غازي دحمان

غازي دحمان

كاتب سوري


على مدار سنوات كانت كينيا ملهمة الإعلام في الغرب وساحرة سياسية، لا لجاذبية طبيعتها الثرية بالتضاريس والألوان، وإنما لسحر صناعة السياسة فيها، مما حولها إلى واحة للاستقرار السياسي والنجاح الاقتصادي على ما يزعمون، إلى درجة أن القاموس السياسي الغربي لم يكتفِ بترحيل مصطلحات وقيم أوروبية ومحاولة إدراجها في سياق أفريقي مخالف، عبر الحديث عن الديمقراطية الكينية المستقرة ذات التراث العميق، بل في الذهاب إلى حد التنظير للنموذج الكيني الدولة الأفريقية الوحيدة التي أفلتت من شراك "الدولة الفاشلة"!

"
الاستقرار الظاهري في كينيا وموقعها الإستراتيجي واهتمام الغرب بها كانت كلها  تخفي في طياتها الكثير من الإشكاليات البنيوية في البيئة الكينية تحولت بفعل تراكمها إلى صاعق أو صواعق لتفجير الأزمة الكينية الحالية
"
لاشك أن العنف القبلي الذي انفجر في كينيا، وهدد بإعادة البلد إلى حالة ما قبل الدولة أي قبل انصهار المكونات الأساسية المكونة من أربعين قبيلة في هذا الكيان الأفريقي، يثبت الحقيقة التي طالما أشار إليها العلماء في العالم الثالث والتي تقول إن المعايير والأحكام الغربية ذات طبيعة غرضية مرتبطة دائما بالإستراتيجيات الكبرى للغرب.

كما أثبتت أن علم الاجتماع والسياسة يؤديان نفس الدور الذي قام به علم الأنثربولوجيا في خدمة مخططات الإمبريالية الاستعمارية القرنين الماضيين، هذا فضلا عن ارتكاز التقييمات الغربية على الشكل دون عناء البحث في المضامين.

بالطبع لا يمكن نكران بعض المعطيات الهامة في الحالة الكينية كالاستقرار السياسي الذي دام أربعين عاما منذ الاستقلال عن بريطانيا عام 1963، والذي لم تَشُبه سوى حالات بسيطة.

ولا يمكن نكران قيام كينيا بدور هام في حل النزاعات بالقارة الأفريقية "حتى أصبح لمدنها شهرة عالمية، كالدوريت وماشاكوس التي استضافت مؤتمرات مصالحة صومالية وسودانية، كما أن نيروبي صارت مدينة للمؤتمرات فضلا عن احتضانها لمقرات الأمم المتحدة وشركات غربية وأجنبية.

كذلك فإن كينيا تعتبر عقدة مواصلات هامة ومركزا تجاريا بين الشرق الأوسط وأفريقيا، ويضاف إلى كل ذلك تحقيقها لنمو اقتصادي وصل إلى 6%.

غير أن كل ذلك كان يخفي في طياته الكثير من الإشكاليات البنيوية في البيئة الكينية ستتحول بفعل تراكمها إلى صاعق، أو صواعق لتفجير الأزمة الكينية الحالية.

- فالاستقرار السياسي الذي شهدته كينيا لم يكن قائما على صيرورة ديمقراطية حقيقية ومتقدمة، وعلى العكس قام هذا الاستقرار في ظل أنظمة تسلطية وقمعية، اعتمدت على قوة الإثنية الغالبة (الكيكويو) المتلطية بنظام الحزب (كانو) وتحت سلطة الزعيم الأوحد جومو كيناتا ودانيال أراب موي اللذين حكما البلاد أكثر من 35 عاما.

- افتقدت الديمقراطية الكينية أبسط معايير الشفافية، فقد غرقت البلاد في فساد كبير وقعت فيه النخب الحاكمة منذ الاستقلال عن بريطانيا، وقد عُرف عن الرئيس الأول جومو كيناتا أن زوجته راكمت أموالا طائلة إلى درجة أن أصبحت من كبار الأثرياء في كينيا.

كما أن الرئيس الثاني أراب موي راكم أموالا قدرت بحوالي ثلاثة مليارات دولار، وحتى حكم الرئيس الحالي لم يسلم من هذه الآفة التي يبدو أنها أصبحت جزءا من آليات اشتغال النظام السياسي الكيني، لدرجة دفعت بالمفوض الأعلى البريطاني إلى استخدام لغة مقذعة في وصف فاسدي كينيا، حين قال "لقد ابتلعوا وابتلعوا حتى تقيأوا على أحذية المانحين الأوروبيين".

- لم ينعكس النمو الاقتصادي في كينيا على الحياة العامة للكينيين بل كان حكرا على فئات معينة، في حين أن معظم الشعب يعيش على أقل من دولار في اليوم، كما أن ثلثي سكان العاصمة نيروبي يعيشون في أحياء عشوائية فقيرة وقذرة، وتنتشر الأحياء الفقيرة في أجزاء كبيرة من كينيا.

"
الموقع أكسب كينيا أهمية اقتصادية أهلتها لأن تكون مركز إمداد وتجارة لمنطقة بكاملها كما أعطاها أهمية سياسية ودبلوماسية تمثلت في قدرتها على أداء دور الوسيط واستضافة مؤتمرات السلام لحل النزاعات في الدول المجاورة
"
ولم يستثن الفقر حتى قبيلة الكيكويو التي يتهمها البعض بالسيطرة على مقاليد السلطة والثروة في البلاد، والدليل على ذلك أن عشرات الآلاف من أبناء هذه القبيلة صوتوا لمرشح المعارضة أودينغا وليس لابن القبيلة الرئيس الحالي كيباكي، مما يثبت أن للصراع أبعادا طبقية واجتماعية.

- لم يكن أيضا النمو الاقتصادي حقيقيا، فبالرغم من المداخيل التي تحققها السياحة النامية وزراعة الشاي وحركة الترانزيت عبر ميناء مومباسا إلى دول شرق أفريقيا، فإن الفضل الأكبر في تحقيق هذا النمو يعود إلى المساعدات الأجنبية ذات الأبعاد السياسية، فضلا عن بعض أنواع التجارة القذرة ذات الطابع المافياوي كتهريب السلاح وبعض المعادن الثمينة كالماس والذهب ومعدن التتاليوم.

والتتانيوم معدن نادر وموصل جيد يوجد بكثرة شرق الكونغو، ازداد الطلب العالمي عليه لاستخدامه في الصناعات عالية التقنية من فضائيات واتصالات، ويتم تهريبه من شرق الكونغو إلى أوروبا عبر ميناء مومباسا الكيني.

لقد مارس الغرب تجاه كينيا سياسة التستر والتلميع لتأمين استقرار قسري للنخب الحاكمة، والسبب في ذلك يعود إلى موقع كينيا الجيوسياسي الذي يجعل استقرارها ذا أهمية كبرى بالنسبة لبعض القوى العظمى، وعلى وجه التحديد الولايات المتحدة الأميركية التي يعتبر إستراتيجيوها أن منطقة شرق أفريقيا على وجه الخصوص ذات أهمية خاصة بالنسبة لبلدهم.

هذا هو ما دفع الرئيس الأميركي السابق ريتشارد نيكسون إلى التأكيد على أهمية هذه المنطقة في كتابه (الفرصة السانحة) الذي عد بمثابة "وصية سياسية" للساسة الأميركيين، وكان قد أصدره بعد حرب الخليج وانهيار الاتحاد السوفياتي.

وتأتي أهمية كينيا من كونها تتوسط جغرافيا بين زيمبابوي وأوغندا والسودان وأثيوبيا والصومال، وهي جميعها مناطق ثروات هامة كالنفط واليورانيوم، كما أنها مناطق نزاعات مستمرة منذ أكثر من نصف قرن.

وهذا الموقع أكسب كينيا أهمية اقتصادية أهلتها لأن تكون مركز إمداد وتجارة لمنطقة بكاملها، كما أعطاها أهمية سياسية ودبلوماسية تمثلت في قدرتها على أداء دور الوسيط واستضافة مؤتمرات السلام لحل النزاعات في الدول المجاورة.

كما أنها اشتهرت بتوفير الملجأ لمعارضات دول الجوار وخاصة السودانية والصومالية، كما أن معظم عمليات الأمم المتحدة لحفظ السلام والإغاثة الإنسانية تتمركز فيها.

من ناحية أخرى دفعها هذا الموقع إلى أن تكون منفذا حيويا جيوسياسيا لاختراق البيئة الإقليمية لمنطقة شرق أفريقيا من طرف واشنطن، وفي أحيان كثيرة إسرائيل بدعم التمرد في الجنوب السوداني، وفي تهديد جنوب الصومال وإشعال بؤر التوتر شرق زائير ورواندا وبوروندي وأنغولا وموزمبيق، وعرقلة أي تحولات تحررية في تنزانيا، وإعاقة علاقات العرب مع دول أفريقيا السوداء.

صحيح أن لبعض السلوك الكيني أحيانا دوافع محلية مثل دعمها للتمرد في السودان والصومال، وذلك بهدف تحويل أنظار البلدين عن المطالبة بأقاليمها التي تحتلها كينيا "النفذ الصومالي"، "الإقليم الجنوبي الغربي من السودان" غير أن ذلك لا يمكن بأي حال من الأحوال أن ينفي حقيقة الدور الخارجي في توظيف كينيا إقليميا، وخاصة من قبل واشنطن.

واللافت هو أن هذا التوظيف قد تم تكييفه حسب الوقائع والمتغيرات الدولية، فقد شجعت الولايات المتحدة كينيا على لعب دور الشرطي في منطقة شرق أفريقيا في ظل اهتمام واشنطن البالغ بالملفين السوداني والصومالي واهتمامها بشرق أفريقيا الذي يرجع إلى أيام الحرب الباردة حين كانت تنظر إلى كينيا باعتبارها إحدى الدول الأساسية في مواجهة النفوذ السوفياتي في المنطقة خاصة في أثيوبيا والصومال.

"
دعم الغرب لكينيا دبلوماسيا واقتصاديا وتلميعه لصورتها إعلاميا لم يستطع أن يقفز بكينيا عن واقعها ولا أن يبدل الحقائق التاريخية التي تشكل أساس الصراع فيها
"
وفي مرحلة لاحقة، وعندما شهدت أفريقيا حالة من التنافس الدولي الشديد على النفوذ حين لعب النفط والغاز دورا هاما في تصاعد حدة ووتيرة هذا التنافس بالإضافة إلى الحرب التي تشنها واشنطن على الإسلاميين، أخذ الاعتماد على كينيا يتزايد.

غير أن المخاوف من كينيا بدأت هي الأخرى تتزايد، إذ يرى الأميركيون أن "كينيا غير المستقرة ستفتح المجال أمام الإسلاميين" مما يضعف الأمن على الحدود التي تعتبر بوابة عبور إلى الشرق الأوسط وصولا إلى الهند وباكستان، كذلك يهدد وجود أكثر من خمسة آلاف أميركي في كينيا أغلبهم من المبشرين الإنجيليين!

وانطلاقا مما سبق باتت كينيا مرشحة قوية لأن تكون مقرا لقيادة (أفركوم) وهو مركز عسكري يغطي القارة الأفريقية، تعتزم الولايات المتحدة إطلاقه خريف 2008، وهدفه محاربة التنظيمات الإسلامية وضمان الموارد النفطية واحتواء التوغل الصيني في القارة السمراء.

وقد بدأت أميركا في التركيز على ميناء مومباسا الإستراتيجي على المحيط الهندي، وقد تحملت تكلفة تعميق الغاطس التابع للميناء حتى يتمكن من استضافة السفن الحربية الأميركية العملاقة حيث يمكنها من مراقبة تطورات الأوضاع، ليس فقط شرق أفريقيا وإنما في الضفة الأخرى حيث الجناح العربي الأسيوي.

هذه الأسباب كلها تقف وراء إصرار الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص، على دعم كينيا دبلوماسيا واقتصاديا وتلميع صورتها إعلاميا، غير أن هذه الجهود لم تستطع أن تقفز بكينيا عن واقعها ولا أن تبدل الحقائق التاريخية التي تشكل أساس الصراع القائمة على:

1- التنوع الشديد لغويا ودينيا واجتماعيا.
2- الهوية الإثنية مقابل الهوية الوطنية.
3- إخفاق مشروع الدولة الوطنية.
4- السياسات التي اتبعها الاستعمار إبان الحقب السابقة.

ولاشك أن الديمقراطية الكينية رغم كل محاولات ترويجها، ما زالت تواجه تحديات عديدة أهمها:
1- تدخل المؤسسة العسكرية في الحياة السياسية ودورها في صياغة خيارات التحول.
2- الفساد الكبير وهدر الموارد والنظر إلى الوظيفة العامة باعتبارها المدخل الرئيسي لتحقيق التراكم الرأسمالي.

3- إشكاليات تنظيمية وبنيوية تؤثر على فاعلية قوى المعارضة السياسية وتنظيمات المجتمع المدني، وهو ما يساعد على استمرار سياسات الأبوية الجديدة والظاهرة المنتشرة في أفريقيا عموما والتي تعني في جوهرها استمرار حكم الفرد وغياب المؤسسة، وإن اتخذت إطارا ديمقراطيا شكليا.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك