توجان فيصل

توجان فيصل

كاتبة أردنية

نتوقع أن تهاجم الصحف الرسمية الأردنية تقرير منظمة هيومن رايتس ووتش الأخير حول أوضاع حقوق الإنسان في الأردن والذي ركز على "إقصاء المنتقدين" للسياسات الرسمية.

وقد ردت المنظمة في رسالة منشورة على اتهامات كالها لها كاتب في صحيفة "الرأي", فنّدت فيه أقوال الصحيفة الرسمية، معززة ردها بتفاصيل أدق من مشاهداتها التي بنت عليها تقريرها.

ولكن الذي يحدث عادة وتكرر هنا, أن بعض الصحف المستقلة ركزت في تناولها للتقرير على جزئيات صغيرة حرية بأن تقلب الرأي العام -خاصة غير المسيس أو غير المطلع على النصوص الكاملة لهذه التقارير- على الجهة التي أصدرته.

"
موقوفون في سجن سواقة الأردني أنزلوا بأنفسهم إصابات شديدة أثناء زيارة وفد هيومن رايتس ليضمنوا وصول الزوار لهم ووصول شكواهم من معاملة لابد كانت أسوأ مما ينزله الإنسان بنفسه مادياً أو معنوياً
"
هذا مع أن حاجتنا في العالم الثالث والعالم العربي بشكل خاص -والتي يعرفها الصحفيون أكثر من غيرهم- إلى رقابة هذه المنظمات ماسة وتصل حد "الحياة أو الموت" للمنتقدين, بشكله المعنوي غالباً ولكن بالمعنى الحرفي أحياناً حين يصبح إقصاء بعضهم غاية تذلل في سبيلها كل الوسائل.

وخير مثال مفتوح, كي لا ندخل في فتح غيره ونخرج عن صلب موضوعنا اليوم, نجده في ملف المفقودين في المملكة المغربية!

وسواء أكان هذا التركيز على تلك الجزئيات, بل وتضخيمها أو حتى حرفها عن معناها, أو مجرد إساءة فهمها, يعود كله أو بعضه إلى أسباب تتعلق باختلاف الخلفيات السياسية والثقافية واللغوية وبالتالي اختلاف في المسميات والاصطلاحات (والأخير أمر يعترف بوجوده وأثره الكبير على سوء الفهم المختصون بالترجمة).. أو كان الأمر من باب التقية أو ممالأة مبطنة للسلطات, فالأمر يستوجب وقفة متبصرة قبل المجازفة بحرق تقارير حقوق الإنسان هذه بجرة قلم!!

فهذه تقارير اضطر موقوفون في سجن "سواقة" الأردني إلى إنزال إصابات شديدة بأنفسهم أثناء زيارة وفد هيومن رايتس لهم يوم 26 أغسطس/ آب 2006, ليضمنوا وصول الزوار لهم ووصول شكواهم من معاملة لابد كانت أسوأ مما ينزله الإنسان بنفسه, مادياً أو معنوياً.

وهم غير نزلاء "الجويدة "الذين منع الوفد من زيارتهم في وقت متزامن مع زيارته لسجن المخابرات, ما عزز الشكوك في كون مناقلة للسجناء تمت, حسب ما أوردته المنظمة في ردها على صحيفة "الرأي".

والسؤال الصريح للصحفيين -الحريصين جداً على أدق التفاصيل دون هذه العناوين الكبرى التي أكدتها منظمات حقوق الإنسان المحلية ومحامو وأهالي المعتقلين- هو: ماذا سيعني لك التقرير لو كنت, أو كان أخ لك أو ابن أو عزيز, واحداً من نزلاء سواقة أولئك, أو حتى من نزلاء الجويدة الذين منعت زيارتهم كلياً -وبقرار مفاجئ بعدما كان الإذن قد أعطي- ليس له عند أي عاقل سوى تبرير من نوع واحد؟!

الجزئيات التي يجري التركيز عليها تراوح بين انتقادات مكررة تتلخص في كون بعض الهيئات غير الحكومية المحلية التي ذكرها التقرير, ضمن الهيئات التي منعت من إقامة أنشطتها الناقدة أو الأنشطة المراقبة والممحصة فقط (كمراقبة الانتخابات أو محاولة تمحيص الخلل في مشاريع القوانين الحكومية أو عدم الدستورية في قوانينها المؤقتة), تتلقى تمويلا من جهات أوروبية أو أميركية ضمن مخصصات رصدت لتقوية المجتمع المدني ودعم منظمات حقوق الإنسان.

"
المعونة المالية من دولة لدولة لن تخلو من هدف سياسي, في حين أن المعونات لأغراض إنسانية قد تكون كذلك بالفعل حين توجه لمضطهدين سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.. والعبرة بمن يتلقى المعونة بأكثر مما هو فيمن يعطيها
"
وعلى تباين رأينا في كل حالة على حدة, فإن الخطر هنا في أن هذه الصحافة التي تقول إنها مستقلة ترفض تمويل تلك المنظمات ابتداء, رغم معرفتها بالحصار الاقتصادي المدمر لكل من وما يتجرأ على نقد أو مساءلة الحكومة, ولا تقصر رفضها على غياب الرقابة المحايدة والرشيدة على طرق إنفاق ذلك التمويل بما يحقق أهدافه المشروعة المعلنة.

وهذه الصحافة تقبل -بل وتطالب- بأن تمول الحكومة الأحزاب التي لم توفر تلك الحكومات وسيلة لقمعها لحينه, وتغض الطرف إن لم ترحب علانية, بالتمويل الرسمي لهيئات فكرية ثقافية لا يقوم عملها ابتداء دون الحرية المطلقة, بل وتقبل منحاً و"مكرمات" تقدم بصفة شخصية لتلك الهيئات تذكّر بما قرأناه في سير الشعراء المداحين من قصص "يا غلام, أعطه ألف دينار"!!

ومقابل كل هذا لا ترفض تلك الصحافة التمويل الآتي من الغرب, ولكن للحكومات, وتحت نفس المسميات الإصلاحية التي لا تتحقق بل تتراجع.. بل ولا ترفض التمويل الآتي باسم معونات عسكرية, في حين يصر الواهبون على إلقاء العرب السلاح مرة وإلى الأبد أمام عدونا الصهيوني.. وباسم دعم الجهود المبذولة في إحقاق السلام.. سلام مع جهة واحدة، بينما الحروب السياسية والكلامية و"اللوجستية" (كلمة نستعيرها من قاموس "التعاون" القائم مع الغرب والذي يؤهلنا لهذه المعونات) تفتح تباعاً مع الأقربين, وفي مقدمتها "الحرب على الإرهاب" التي لا تستثني المقاومة العراقية والمقاومة الفلسطينية إلا حين تخضع إرادة المقاومة هذه إرادة أميركا وتضطرها للتفاوض معها!!

وحتى حين لا تحمل المعونات المقدمة للحكومات أية عناوين, وهو نادر الحدوث في نسخة المصدر على الأقل، كون المعونات "تبرّر" لمجالس نواب الشعب هناك لإقرارها, فإن المعونة المالية من دولة لدولة لن تخلو من هدف سياسي, في حين أن المعونات لأغراض "إنسانية" قد تكون كذلك بالفعل حين توجه "لمضطهدين" سياسيا أو اجتماعيا أو اقتصاديا.. والعبرة بمن يتلقى المعونة بأكثر مما هو فيمن يعطيها, وإلا فإنه حتى الصدقات يمكن تكفيرها بذات العقلية!!

كل هذا الذي سبق لا تثيره الصحافة والصحفيون "المستقلون" أولئك, ولكن منظمة هيومن رايتس أثارت بعضه حين طالبت حكومة بلدها أميركا والاتحاد الأوروبي باشتراط تقديم معوناتها للحكومات بحدوث تقدم "حقيقي" في مجال الحريات والحقوق السياسية وحقوق الإنسان.. أي تقدم تشهد له الأحزاب وهيئات ونشطاء الحريات حقوق الإنسان والدمقرطة وبقية منظمات المجتمع المدني عندنا, كما تشهد عليه المتغيرات على الأرض.. وأظننا في غنى عن بيان أثر المعونات "المادي" الملموس على الحكومات, إن سلمنا بأن الأثر "المعنوي" للتقارير لا يعنيها!!

هذا عن التفصيل الرئيسي الأول الذي يسعد الحكومات أن تتنطع به صحافتنا "المستقلة" و"المعارضة" لكل هيئات حقوق الإنسان المحلية والدولية، فتعفي الحكومات من بعض كلفة صحفيي الدولة وكتابها الباهظة.. والنعم المسبغة على هؤلاء الكتاب تتحدث عن نفسها!!

أما التفصيل الآخر, فيتعلق بتعريف المنظمة "غير الربحية" وتعريف "منظمات المجتمع المدني".

"
هناك خلط غير مقصود لدى غالبية الصحفيين ممن يقرؤون ويكتبون بالعربية فقط ويعيشون ضمن معطيات ومفاهيم وثقافة العالم العربي, كما يجري خلط آخر متعمد لدى بعضهم في إسقاطات أيدولوجية على الغرب لا تتوقف عند الفروق في التفاصيل
"
فالتعريف بالإنجليزية يتداخل في حال كون نشاط "المنظمة" لهدف عام كحقوق الإنسان أو الديمقراطية, ما يجعل الهيئات التي يؤسسها نشطاء أفراد في هذه الحقول تتساوى في التعريف مع "الجمعيات" الخيرية والسياسية و"الأحزاب" و"النقابات", كونها كلها لا تهدف إلى ربح يجنيه فرد أو جهة بعينها, بل لتغطية تكاليف القضية التي تتبناها أو الخدمة العامة التي تقدمها تلك الجهة أو الهيئة.

ولا يغير من هذا النص أو عدم النص في القوانين الناظمة لأعمال تلك الهيئات على حقها في استثمار أموالها مقابل عائد, كون ذلك العائد يوظف لخدمة أهداف الهيئة وليس ريعاً لجهة أو شخص يمكن أن ينفق في غير هذه الأهداف أو يستثمر في مشروع ريعي آخر مستقل.

وإذا كانت الهيئات "الجماعية" (الأحزاب والنقابات والجمعيات) مألوفة لدينا, فإن المؤسسات المرادفة التي يؤسسها أفراد مستجدة بالمقابل, وقد تكون جدّتها سبباً أو مسهلاً لبعض الممارسات السلبية في بعضها أو معظمها.

ومن هنا يجري خلط غير مقصود لدى غالبية الصحفيين ممن يقرؤون ويكتبون بالعربية فقط و"يعيشون" ضمن معطيات ومفاهيم وثقافة العالم العربي, كما يجري خلط آخر متعمد لدى بعضهم في إسقاطات أيدولوجية على الغرب لا تتوقف عند الفروق في التفاصيل, أو هو خلط تتعمده الحكومات وكتابها ويقع في فخاخه أو يستجيب له -من باب التقية أو الممالأة- بعض الكتاب المستقلين إلى الحدود التي يعتبرونها هم آمنة!

فقط للإشارة إلى أن تلك القراءات المتشنجة للتقرير تصبح انتقائية بأكثر مما يتهم أصحابها التقرير ذاته بالانتقائية, نبين أنه (التقرير) احتج على عدم إعطاء حزب جبهة العمل الإسلامي خاصة, وعدد من الأحزاب المعارضة أيضا, الإذن بتنظيم مسيرات في مناسبات من مثل الذكرى الأربعين لاحتلال الضفة وغزة (التقرير يبرز أن محافظ البلقاء منع الإذن عن الجبهة "المتعاطفة" مع حماس في حين أعطاه لجهة متعاطفة مع فتح), وللاحتجاج على تصريحات البابا عن الإسلام, وفي ذكرى معركة الكرامة, وفي الذكرى الـ37 لوفاة غسان كنفاني الذي يعرفه التقرير لقرائه بأنه "الشخصية المدافعة عن الحرية".

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك