اللجنة المركزية عن إتمام اجتماعات عملها النظامية بحضور النصاب الحقيقي، واقتصارها على الحضور فقط، وبغياب فاق في غالبية اجتماعاتها أكثر من الثلثين، فباتت اللجنة المركزية معطلة تماماً، وغائبة عن تقرير مصير العمل والبرنامج الفتحاوي.

ولا يخفى على أحد حالة التنافر السلبية الحادة والمتولدة لأسباب سياسية وتنظيمية بين الرئيس محمود عباس وأمين سر اللجنة المركزية لحركة فتح فاروق القدومي الذي يعتبر نفسه بمثابة آخر المرجعيات التاريخية المؤسسة لحركة فتح.

إقلاع اللجنة التحضيرية كان وئيداً للغاية
وفي هذا السياق، كانت اللجنة التحضيرية المكلفة بالإعداد والتحضير لأعمال المؤتمر السادس لحركة فتح قد تشكلت قبيل وفاة الرئيس ياسر عرفات بسنة واحدة تقريباً، حين قرر الراحل عرفات ضرورة عقد مؤتمر للحركة وشكل لجنة تحضيرية من المجلس الثوري واللجنة المركزية لبحث ترتيب عقد مؤتمر الحركة.

إلا أن إقلاع اللجنة في عملها كان إقلاعا وئيداً للغاية، لأسباب تخفي ما وراءها من ألغاز في ظل رغبة عدد كبير من "عتاولة" فتح بتعطيل عقد المؤتمر خشية من الاستحقاقات التنظيمية التي قد تترتب على نتائجه، من إطاحة بمواقعهم التي طالما بقيت محجوزة لهم.

ومن هنا فإن تواتر اجتماعات اللجنة بقي محدوداً إلى أن أقلعت واجتمعت العام الفائت والجاري أكثر من عشر مرات في العاصمة الأردنية عمان للتحضير لأعمال لمؤتمر.

"
إقلاع اللجنة في عملها كان إقلاعا وئيداً للغاية، لأسباب تخفي ما وراءها من ألغاز في ظل رغبة عدد كبير من "عتاولة" فتح بتعطيل عقد المؤتمر خشية من الاستحقاقات التنظيمية التي قد تترتب على نتائجه، من إطاحة بمواقعهم التي طالما بقيت محجوزة لهم 
"

وفي هذا السياق، فإن أعمال اللجنة التحضيرية اصطدمت مرات عديدة بالعثرات والمطبات المتعلقة بإعداد تقارير المؤتمر التنظيمية والسياسية، وبتركيبة المؤتمر وعضويته ومعايير العضوية فيه، وعدد ممثلي العسكريين، والتنظيم، ومكان انعقاده .. الخ.

وفي حينها كان قد تقدم ناصر القدوة بمشروع التقرير السياسي بورقته الأولى التي أثارت موجة كبيرة من الانتقادات عند القاعدة الفتحاوية العريضة بسبب إسقاط "الورقة الأولى/التقرير" لمسألة المقاومة والكفاح المسلح، بينما جاءت "الورقة الثانية المعدلة/التقرير" التي صاغها نبيل شعت لتتحدث عن المقاومة المشروعة بكل أنواعها في حالة بقاء الاحتلال.

لكن هذه الصياغة المعدلة اعتبرت فلسطين هي فقط الضفة الغربية وقطاع غزة ولم تذكر صراحة الكفاح المسلح، عدا عن عدد من النقاط السياسية والبرنامجية التي بقيت داخل دائرة التباين الواسع.

وقد أفادت عدة مصادر فتحاوية مشاركة بأعمال اللجنة التحضيرية أن الاجتماع الأخير للجنة الذي عقد في عمان، جرت فيه المصالحة بين فاروق القدومي والرئيس عباس في لحظات عاطفية لم تستطع أن تذيب جليد الخلافات والتباينات التي باتت تلقي بظلالها على أوضاع حركة فتح وأعمال اللجنة التحضيرية.

الوجبة الدسمة التي قدمت للقدومي
فالمصالحة وإن تمت لكنها لم تستطع حل أي قضية خلافية، خصوصاً وأن الرئيس عباس غادر قاعة الاجتماعات التي كانت تنعقد فيها اجتماعات اللجنة التحضيرية للمؤتمر العام السادس لحركة فتح متوجهاً إلى أبو ظبي، حيث شارك بأقل من ثلاثين دقيقة من الاجتماع لدورة انعقاد اللجنة التحضيرية.

وبالتالي لم تستطع المصالحة بينه وبين القدومي رأب نقاط الخلاف بالرغم من الوجبة التي وصفها البعض بـ"الدسمة" التي قدمت للقدومي برئاسة منظمة التحرير والعودة للضفة الغربية، وهو ما اعتبرته المصادر المقربة من القدومي محاولة "لاستدراجه نحو معاقل مجموعات أوسلو، في حين أن المنظمة تحتاج إلى جهد من نوع آخر لإعادة هيبتها وكرامتها ومؤسساتها".

حلول ترقيعية وتوفيقية
وعليه وأمام استعصاءات عقد المؤتمر العام، وهي استعصاءات ما زالت قائمة على الأرض بغض النظر عن المؤتمرات الفرعية التي عقدت في بعض مدن الضفة الغربية قبل فترة من الزمن، فقد تم طرح حلول ترقيعية تقضي بعقد مؤتمر مصغر بديلاً عن المؤتمر العام يشارك فيه ما بين أربعمائة إلى خمسمائة عضو، إلا أن هذا الحل فشل وسقط في مجرى الخلافات داخل فتح، وانتهت الأمور بتوجه عام بالاتفاق على حصر عضوية المؤتمر بما لا تتجاوز 1300 عضو يمثلون كافة القطاعات الفتحاوية، وعلى أن يتم عقده خارج فلسطين حتى يتسنى للجميع المشاركة بأعماله، بما في ذلك ضمان مشاركة الأعضاء الثلاثة في اللجنة المركزية الذين لم يدخلوا إلى فلسطين حتى الآن، وهم فاروق القدومي ومحمد راتب غنيم واللواء محمد جهاد العامودي.

وفي هذا الجانب جاءت تصريحات فاروق القدومي لتفجر قنبلة مدوية وجدلاً واسعاً في أوساط فتح بعدما حذر من احتمالية حضور"متعاونين" مع الكيان الصهيوني إذا ما تم عقد المؤتمر الحركي السادس داخل الأراضي الفلسطينية، مشدداً على ضرورة انعقاد المؤتمر الحركي العام خارج فلسطين "حتى لا يندس بعض المتعاونين مع الكيان الصهيوني لاجتماعات المؤتمر".

وعليه تم حسم الكثير من الجدال الذي دار حول تعداد الأعضاء ومكان الانعقاد، بينما ترجح غالبية المصادر عقد المؤتمر في القاهرة أو عمان أو الجزائر.

"
المصادر الفتحاوية أوضحت أن الرأي التوفيقي الذي ساد بعد النقاشات بات يدعو لعقد المؤتمر أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني دون أن يتم اتخاذ قرار بذلك
"
ومع هذا وذاك، فان بعض المصادر الفتحاوية أكدت أن اللجنة التحضيرية أخفقت في التوصل إلى اتفاق على المكان المحدد اسمياً وزمانياً لعقد المؤتمر العام، وعدد أعضائه بشكل نهائي رغم التصريحات الإيجابية التي يطلقها بعض المسؤولين بهذا الخصوص، ومنها تأكيدات عبد الله الإفرنجي عضو اللجنة المركزية لحركة فتح بداية الشهر الجاري والتي أشار فيها إلى "أن هناك إجماعا فتحاويا على ضرورة عقد المؤتمر العام السادس قبل نهاية العام 2008 واتخاذ كافة الإجراءات الكفيلة بإنجاحه" وإشارته لجاهزية كافة التحضيرات، وأن كافة اللجان أنهت العمل وأن السقف الزمني للانتهاء من الترتيبات يقترب من النهاية، وبقيت لجنة النظام الأساسي وتحديد المكان والزمان فقط.

ولكن، وحسب ما أكدته لنا مصادر فتحاوية مشاركة بأعمال اللجنة التحضيرية، فإن الوثائق لم تكتمل إلى الآن على النقيض من تصريحات الإفرنجي، فهناك اتجاه يدعو للتروي في عقد المؤتمر العام متعللاً بانتظار صياغة الوثائق ولحين استيعاب كوادر حركة فتح لها، وهي الوثائق التي سيناقشها ويقرها المؤتمر بعد تعديلها.

ويرى أنصار الاتجاه ذاته أهمية عقد المؤتمر بعد مدة كافية من الانتخابات الرئاسية الأميركية بانتظار اتضاح الصورة وبالتالي تجنب تقديم أية مشاريع ومقترحات سياسية لها علاقة بعملية المفاوضات قد لا تكون ناضجة.

وفي المقابل فإن الاتجاه الآخر يدعو للإسراع بإنجاز كامل الوثائق وإتمام أعمال اللجنة التحضيرية لعقد المؤتمر بعيداً عن أي مراهنات خارجية، فالمؤتمر وفق أصحاب الرأي الثاني مكلف قبل كل شيء بدراسة أوضاع حركة فتح وإعادة انتخاب هيئاتها القيادية كاللجنة المركزية والمجلس الثوري.

وبالمحصلة، تشير المصادر الفتحاوية إلى أن الرأي التوفيقي الذي ساد بعد النقاشات بات يدعو لعقد المؤتمر أواخر شهر نوفمبر/تشرين الثاني، دون أن يتم اتخاذ قرار بذلك.

"
أمام استمرار الخلافات والجدل، فإن التفاؤل بإمكانية التئام المؤتمر العام السادس لحركة فتح يبقى متواضعا، رغم الجهود التي تبذلها اللجنة التحضيرية منذ زمن طويل للإعداد لأعماله
"
احتمال التأجيل لوقت طويل
لكن المتشائمين من إمكانية انعقاده قريباً يشيرون لوجود نوايا تعطيلية عند البعض الذين يقودون عملية "إدارة الأزمات" لأسباب لها علاقة بالصراعات الداخلية، وهو ما يرجح تأجيل موعد عقد المؤتمر مجدداً وترحيله إلى وقت قد يطول ويطول، بالرغم من إعلان حكم بلعاوي في بيان له وزعه في عمان في معرض الرد على تقارير صحفية بأن اجتماع اللجنة التحضيرية "أنهى كل المعيقات" أمام عقد المؤتمر.

غير أن بلعاوي عاد ليقول في فقرة أخرى في البيان ذاته "إن موعد حسم جميع القضايا المتعلقة بعقد المؤتمر العام السادس لم يتم طرحه خلال الاجتماع الأخير للجنة التحضيرية" ويعلل بلعاوي الأمر "لأن إقرارها حسب النظام يعود لقرار اللجنة المركزية التي ستجتمع قريبا بعد الإعداد الأخير الناجز" من قبل اللجنة التحضيرية.

وكذلك رغم إعلان نبيل شعث عضو اللجنة المركزية لحركة فتح يوم 23/10/2008 أن اللجنة المركزية للحركة حسمت في اجتماعات عملها في رام الله برئاسة الرئيس محمود عباس مسألة عقد المؤتمر.

أخيراً، وأمام استمرار الخلافات والجدل، فإن التفاؤل بإمكانية التئام المؤتمر العام السادس لحركة فتح يبقى متواضعاً، رغم الجهود التي تبذلها اللجنة التحضيرية منذ زمن طويل للإعداد لأعماله.

وتخلص مصادر فتحاوية للقول بأن عقد المؤتمر العام السادس لحركة فتح قد أجل في الواقع العملي إلى أجل غير مسمى، بعد تواصل اجتماع اللجنة التحضيرية لمدة قاربت على الأربع سنوات دون التوصل إلى أي خطوة عملية أو إجرائية.

والجدير ذكره أن أعضاء اللجنة المركزية لحركة فتح المتواجدين في الضفة الغربية وقطاع غزة أو الذين يستطيعون الدخول والخروج من فلسطين هم: الرئيس محمود عباس، والطيب عبد الرحيم، وأحمد قريع، وعبد الله الإفرنجي، وعباس زكي، وانتصار الوزير، وصخر حبش، وحكم بلعاوي، ونبيل شعث، وزكريا الأغا، ونصر يوسف، وسليم الزعنون.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك