وحيد محمد مفضل

انحسار الجليد وتكشف ثروات القطب الشمالي
لب النزاع وإشكالية قانون البحار الدولي
مستقبل الصراع وسبل التسوية الممكنة
ذوبان جليد الشمال والمصالح العربية
فوائد التجمد ومزايا المصاعب التقنية

بعيداً هذه المرة عن بؤر الصراع التقليدية في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي ووسط آسيا، يدور الآن في أقصى الشمال -وعلى خلفية مشكلة بيئية بحتة، بما يعد سابقة في تاريخ العلاقات بين الدول- صراع دولي محتدم ونزاع فريد ومن نمط جديد، وإن لم يخلُ مع ذلك من تكتيكات وآليات القرن الخامس عشر!

مسرح هذا النزاع هو المحيط المتجمد الشمالي، وأطرافه كل الدول المشاطئة له، وهي تحديدا: روسيا والولايات المتحدة وكندا والدانمارك والنرويج، والسبب كما هو معهود التصارع على الثروة وحب التملك ونيل السيادة. أما وجه التفرد في هذا النزاع فهو أن عامل الحسم وكلمة الفصل فيه لن تكون في الأغلب للساسة والسياسة كما هو معهود، وإنما للعلماء والعلم!

انحسار الجليد وتكشف ثروات القطب الشمالي
يقع المحيط المتجمد الشمالي موضع النزاع في أقصى الشمال الجغرافي، حيث يحتل معظم مساحة الدائرة القطبية الشمالية التي يتماس محيطها مع حدود خمس دول متفرقة تتبع ثلاث قارات مختلفة، هي روسيا من آسيا، والنرويج والدانمارك من أوروبا، والولايات المتحدة وكندا من أميركا الشمالية.

ويتشكل هذا المحيط من رقعة جليدية غير منتظمة الشكل، تتمركز حول القطب الشمالي وتتفاوت مساحتها ومقدار اتساعها من عام لآخر ومن فصل لآخر، بسبب حالة الذوبان والتجمد الذي تتعرض له بفعل تغير درجة الحرارة عبر فصول السنة. وبطبيعة الحال فإن الظروف المناخية السائدة في تلك المنطقة لا تسمح إلا بتكون أنماط محدودة من أشكال الحياة سواء كانت بشرية أو برية.

"
احترار الأرض والتسخين الناتج عن ظاهرة الانحباس الحراري أدى إلى ذوبان كتل جليدية كبيرة من المحيط المتجمد الشمالي  وبوتيرة متسارعة
"

السؤال المنطقي بعد هذا الوصف الموجز: ما وجه الصراع إذن على تلك الصحراء الجليدية الموحشة؟ وما هي عناصر الجاذبية فيها؟

الإجابة تعود إلى ظاهرة الانحباس الحراري وتداعياتها المحتملة، فاحترار الأرض والتسخين الناتج عن هذه الظاهرة أدى إلى ذوبان كتل جليدية كبيرة من ذلك المحيط، ما أدى إلى تقلص حجمها بشكل كبير وبوتيرة متسارعة يتوقع معها بعض العلماء أن تزول تماماً بحلول صيف العام 2013 وكل الأصياف التالية.

وبعيداً عن الآثار البيئية المصاحبة لذلك فإنه من المتوقع أن تقود هذه الظاهرة إلى نتيجتين هامتين للغاية، ومن شأنهما إثارة حساسيات كثيرة بين دول المنطقة.

الأولى هي إمكانية ظهور طرق ملاحية جديدة في المنطقة، وأهمها الممر الملاحي بين الشمال والغرب والذي يمثل أهمية إستراتيجية كبيرة، إذ يتيح الربط بين آسيا وأوروبا من أقصر الطرق. هذا الممر لم يكن ممكناً استخدامه ملاحياً من قبل بسبب تجمده الدائم، لكن فقط في صيف العام المنقضي بدأت مساحات كبيرة من الجليد الكائن به في الاضمحلال والتلاشي، وبدرجة أصبح معها الإبحار خلاله ممكناً في المستقبل المنظور.

النتيجة الثانية تنبني على أن تكشف مساحات متزايدة من قيعان المحيط المتجمد سيسهل كثيرا من إمكانية استكشاف واستخراج الثروات البترولية والمعدنية الواعدة به، وهو أمر لم يكن ممكنا في ظل وجود ذلك الغطاء الجليدي الكثيف، وفي ظل وجود مصاعب تقنية تعيق عمليات التنقيب والاستكشاف المطلوبة.

هناك تكهنات وتقديرات عديدة تشير إلى وجود ثروات هائلة من النفط والغاز والماس والثروات المعدنية الأخرى تقبع تحت القشرة الجليدية لذلك المحيط المتجمد.

على هذا النحو وجدت الدول القطبية الخمس نفسها فجأةً أمام مقدمات ثروة هائلة ونفوذ إستراتيجي لا يمكن بأي حال التنازل عنهما، وكل الشكر في ذلك بالطبع للانحباس الحراري والتغير المناخي!

وقد كان من المنطقي بعد ذلك أن تنتقل تلك القضية من خانة الهم البيئي إلى خانة ألاعيب السياسة، فرأينا تسابقاً محموماً وتحركات كثيفة متسارعة خلال السنة المنقضية من غالبية الدول القطبية، وذلك من أجل هدف واحد هو السيطرة على أكبر قدر من مفاتيح تلك الثروة وتعزيز مبدأ السيادة عليها.

وقد ارتفعت وتيرة هذا التسابق بدرجة يمكن القول معها إن ما يدور حالياً في المنطقة حرب باردة جديدة وإن كانت لا تزال في مهدها.

من الاعتبارات الأخرى التي لا يمكن تجاهلها في البحث عن أسباب احتدام النزاع بين دول المنطقة، تواصل ارتفاع أسعار النفط عالمياً، وقرب نفاذ احتياطياته العالمية، وغموض مستقبل الطاقة العالمي، وهذا يعني أن نجاح أي من تلك الدول في القبض على نفط وثروات الشمال، سيعزز وبقوة من إمكانياتها ومن موقفها الإستراتيجي والاقتصادي المستقبلي، إقليميا وعالمياً.

"
لكل دولة بحرية الحق في الادعاء بالسيادة وحق الاستغلال الاقتصادي لمساحة بحرية تمتد إلى 200 ميل بحري أمام سواحلها، تعرف باسم النطاق الاقتصادي الحصري
"
لب النزاع وإشكالية قانون البحار الدولي
لب القضية والمعضلة الأساسية وراء احتدام هذا النزاع، هو خلاف الأطراف المعنية حول من له الأحقية بالسيطرة على منابع تلك الثروة وضمن أي مجال سيادي يجب أن تؤول إليه ملكية قيعان المحيط المتجمد الشمالي، والممرات الملاحية المنتظر تكشفها خلال السنوات القادمة.

فيما يخص الممر الملاحي بين الشمال والغرب، ترى كندا مثلاً أنها الأحق بالسيادة على ملكيته وإدارته، وأنها الدولة الوحيدة المخول لها منع المرور به، وهذا من واقع أنه يمر بأراضيها وعبر سواحلها الممتدة.

بيد أن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي يعارضان هذا، مرتكزين في ذلك على أن الطريق الجديد ينبغي أن يكون طريقاًً دولياً حراً.

أما فيما يخص النزاع على ملكية ثروات المحيط المتجمد، فالأمر يبدو أكثر تشابكاً وأكثر سخونة لتعدد الأطراف المتداخلة فيه، ولارتباطه بإشكالية قانونية معقدة تتعلق بتطبيق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار أو ما يعرف بقانون البحار الدولي، وهو المعني بترسيم الحدود البحرية بين الدول وتحديد امتداد المياه الإقليمية وأماكن الاستغلال الاقتصادي أمام السواحل والبحار المطلة عليها.

تبعاً لهذا القانون فإن لكل دولة بحرية الحق في الادعاء بالسيادة وحق الاستغلال الاقتصادي لمساحة بحرية تمتد إلى 200 ميل بحري أمام سواحلها، تعرف باسم "النطاق الاقتصادي الحصري".

كما ينص على أنه يجوز لتلك الدولة الادعاء في مساحة أكبر من ذلك بحد أقصى 350 ميلاً بحرياً، في حالة ما إذا تمكنت هذه الدولة من تقديم أدلة وبراهين علمية مؤكدة على أن الجرف القاري المواجه لسواحلها يمتد جغرافياً وجيولوجياً تحت المياه بمقدار أكبر من حدود النطاق الحصري المحدد لها.

ونعود إلى مشكلة القطب الشمالي فنجد أن الأمم المتحدة من خلال اتفاقية قانون البحار قد حددت حق الاستغلال الاقتصادي للنطاق الساحلي من المحيط المتجمد الشمالي لخمس دول فقط هي روسيا والولايات المتحدة وكندا والنرويج والدانمارك، وهي الدول المشاطئة لذلك المحيط.

أما الأجزاء الأخرى من المحيط ومنها منطقة القطب الشمالي نفسها فهي من أعالي البحار وبالتالي لا ملكية ولا سيادة لأحد ما عليها، وهذا بنص الاتفاقية. لكن الحادث أن هناك أكثر من دولة قطبية تطمع في أكثر من ذلك وتريد توسيع ذلك النطاق إلى أقصى حد ممكن.

"
آخر الرحلات الروسية إلى القطب الشمالي كانت في أغسطس/ آب الماضي عندما نجحت الغواصة مير-1 تحت ظل استنفار قومي ودعاية إعلامية هائلة في تثبيت العلم الروسي على عمق 4260م من المحيط
 "
من أبرز تلك الدول روسيا التي تقدمت عام 2001 بطلب إلى "لجنة الجرف القاري" الأممية من أجل توسيع رقعة نطاقها الاقتصادي الحصري، لكن الطلب قوبل بالرفض لعدم كفاية الأدلة المقدمة، لذا عمدت روسيا إلى محاولة جمع أدلة إضافية عن طريق إرسال عدد من الرحلات العلمية والبعثات الاستكشافية إلى قيعان المحيط المتجمد، على أمل إثبات أن الجرف القاري الخاص بها يتصل بالسلاسل الجبلية التحت مائية، بما يعني أحقيتها في السيادة على ما يقرب من نصف مساحة المحيط.

وقد كانت آخر هذه الرحلات في أغسطس/ آب الماضي عندما نجحت الغواصة "مير-1" تحت ظل استنفار قومي ودعاية إعلامية هائلة في تثبيت العلم الروسي على عمق 4260م قرب القطب الشمالي، في خطوة ذكرت جميع المتابعين بأجواء سباق الوصول إلى الفضاء والهبوط على سطح القمر.

لكن هذه الخطوة لم تعجب بالطبع بقية الدول المتنافسة، فكان أن ردت غالبيتها -خصوصاً الولايات المتحدة وكندا- بتصريحات دبلوماسية ساخرة وبرحلات ميدانية مشابهة، ما أدى إلى تصاعد حدة التوتر بالمنطقة في ذلك الوقت إلى أعلى درجاتها.

مستقبل الصراع وسبل التسوية الممكنة
رغم النزعة العسكرية التي اكتنفت تحركات روسيا والولايات المتحدة وكندا بشأن ملف الصراع على القطب الشمالي، ورغم ارتفاع حدة الخطاب الدبلوماسي والإعلامي بين دول المنطقة، فإنه من غير المتوقع أن يتحول النزاع إلى مواجهة عسكرية، وهذا لأسباب عدة أهمها أن الأمر محكوم بقوانين دولية وأطر قانونية من شأنها المساهمة في الوصول إلى تسوية سليمة ومرضية لكل الأطراف، لذا فإن حيد طرف ما على اتباع هذه الأطر والالتزام بها يمكن رده عن طريق اللجوء إلى التحكيم الدولي، وهو -وإن طال أمده- كفيل بالوصول بالقضية إلى بر الأمان، دون اللجوء إلى التناحر أو الاقتتال.

ومع ذلك فإن اندلاع مواجهة عسكرية في منطقة القطب الشمالي لا يمكن استبعاده تماماً، خصوصاً في ظل محاولات عسكرة المنطقة وإعلان كندا عزمها إنشاء قاعدتين عسكريتين كبيرتين فيها، وكذلك عزم الولايات المتحدة استقدام عدد من كاسحات الجليد وسفن حربية خاصة من أجل تشديد أعمال المراقبة البحرية في المنطقة.

وفي المقابل ليس من المتوقع أن تغض روسيا الطرف عن تلك التجهيزات، وترسانتها البحرية مؤهلة ومجهزة تماماً بمختلف أنواع الغواصات والسفن المتخصصة في الملاحة الجليدية.

وبعيداً عن هذا المنحى ما زالت هناك فرصة لحل المسألة سلمياً، وذلك من خلال التأسي مثلاً بتجربة القارة القطبية الجنوبية المتجمدة التي دار حولها صراع مشابه منذ نحو نصف قرن. بيد أن نجاح الدول المتنازعة في الوصول إلى اتفاق أو معاهدة دولية نصت على تحريم التجارب النووية وعمليات التنقيب البترولي وما دون ذلك من أنشطة باستثناء الصيد المقنن والتجارب العلمية، نأى بذلك الصراع عن التحول إلى مواجهة عسكرية.

"
ليس من صالح العالم أبداً أن يتحول هذا النزاع إلى اقتتال، أو أن تُصعد إحدى الدول القطبية حدة التوتر في المنطقة بإعلان سيادتها مثلاً على إحدى المناطق أو الجزر الجليدية المتنازع عليها
"
ذوبان جليد الشمال والمصالح العربية
يخطئ من يظن أن ذوبان جليد المحيط الشمالي واحتدام الخلاف بين الدول المشاطئة له، يعد شأناً إقليميا ولا يعني المنطقة العربية في شيء. على العكس، فباعتقادي أن هذا قد يؤثر بشكل أو بآخر على بعض المصالح الاقتصادية والإستراتيجية لأكثر من دولة عربية في المنطقة.

لا جدال مثلاً في أن ظهور طرق ملاحية جديدة في منطقة القطب الشمالي وبخاصة ممر الشمال الغربي الواصل بين آسيا وأوروبا، سيحرم قناة السويس وبعض الموانئ العربية في البحر الأحمر من بعض العوائد المادية والأرباح بسبب تحول جزء كبير من قوافل الشمال البحرية عن استخدام القناة في العبور إلى آسيا والمحيط الهندي عبر البحر الأحمر، وهذا بدوره سيتسبب في بعض الخسائر الاقتصادية والتجارية لبعض الدول العربية خاصة مصر واليمن والسعودية.

من الأضرار التي قد تتعرض لها المنطقة أيضاً، وإن كانت هذه المرة بشكل غير مباشر ومن وجهة بيئية بحتة وضمن إطار عالمي، ما يمكن أن يساهم به تزايد النشاط البشري والصناعي المتوقع في منطقة نقية وبكر تماماً مثل منطقة القطب الشمالي، في استمرار وتنامي ظاهرة الانحباس الحراري، وما يعنيه ذلك من استمرار ذوبان جليد الشمال وتزايد ارتفاع مستوى سطح البحر، بما يهدد الأجزاء المنخفضة من سواحلنا العربية وسواحل أخرى عالمية بخطر الغرق، وهو ما سيترجم حينها إلى خسائر اقتصادية وتنموية كبيرة.

فوائد التجمد ومزايا المصاعب التقنية
من الواضح أن الواقع الجديد في منطقة القطب الشمالي قد أفرز حرباً باردة جديدة، يعلم الله وحده متى وإلى أين ستنتهي.

على أي حال ليس من صالح العالم أبداً أن يتحول هذا النزاع إلى اقتتال، أو أن تُصعد إحدى الدول القطبية حدة التوتر في المنطقة بإعلان سيادتها مثلاً على إحدى المناطق أو الجزر الجليدية المتنازع عليها، لأن الأمر على هذا الشكل سيتحول إلى سابقة خطيرة للغاية بشأن احترام قانون البحار الدولي، ما يعني إمكانية انتقال الفوضى والاضطراب إلى مناطق بحرية أخرى عبر العالم، وما أكثر الجزر والسواحل المتنازع عليها.

كما أنه ليس من صالح العالم أن يذوب جليد القطب الشمالي، لأن هذا من شأنه تحول تلك المنطقة البكر إلى مسرح ضخم لعمليات التنقيب وأنشطة الاستكشاف البترولي والمعدني، ما سيعني زيادة حدة المشاكل والهموم البيئية العالمية المتداعية علينا.

النقطة المضيئة في هذه المسألة أنه ما زال هناك الكثير والكثير من المصاعب والمشاكل التقنية التي ينبغي على مستكشفي ومنتجي الغاز والنفط حلها أولاً قبل الإقدام على استخراج ثروات القطب الشمالي المعدنية.

قد يكون من المناسب إذن أن يرجو العالم -وربما لأول مرة- ألا تتقدم التقنية كي لا نصحو على تقنيات جديدة، قد يكون من شأنها إضفاء مزيد من القلق وتصبب العرق على جبين مستقبلنا الملتهب.
ــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك