خالد حاجي

الإعلام وربط الإسلام بالتطرف
الإعلام والكيل بمكيالين
شروط غريبة للتحاور مع المسلمين
الخوف من الإسلام والتخويف به

عاشت مدينة كولونيا الألمانية أجواء بالغة التوتر في الأيام الأخيرة بسبب دعوة مجموعة يمينية متطرفة إلى تجمع في وسط المدينة، احتجاجا على منح عمدة المدينة ترخيصا ببناء مسجد يبلغ ارتفاع قبته 33 مترا وارتفاع منارتيه 55 مترا.

شهدت المدينة أعمال عنف دفعت بالسلطات الأمنية إلى إيقاف التجمع، بيد أن المتطرفين الذي تداعوا إلى كولونيا صرحوا بأن المعركة لم تنته بعد، وتواعدوا بأن تكون لهم جولات أخرى يحشدون لها أعدادا أكبر من مناصري فكرتهم المعادية لتنامي الوجود الإسلامي على أرض أوروبا.

الإعلام وربط الإسلام بالتطرف
يلاحظ المتابع أن شعار التجمع لم يقف عند الاحتجاج ضد بناء المسجد، بل تعداه ليكون: "أوقفوا الإسلام". صحيح أن شعارا مصدره مجموعة يمينية متطرفة لا يمكن أن يكون إلا متطرفا, كما لا يقل صحة بأن جهات معتدلة في المجتمع الألماني عبرت عن تعاطفها مع المسلمين، واستعدادها "لحماية جاليتنا المسلمة" كما ورد في جملة من التصريحات.

لكن الحاصل هو أن ما جرأ اليمين المتطرف على الذهاب إلى أقصى حدود التطرف، بحيث صار يخلط بين معارضته لمشروع بناء مسجد وبين الدعوة إلى وقف الإسلام، هو الجو العام الذي ساهم الإعلام الألماني وما يزال يساهم في خلقه.

"
وسائل الإعلام الألمانية تجتهد في تكريس صورة الإسلام المهدد للغرب عموما، وأوروبا خصوصا، ولعل هذا مرده إلى حرص الساهرين على السياسات التحريرية لهذه الوسائل الإعلامية على إثبات انخراطها في الحرب على الإرهاب
"
يكاد لا يخلو مقال أو خبر عن الإسلام من إيحاء يربط بين الإرهاب وهذا الدين. إن وسائل الإعلام تجتهد في تكريس صورة الإسلام المهدد للغرب عموما، وأوروبا خصوصا، ولعل هذا مرده إلى حرص الساهرين على السياسات التحريرية لهذه الوسائل الإعلامية على إثبات انخراطها في الحرب على الإرهاب.

من أقوى الشواهد على هذا الكلام امتناع هذه الوسائل الإعلامية عن الخوض فيما يمكن أن يذهب في اتجاه تلميع صورة الإسلام والمسلمين.

فوسائل الإعلام في ألمانيا لا تلتفت إلى أنواع الإرهاب الأخرى التي تهدد البلد بقدر أكبر من تهديد الإرهاب الإسلامي لها.

إن النشاط الإرهابي وسط جماعات اليسار المتطرف، أو بين المجموعات الانفصالية، يفوق بكثير نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة داخل أوروبا، كما تشير إلى ذلك الإحصائيات الواردة في تقرير اليوروبول الذي أنجز بمباركة المجموعة الأوروبية.

كما أن التقرير السنوي المنجز من طرف وزارة الداخلية الألمانية حول عدد الحالات التي يتم فيها تجاوز القوانين الدستورية، لا يضع المسلمين على قائمة الجماعات أو الجهات التي تقوم بأعمال منافية للدستور.

يمكننا القول بأن المسلمين لا يختلفون عن غيرهم في حرصهم على احترام القوانين الدستورية أو تجاوزهم لها، بل قد يكون التزامهم بهذه القوانين أقرب إلى الصواب. وبالرغم من هذه التقارير التي كان من المفروض أن تبعث على طمأنة الرأي العام الألماني، والأوروبي عموما، يظل المسلمون يتصدرون قائمة المتهمين.

الإعلام والكيل بمكيالين
فضلا عن أن وسائل الإعلام لا تقف عند حالات التطرف المتعلقة بالمسيحيين وقوفها عند الحالات المتعلقة بالمسلمين. لقد تلقى القس البروتستانتي كليمانس بيتلنجر تهديدا بالقتل من طرف متطرفين كاثوليكيين إثر توجيهه النقد للبابا في أغنية ألفها.

أخذت السلطات هذه التهديدات مأخذ الجد فخصصت له الحماية الأمنية، بعد أن ساعدته على التخفي. وقد جاءت التهديدات في لغة عنيفة لا تقل عنفا عما يصدر عن الجهات المتطرفة الإسلامية.

ومن يقرأ هذه التهديدات يستغرب كيف أنها لم تفض بوسائل الإعلام إلى رفع مثل هذا الحدث إلى مستوى التهديد الإرهابي، واكتفت بإيراد قصاصات أخبار متفرقة هنا وهناك. والأدهى والأمر، هو أن الكنيسة الكاثوليكية، ممثلة في أسقف ماينز، رفضت التعليق بخصوص التهديد وفضلت الالتزام بالصمت، فيما يشبه مباركة لهذه التهديدات.

يستغرب المتابع للأحداث كيف أن وسائل الإعلام في ألمانيا تتهم فقهاء المسلمين وعلماءهم بالتقصير في إدانة أنواع التطرف الإسلامي، في حين تسكت عن حياد رجال الكنيسة. لا شك أن وسائل الإعلام تحمل هذه التهديدات على أنها حالات معزولة لا تستأهل أن يكترث بها، في مقابل الحالات الإسلامية التي يهرعون لوضعها في إطار "الحرب على الإرهاب".

نستنتج من تعامل وسائل الإعلام مع ما حدث أن هناك كيلا بمكيالين بخصوص تغطية التهديد الإرهابي. طبعا لا تخلو الصحف والمجلات وقصاصات الأخبار من إشارات إلى خطورة ما حدث مع حالة بيتلنجر، لكن هذه الإشارات لا تخلق حالة من الهلع تنبه الرأي العام إلى ما يمكن أن نصطلح عليه بالإرهاب المسيحي مثلا.

ولعل هذا يعود إلى عدم وجود نية في تضخيم الحالات المعزولة ورفعها إلى مستوى الظاهرة، خدمة لأغراض إستراتيجية معلومة كما في الحالات الإسلامية التي لا يتوانى الإعلاميون في ربطها بظاهرة عامة، ظاهرة العنف الإسلامي.

"
هناك تباين في التعامل مع الحالات الإرهابية, فما كان تهديدا غير إسلامي (مسيحي)فيحسب على الداخل، وإزاءه يتوخى الإعلام التريث والحيطة والحذر, وما كان تهديدا إسلاميا فيحسب على جهات خارجية معادية للغرب ولقيمه، ويتم ربطه بالأصل الذي يقوم عليه (الإسلام)
"
والراجح أن كثيرا مما يتوقف عنده من تهديدات يرمي إلى هدف واضح في الحالة الإسلامية، ألا وهو تخويف الرأي العام الألماني خصوصا والأوروبي عموما من الإسلام. ولا يعدل فضح الإعلام لحالات التهور الذي مصدره المسلمين، إلا الصمت عن حالات التهور الذي مصدره جهات أخرى، مسيحية كانت أو غيرها.

قد يستفاد من هذا التباين في التعامل مع الحالات الإرهابية أن هناك فرقا في التصنيف، فأما ما كان تهديدا غير إسلامي فيحسب على الداخل، وإزاءه يتوخى الإعلام التريث والحيطة والحذر. فالأصل في الإرهاب أنه يتقوى بالإعلام، فلا قيمة لعمل إرهابي دون تغطية إعلامية تمكن أصحابه من الوصول إلى ما يصبون إليه من تخويف وترويع.

نحس وكأن وسائل الإعلام، إذ تشير إلى الحدث المرتبط بالإرهاب الداخلي، تحرص على عدم تضخيم حجمه. وأما ما كان تهديدا إسلاميا فيحسب على جهات خارجية معادية للغرب ولقيمه، وبناء على ذلك يسهب الإعلاميون إسهابا في ربطه بالأصل الذي يقوم عليه.

يمكننا أن نستنتج بأن الإعلام في ألمانيا، وهو جزء من إستراتيجية إعلامية غربية، يكرس فكرة الإسلام الغريب عن الحيزين، التاريخي والثقافي في الغرب.

إن تصوير الإسلام عنصرا دخيلا وعارضا على أوروبا ينطوي على أكثر من دلالة، أهمها هو أن هذا الدين لا يستفيد من أعراف التسامح المعمول بها داخل أوروبا بين الملل المختلفة والأحزاب المتعددة والأقليات والإثنيات المتنوعة.

توحي وسائل الإعلام وكأن الإسلام ما يزال يقف على الحدود ينتظر السماح له بالدخول، وشرط قبول دخوله أن يلتزم بما التزمت به الطوائف الأخرى، وأن يسري عليه ما يسري عليها.

شروط غريبة للتحاور مع المسلمين
في هذا السياق تكثر الدعوات إلى ترويض الحس الإسلامي قبل أن يصبح جزءا من المنظومة الحضارية الغربية، يقبل بالتعايش والتسامح السائدين داخلها.

ولعل من أغرب هذه الدعوات، دعوة الكاتب الصحفي جنتر فالراف المسلمين إلى أن يقبلوا بأن تقرأ عليهم مقاطع من رواية سلمان رشدي، آيات شيطانية، داخل المسجد في خطوة أولى لمناقشة الرواية.

ولما قوبل طلبه بالرفض، هرعت بعض وسائل الإعلام إلى نقل الخبر وتضخيمه وتحميله أكثر مما يحتمل. حتى إن بعض وسائل الإعلام الرسمية المحترمة جعلت تصوغ عناوين توحي وكأن المسلمين يحرمون فالراف من حق طبيعي، حق تشنيف أسماعهم داخل المسجد بآيات شيطانية.

إذا عجبت فاعجب كيف يصنع من فكرة تافهة، أو نزوة عارضة، قضية تستأهل النقاش وتستأثر بالمتابعة الإعلامية. وظننا أن في هذا التنطع الذي جاء به فالراف -مع احترامنا له- ما لا تقبل به أي طائفة أخرى, بروتستانتية أو كاثوليكية أو غيرهما.

لسنا نرى أي ضرر في أن يناقش المسلمون أي عمل فني أو فكري، لكن ليس شرط أن يكون ذلك داخل المسجد، مكان العبادة حيث يأتي المسلمون بحثا عن السكينة والطمأنينة الروحيين بعيدا عن صخب السجالات السياسية والأعمال الفنية المغرضة.

لو تمادينا في منطق فالراف لجعلنا شرط التحاور مع المسلمين عرض أوبرا موزارت، أيدومينيو، التي تصور رؤوس الأنبياء بمن فيهم محمد عليه الصلاة والسلام، وهي تقطع داخل المساجد. أقل ما يمكن أن يقال عن هذه المحاولات أنها تفتقر إلى الصواب وتروم استفزاز المسلمين والدفع بهم باتجاه التعامل مع المقدس في ثقافتهم وفي دينهم تعامل غيرهم مع مقدسهم.

الخوف من الإسلام والتخويف به

"
ظاهرة التخويف بالإسلام، ظاهرة لها عوالق إستراتيجية وسياسية دولية، لا يملك عامة المسلمين المساهمة في رفعها, قد تنبري لها نخب من المثقفين المسلمين، لكن هذا لا يكفي, بل الأمر يحتاج إلى عزائم دول بأكملها
"
إن المتتبع للإعلام في ألمانيا يقف أمام ظاهرتين مستفحلتين: ظاهرة الخوف من الإسلام، وظاهرة التخويف بالإسلام. فأما ما كان من الظاهرة الأولى، أي الخوف من الإسلام، فمن الممكن أن تحمل على أنها ظاهرة صحية.

يحق للمجتمع الألماني أن يخاف من الجالية المسلمة، أو غيرها من الجاليات، نظرا لاختلاف عاداتها في التعبير عن ذاتها ثقافيا ودينيا. ويكاد يكون الخوف في هذه الحالة خوفا بيولوجيا طبيعيا. وإزاء هذا الخوف يتحمل المسلمون مسؤولية تقديم أنفسهم التقديم اللائق الذي يساعد الآخرين على الاستئناس بوجودهم.

وعلينا أن نقر بأن سلوكيات المسلمين ليست كلها تدعو إلى أن يستأنس بها. فالكثير من الممارسات الثقافية تدعو إلى الاستغراب داخل المنظومة الحضارية الغربية. وبناء عليه، يظل من واجب المسلمين أن يجدوا القنوات اللائقة لتصريف قيمهم داخل هذا العالم تصريفا مقبولا.

وأما ما كان من أمر التخويف بالإسلام، فهذه ظاهرة لها عوالق إستراتيجية وسياسية دولية، لا يملك عامة المسلمين المساهمة في رفعها. قد تنبري لهذه الظاهرة نخب من المثقفين المسلمين، لكن هذا لا يكفي. بل الأمر يحتاج إلى عزائم دول بأكملها.

وليست الدول العربية والإسلامية اليوم بحاجة إلى شيء حاجتها إلى إستراتيجيات تقف في وجه إستراتيجية التخويف بالإسلام.
ــــــــــــ
كاتب مغربي

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك