عبد الستار قاسم

- الرغبة الروسية
- الرؤية كضرورة للقطبية
- الإمكانات الاقتصادية والعسكرية
- دول الاستقطاب المباشرة
- الأزمة المالية العالمية

تفاءل كثيرون كما انزعج كثيرون عندما قامت روسيا بحملتها العسكرية على جورجيا وحققت أهدافها، في حين وقف الغرب صارخا في وسائل الإعلام ومكبلا في الميدان.

الرغبة في وجود قطب عالمي ثان منافس للولايات المتحدة كانت مصدر التفاؤل، بينما احتمال كسر احتكار القوة والنفوذ كان مصدر الانزعاج.

هناك من سئموا هيمنة الولايات المتحدة الواسعة على العالم، وسئموا ما يرونه ظلما واقعا عليهم، وهناك من رأوا أن روسيا قد تفسد مسعى الولايات المتحدة للهيمنة الثقافية والفكرية على العالم مما يجعلها مقبولة تربويا كدولة حاضنة للحقيقة المطلقة.

على الساحة العربية، انطلقت تحليلات كثيرة حمل أغلبها بشائر للجمهور العربي المحبط بإمكانية التغيير على الساحة الدولة بسبب تكشير الدب الروسي عن أنيابه.

قطاعات واسعة شعبية ومثقفة على الساحة العربية أبدت ابتهاجا بالتحرك العسكري الروسي، لا كرها لجورجيا، وإنما نكاية بالولايات المتحدة والدول الغربية عموما، ورأوا فيه بادرة روسية جديدة قد تعني الخروج من الكهف، والعمل على استعادة مكانة روسيا التي فقدتها منذ انهيار الاتحاد السوفياتي.

فهل ما قامت به روسيا يؤشر فعلا على نهاية حقبة القطب الواحد، أم أن أميركا ما زالت قوة فوق التحدي وستبقى هي القطب الواحد بلا منازع لسنوات قادمة طويلة؟

"
ليس من المتوقع أن يلقي الرئيس الروسي خطابا يقول فيه إنه عقد العزم على جعل روسيا قطبا ينافس الولايات المتحدة لنستدل على الرغبة الروسية، لكن بإمكان المراقبين أن يستدلوا عليها بسياسات أو إجراءات ومؤشرات تدل على ذلك
"
الرغبة الروسية
قبل استشراف مستقبل القطبية على الساحة الدولية، من المهم أن نبحث فيما إن كانت روسيا راغبة فعلا في أن تكون قطبا منافسا للولايات المتحدة أم لا.

من المحتمل أن روسيا لا تتطلع إلى دور قطبي تنافس فيه الولايات المتحدة، أو تتعاون معها في صياغة الأوضاع العالمية، ومن المحتمل أن روسيا كانت تدافع عن نفسها فقط عندما هزّت العصا العسكرية في وجه جورجيا، وأرادت أن توصل رسالة لأميركا تحذرها فيها من المزيد من الاقتراب من الحدود الروسية.

ربما هدفت روسيا إلى إظهار قدرتها على الردع، والتأكيد على قوتها العسكرية دون أن يكون في الثنايا أبعاد دولية.

ليس من المتوقع أن يقوم الرئيس الروسي بإلقاء خطاب يقول فيه إنه عقد العزم على جعل روسيا قطبا ثانيا ينافس الولايات المتحدة لنستدل على الرغبة الروسية، لكن بإمكان المراقبين أن يستدلوا على هذه الرغبة بسياسات أو إجراءات أو خطوات عملية تتخذها روسيا خارج حدودها.

وهناك عدد من المؤشرات تدل على رغبة روسية في دخول المعترك الدولي أذكر منها:
1- التلويح لبولندا بالأسلحة النووية إذا ما تم نشر الصواريخ الأميركية على الأراضي البولندية. ولا يمكن أخذ هذا التلويح على أنه زلة لسان أو خاطرة عابرة أو مجرد مزحة ثقيلة، ولا بد من استدرار عبر منه ونوايا.

ربما لا يكون بنية روسيا استخدام الأسلحة النووية، لكن مجرد الخوض فيه يعني أن القيادة الروسية جادة في تحدي الدرع الصاروخية الأميركية. وهذا التحدي سيفرض متطلبات على كل من روسيا وأميركا من زوايا المكانة الدولية والهيبة والاستعداد في كافة المجالات لإثبات الأهلية.

2- إعلان روسيا عن أسلحة إسرائيلية في جورجيا، وعن تآمر إسرائيل مع دول الجوار الروسي بخاصة فيما يتعلق بتوفير الخدمات النزلية (اللوجستية) لهجوم جوي إسرائيلي على إيران.

مثل هذا الإعلان يتضمن موقفا ضمنيا غير مهادن لإسرائيل، ويعني انتقادا حادا لإسرائيل أو رفضا لسياساتها المتعلقة بإيران وبالدرع الصاروخية الأميركية. ومن المعروف أن إسرائيل وأميركا تشكلان قلب ما يُعرف بالمجتمع الدولي، وتحدي أي من الدولتين يعني تحدي الأخرى.

3- الإعلان في موسكو عن صاروخ عابر للقارات جديد بقدرة نووية متعددة الرؤوس وخارق لأجهزة الرادار، وكذلك الإعلان عن إعداد خطة للدفاع النووي الفعال خلال السنوات القليلة القادمة، كل هذا يعني أن روسيا ماضية في تطوير قدراتها العسكرية النووية والتقليدية.

4- قيام قطع من البحرية الروسية بزيارة ميناء فنزويلي، في تحد واضح للولايات المتحدة التي تعتبر أميركا الجنوبية منطقة نفوذ لها بدون منازع.
5- رفض روسيا المطالب الأميركية لفرض عقوبات إضافية على إيران.

هذه وغيرها تعتبر مؤشرات حقيقية على سياسة روسية جديدة على المستويين المحلي والدولي، وتنبئ بتطورات جديدة على الساحة الدولية، لكنه من الصعب جدا أن نستنتج منها أن روسيا قد قررت فرط العقد نهائيا والذهاب في التحدي إلى آخر مدى.

الرؤية كضرورة للقطبية
من يريد أو يرغب في أن يكون زعيما، لا بد أن يتحلى بمقومات الزعامة. وتعتبر الرؤية أهم هذه المقومات لأنها تحدد المنطلقات الفكرية والثقافية، وتلمس على بعض الأساليب والوسائل التي يريد الزعيم أن يكون زعيما وفقها.

إنه بحاجة لأن يقول لمن يريد أن يتزعمهم حول ماذا عليهم أن يلتفوا وعن ماذا يجب أن يدافعوا، ومن أجل ماذا عليهم أن يعملوا.

رائد الثورة مثلا يوضح للناس لماذا يريد الثورة، ويحدثهم عن أهدافها وبعض أساليبها ووسائلها، ومن ثم يعمل على جمع الناس حوله، وكذلك زعيم الدولة، وزعيم العصابة.. إلخ.

"
إذا كانت روسيا راغبة في أن تتبوأ مركز القطبية فلا بد أن تتطلع إلى الدول والشعوب لتقول لهم عن ماذا تدافع وإلى أي أهداف تريد أن تصل، ولا بد أن تكون لها رؤية أو فلسفة أو أهداف على مستوى دولي
"
إذا كانت روسيا راغبة في أن تتبوأ مركز القطبية، فلا بد أن تتطلع إلى الدول والشعوب لتقول لهم عن ماذا تدافع وإلى أي أهداف تريد أن تصل.

من المهم أن تكون هناك رؤية روسية أو فلسفة، أو أهداف على مستوى دولي لكي تستطيع أن تخاطب الأمم والشعوب وتجمع تعاونها وتأييدها، أو على الأقل لتضمن حياديتها.

من الممكن مثلا أن ترى روسيا أن هناك ظلما كبيرا لحق بالعديد من الأمم والشعوب مثل الأمة العربية والشعبين الفلسطيني والعراقي، وتقرر أن سياستها الدولية تقوم على رفع الظلم عن المضطهدين، وتوضح للعالم تعريفها للاضطهاد، وتبين أساليب الاضطهاد ووسائله التي تعتمدها الولايات المتحدة، وتبدأ باتخاذ الخطوات المناسبة لرفع هذا الاضطهاد أو تقليصه.

أو من الممكن أن تبدأ بطرح فكرة العالمية مقابل العولمة التي تتبناها أميركا، وتؤكد من خلالها على التنوع الثقافي والفكري، وعلى مشاركة كل الأمم في صياغة المناخ الثقافي العالمي بحيث تحافظ كل أمة على أصالتها دون تقوقع أو انعزال.

أو من الممكن أن تبدأ روسيا بفكرة رأسمالية جديدة تجعل الشركات الكبرى والحركة المالية العالمية خاضعة لقوانين عالمية جديدة مكتوبة ومتفق عليها.. إلخ.

العالم يعيش حالة من الاضطراب وعدم الاطمئنان نتيجة السياسات الأميركية الاقتصادية والعسكرية، وتطوير رؤى بديلة لا يشكل معجزا إذا أرادت روسيا أن تخوض المعترك، لكنها على كل حال لا تستطيع خوض معركة بدون رؤية.

الإمكانات الاقتصادية والعسكرية
يقول المثل العربي إن من يريد أن يصبح جمالا عليه أن يوسع باب داره، كذلك القطبية مكلفة، وعلى الدولة التي تريد أن تكون قطبا أن تغدق أموالا على محبيها والراغبين في ركوب البحر معها، وأن تكون قادرة على الدفاع عنهم، وربما عليها أيضا أن تداري المنافقين، وأن تشتري الحياد أحيانا.

بالتأكيد ليس مطلوبا من روسيا أن تكون بقدرة أميركا اقتصاديا وماليا، لكن من المتوقع أن تكون لديها قدرة سد الرمق وتسيير الأحوال، إنما عليها أن تكون ندا من ناحية الردع العسكري.

هل لدى روسيا قدرة اقتصادية الآن ومالية تتحمل أعباء القطبية؟ لقد تحسن دخلها نتيجة ارتفاع أثمان النفط والغاز، وحققت استقرارا ملحوظا في اقتصادها، ولم تعد بحاجة إلى الدول الغربية، لكن من الوارد أنها ما زالت في طور البناء وتلبية احتياجات الروس الذين ما يزالون يتطلعون إلى مستوى استهلاكي أفضل مما هم عليه الآن.

هناك متطلبات داخلية كثيرة تتطلب سياسة إنفاق روسية حكيمة تستغل كل روبل من أجل تحسين الظروف الاقتصادية لسكانها، ومن المشكوك فيه أن تكون قادرة الآن على فتح يدها بطريقة تغطي بها مختلف المتطلبات المالية على الساحة الدولية.

أمام روسيا الآن مسألة تطوير اقتصادها ليصبح اقتصادا منافسا إن هي استمرت في تبني النظام الاقتصادي الرأسمالي. وفي ظل الوضع القائم، والتطور التقني الهائل على الساحة الدولية، روسيا لا تستطيع فتح أسواقها تماما أمام التجارة العالمية، ولا تستطيع الانغلاق، ويبقى التحدي الاقتصادي ماثلا أمامها ويشكل معوقا كبيرا أمام اقتحامها الأسواق العالمية.

لهذا من الممكن أن تنشغل روسيا بصياغة نظام رأسمالي يبقي على هامش واسع لتدخل الدولة، ويحد من هيمنة الرأسمالية الليبرالية الحديثة.

"
بيد روسيا الآن حجة قوية أمام شعوب الأرض للتأثير جديا على سياسة الولايات المتحدة ولتقليص تدخلها في الشؤون الداخلية للأمم، وستجد بالتأكيد آذانا صاغية إذا رأت ضرورة الاندفاع نحو العالمية التي تحترم الشعوب والثقافات
"
دول الاستقطاب المباشرة
من العوامل الهامة المؤشرة على نوايا روسيا ورغباتها، علاقاتها مع الدول المتمردة وفق التصنيف الأميركي، ومع حركات المقاومة المصنفة أميركيا على أنها إرهابية.

إذا كانت روسيا جادة في تحدي أميركا، وترفض فعلا هيمنة القطب الواحد، فإنه من المتوقع أن تمس ببعض المحرمات الأميركية فتدعم مثلا المقاومة العراقية وتقدم مساندة دبلوماسية لإيران، وتخفف الضغوط عن فنزويلا.

هناك نقاط تعتبر مواطن استهداف أميركي بقصد التركيع أو التحييد مثل سوريا المترددة في السير بركب الأنظمة العربية المتنفذة عربيا، وكوريا الشمالية وكوبا، وهناك أيضا حركات مقاومة تقع ضمن دائرة الضغط الأميركي مثل حماس وحزب الله، ويعتبر التقرب من هذه المواطن مساسا بالسياسة الخارجية الأميركية، واعتداء على النهج الأميركي في عولمة العالم.

إذا كانت روسيا ترغب في أن تكون لها كلمة نافذة على الساحة الدولية خلال وقت قصير، فإنها ستسخن النقاط الساخنة وتعلن مثلا أن حزب الله ليس تنظيما إرهابيا وأنه يخوض حربا مشروعة ضد إسرائيل، أو أن تعلن نيتها في دعم حركة حماس المحاصرة في غزة من خلال القيام بنشاطات من شأنها فك الحصار.

وفي كل الأحوال، يعتبر التقارب الروسي مع هذه المواطن تحديا كبيرا ومقلقا للولايات المتحدة، ويشكل فرصة أمام الدول السائرة في ركب أميركا لإعادة التفكير في مواقفها.

أما بخصوص الشارع العربي، فلن تجد روسيا عناء في إيجاد أرضية مؤيدة لها إذا قررت تحدي أميركا. الشارع العربي عموما، باستثناء الشارع الخليجي، يكن الكراهية لأميركا، وينتظر اليوم الذي تُبتلى فيه بشرور الدهر.

الأزمة المالية العالمية
أميركا الآن تقع تحت وطأة الأزمة المالية، وتحت وطأة اتهامات أصدقائها وأعدائها بأنها هي المسؤولة عن الأزمة بسبب جشعها وسوء إدارتها للشؤون المالية.

العالم الآن سيتحدى سلطة أميركا المالية، ويعمل على إحداث تغييرات جوهرية في النظامين الاقتصادي والمالي، وعلى أميركا أن تنكمش إذا أرادت تسهيل عملية خروجها من الأزمة الخطيرة.

بإمكان روسيا أن تستغل الأمر كنقطة قوة لصالحها، وتركز على فكرة العالمية بدل فكرة العولمة التي اعتبرتها أميركا نهجا لسيطرتها على العالم.

بيد روسيا الآن حجة قوية أمام شعوب الأرض للتأثير جديا على سياسة الولايات المتحدة، ولتقليص تدخلها في الشؤون الداخلية للأمم، وستجد بالتأكيد آذانا صاغية إذا رأت ضرورة الاندفاع نحو العالمية التي تحترم الشعوب والثقافات، وتبتعد عن فكر الهيمنة.
__________________
كاتب فلسطيني

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك