علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني


التربة الخصبة والحاضنة للعمل المقاوم
جدل واسع بشأن مصير كتائب الأقصى
استحالة الإقصاء والإحالة على التقاعد

لم تكن نشأة وولادة كتائب شهداء الأقصى في أكتوبر/تشرين الأول عام 2000 دون مقدمات أو إرهاصات داخلية تكاثفت وتجمعت داخل أطر وهيئات حركة فتح الوسطى والقاعدية التي ساهمت في مسيرة الانتفاضة الفلسطينية الأولى منذ فجر اندلاع شراراتها في 7/12/1987.

بل جاءت في سياقات عملية تراكمية، تعاظمت رويداً رويداً واكتملت فصولها مع الاستعصاءات الحادة التي برزت موضوعياً، وعطلت من إمكانية اندفاع قاطرة التسوية التي أطلقتها تسوية مدريد وأوسلو على المسار الفلسطيني الإسرائيلي.

وتحديداً بعد انفراط قمة كامب ديفد الثانية في يوليو/تموز 2000 وهي القمة التي حاولت من خلالها الإدارة الأميركية تبليع الفلسطينيين حلولاً منقوصة وجائرة تقع أدنى بكثير من سقف قرارات الشرعية الدولية.

كما كان لانفلات أخطبوط الاستيطان التوسعي الصهيوني التهويدي في الضفة الغربية ومناطق القدس، واتساع نطاق عمليات القمع الإسرائيلية ذات الطبيعة الفاشية، دور ملحوظ في إكساب الحالة الفلسطينية جرعات من الاندفاع لإطلاق صيحة الكفاح الفدائي المسلح في مواجهة قوات الاحتلال وقطعان المستوطنين الذين تكاثرت أعدادهم مع ارتفاع منسوب عمليات سلخ الأرض الفلسطينية وتهويدها بعد توقيع اتفاق أوسلو الأول في 13/9/1993.

التربة الخصبة والحاضنة للعمل المقاوم

"
انطلاقة كتائب شهداء الأقصى كانت تعبيراً سياسياً وفعلاً ملموساً من قبل قادة الصفوف الوسطى والقاعدية من أبناء حركة فتح الذين عاشوا تجربة الانتفاضة الأولى وقدموا تضحيات هائلة فيها على طريق الخلاص والحرية
"
لقد ترافقت كل هذه الاعتمالات مع التبدلات الجذرية في تشكيلة وتركيبة الخريطة السياسية الفلسطينية، والنهوض العارم لقوى الانتفاضة بشكل عام، وتنامي واتساع دور تيار قوى المقاومة الإسلامية في فلسطين بقيادة حركتي حماس والجهاد الإسلامي بشكل خاص، والحراكات الداخلية في إطارات حركة فتح.

فشكل ذلك بمجموعه التربة الخصبة والحاضنة المهيِّئة التي دفعت نحو انطلاق الرصاصات الأولى لكتائب شهداء الأقصى من قلب الضفة الغربية وتحديداً من مدينة بيت لحم بعد استشهاد الشهيد حسين عبيات بعملية اغتيال إسرائيلية تمت باستخدام مروحية أباتشي في السادس من أكتوبر/تشرين الأول عام 2000.

كما كانت انطلاقة كتائب شهداء الأقصى تعبيراً سياسياً وفعلاً ملموساً من قبل قادة الصفوف الوسطى والقاعدية من أبناء حركة فتح الذين عاشوا تجربة الانتفاضة الأولى وقدموا تضحيات هائلة فيها على طريق الخلاص والحرية.

وقد صدموا أمام حقيقة هزال الأداء والفعل في العمل الدبلوماسي السياسي الفلسطيني الرسمي الذي بات يتعاطى مع ما يقدم للفلسطينيين من فتات على طاولة الاستجداء في مفاوضات غير متوازنة مختلة، طغى عليها منطق القوة والغطرسة الإسرائيلية مضافًا إليه الانحياز الأميركي الأعمى والصارخ.

وبهذه المعاني كانت كتائب شهداء الأقصى تحولاً داخل حركة فتح، وواحدة من أبرز المخاضات السياسية التي تعرضت لها منذ انطلاقها قبل ما يقرب من 43 عاماً.

فكتائب شهداء الأقصى قبل أن تكون جناحاً عسكرياً لحركة فتح، عبرت عن حالة الغضب والاحتقان التي ترسبت إلى القاعدة الشعبية لحركة فتح جراء تداعيات وهشاشة "العملية السلمية" غير المتوازنة أولاً، ونتيجة للفساد والجمود المسيطرين على السلطة الفلسطينية وقادة الصف الأول لحركة فتح ثانياً.

فقد تعاظمت حالة الغضب عند قادة وكوادر الصف الثاني الذين تحملوا عبء مسيرة وقيادة الانتفاضة الأولى، وتعرض هؤلاء القادة الميدانيون من أبناء الداخل الفلسطيني، خصوصاً اللاجئين منهم في قطاع غزة والضفة الغربية للتهميش بعد عودة قيادة الخارج إلى الداخل في يوليو/تموز 1994، على الرغم من أنهم كانوا أكثر التصاقاً وقرباً من القاعدة العريضة للشعب الفلسطيني.

وعليه، كانت نشأة وانطلاقة كتائب شهداء الأقصى صفعة قوية في وجه من اعتقد من الطواقم الرسمية التفاوضية (من الذين لم تتغبر أياديهم بحجارة الانتفاضة) أن مسار التسوية الأميركية الإسرائيلية أصبح مفتوحًا فوق الأرض الفلسطينية، فأسهمت كتائب شهداء الأقصى إلى جانب قوات الشهيد عز الدين القسام، وسرايا القدس، وكتائب الشهيد أبوعلي مصطفى، وألوية الناصر صلاح الدين، في قلب الطاولة رأسًا على عقب بعد انفراط عقد قمة كامب ديفد الثانية صيف عام 2000.

"
كتائب شهداء الأقصى أسهمت إلى جانب قوات الشهيد عز الدين القسام وسرايا القدس وكتائب الشهيد أبوعلي مصطفى وألوية الناصر صلاح الدين في قلب الطاولة رأساً على عقب بعد انفراط عقد قمة كامب ديفد الثانية صيف عام 2000
"
ولم تكن الأمور في الساحة الفلسطينية لتتوقف عند حدود الصراع مع برنامج التسوية الهزيلة المطروح أميركيا وإسرائيليا، بل انتقلت تأثيرات وتداعيات المرحلة القاسية التي تمت فيها محاصرة منطقة المقاطعة في رام الله، واشتداد عمليات القمع الإسرائيلية التي ترافق معها رحيل الشهيد ياسر عرفات، إلى داخل البيت الفلسطيني وتحديدا إلى داخل البيت الفتحاوي.

ففي حين كان الحصار الإسرائيلي يشتد على الرئيس عرفات، ويشتد معه استخدام القوة من قبل جيش الاحتلال في مواجهة الشعب الفلسطيني وقوى الانتفاضة، كانت اجتماعات مغلقة بين عدد من الأطر القيادية المحسوبة على حركة فتح ومعها بعض الطاقم القيادي الرسمي من خارج حركة فتح، تجتمع في البناية الشهيرة (العمارة) في مدينة رام الله التي أسماها الرئيس عرفات قبل رحيله وأثناء الحصار "عمارة العار" لتخرج منها مواقف باتت معروفة للجميع. وقد دعت هذه المواقف ضمن ما دعت إليه، إلى حل كتائب شهداء الأقصى وجميع الأجنحة الفدائية المسلحة.

ومن حينها برزت التباينات على السطح واضحة داخل حركة فتح، بين رجال وأنصار اتفاقات أوسلو الداعين إلى السير على طريق المفاوضات وحدها على طول الخط، ونزع سلاح كتائب شهداء الأقصى، خصوصا بعد أن بات أنصار هذا الاتجاه يخشون من سحب البساط من تحت أقدامهم لصالح قادة المقاومة والأجيال الجديدة التي صعدت في ميدان العمل الانتفاضي والعمل الفدائي المسلح في سياق الكفاح الوطني التحرري للشعب الفلسطيني، وبين تيار آخر يدعو إلى الإبقاء على كتائب شهداء الأقصى.

وبين التيارين السابقين انطلقت العديد من وجهات النظر الإضافية، ومنها وجهات النظر التوفيقية.

جدل واسع بشأن مصير كتائب الأقصى
وعليه فإن ثمة جدلا واسعا ما زال يدور منذ فترة طويلة على مستوى اللجنة المركزية لحركة فتح، وجنبات كواليس مجلسها الثوري بشأن دور ومصير كتائب شهداء الأقصى، بين وجهات نظر تكاد تكون متناقضة بشأن كتائب شهداء الأقصى وتقييم دورها وحصادها ومآلاتها المتوقعة.

فهناك من ينادي بضرورة استمرار وجودها حتى لو كان دون فاعلية عسكرية فدائية على الأرض، وهناك من يدعو إلى وقف عملها، أو احتوائها وإخضاعها للقرار السياسي الرسمي لحركة فتح والسلطة الفلسطينية، ومنهم من يرى ضرورة استمرارها لتكون ذراعا فدائيا لحركة فتح. فالنقاش الذي طال في حركة فتح ما زال يتمحور بين فريق فتحاوي يؤيد بقاء كتائب شهداء الأقصى على حالها باعتبارها ذراعا لحركة فتح، وبين من يُسمّوْن "الحمائم" الذين يرون أن ثمة "عقلانية" تكمن وراء أهمية إحالة كتائب شهداء الأقصى إلى التقاعد بعد أن أدت الأغراض المطلوبة منها.

"
النقاش ما زال يتمحور بين فريق فتحاوي يؤيد بقاء كتائب شهداء الأقصى على حالها باعتبارها ذراعا لحركة فتح، وبين من يُسمّوْن "الحمائم" الذين يرون أهمية إحالة شهداء الأقصى إلى التقاعد بعد أن أدت الأغراض المطلوبة منها
"

ويقف تيار ثالث قليل التأثير موقفاً يدعو فيه إلى المحافظة على كتائب شهداء الأقصى وحمايتها، مع التأثير على قرارها العملياتي ووضعه في سياق الوظيفة المرجوة، دون المبالغة في الفعل العسكري أو تمديده خارج المناطق المحتلة عام 1967 لاعتبارات شتى.

ويتشكل مؤيدو الرأي الأول من القادة والناشطين الميدانيين مقابل رأي المسؤولين الأمنيين والمدنيين من أعضاء الحركة في مختلف مؤسسات السلطة الفلسطينية.

ولأكثر من مرة شهدت الخلافات الفتحاوية الداخلية بشأن دور ومستقبل كتائب شهداء الأقصى تباينات حادة تم التعبير عنها بالبيانات التي صدرت هنا وهناك عن مراكز سياسية تابعة لحركة فتح، وكذلك عن مجموعات محلية تابعة لكتائب شهداء الأقصى في هذه المدينة أو تلك.

ومنها بعض البيانات التي جاءت في فترة معينة لمواجهة دعوات اندماجها في الأجهزة الأمنية ونزع سلاحها أو شرائه كما عرض محمد دحلان عام 2003، وفيها أعلنت كتائب شهداء الأقصى أن "أعضاءها لن ينزعوا أسلحتهم حتى إقامة الدولة الفلسطينية غير منقوصة السيادة على الأراضي المحتلة عام 1967".

وأكدت الكتائب مواقفها تلك حين أعلنت على لسان شخص منها يدعى أبو قصي قدمته وكالات الأنباء باعتباره المتحدث باسمها في قطاع غزة، رفض "الاندماج في الأجهزة الأمنية"؛ لأن "عناصر كتائب شهداء الأقصى لا يريدون منصبا هنا أو هناك". وجدد متحدث آخر باسمها -هو أبو محمد الذي قدمته وكالات الأنباء باعتباره ناطقا باسم الكتائب في الضفة الغربية- ذلك بقوله إن "الكتائب ليست سلعة تباع أو تشترى".

وقد ردت كتائب شهداء الأقصى أكثر من مرة على دعوات حلها وإحالتها إلى "التقاعد"، حيث شدد أحد قادتها -واسمه أبو مجاهد في تصريحات له بعد انتهاء عملية السور الواقي الصهيوني في أبريل/نيسان 2003- على إدانة اقتراحات محمد دحلان لشراء سلاح كتائب شهداء الأقصى.

ووصلت الأمور بعد فترة من الزمن إلى أن طالب رئيس حكومة تسيير الأعمال التي شكلت في يونيو/حزيران 2007 سلام فياض، بنزع وتفكيك القوى والأجنحة العسكرية بدءًا من كتائب شهداء الأقصى، التي ردت عليه ببيان وزع في فلسطين.

وثبت في الواقع العملي أن أصحاب المواقف الداعية إلى استمرار كتائب شهداء الأقصى هم الملتفون حول تراث المؤسس التاريخي لحركة فتح ياسر عرفات، ومعهم جزء كبير من الكوادر الوسطى والقاعدية في حركة فتح.

استحالة الإقصاء والإحالة إلى التقاعد
وبهذا يتضح أن كتائب شهداء الأقصى لا يمكن إقصاؤها وإلغاؤها بقرار حتى لو تم تجميد منابعها المالية أو حصارها كما وقع مع مجموعات فرسان الليل التابعة لها مؤخرا في مدينة نابلس، فهي متغلغة داخل نفوس جزء كبير من كوادر حركة فتح.

ولولا الدعم المباشر وغير المباشر من المتعاطفين مع كتائب شهداء الأقصى داخل قيادات حركة فتح الوسطى والقاعدية لما تمكنت من الاستمرار والبقاء في ظل التباينات السياسية الحادة التي ضربت ولا تزال تضرب البيت الفتحاوي الداخلي منذ فترة طويلة قبل رحيل الرئيس ياسر عرفات.

"
وقائع التجربة التي عاشتها الأجنحة الفدائية المسلحة تؤكد أن العمل الفلسطيني المسلح تنقصه ضرورات يجب تداركها، فواقع المقاومة الفلسطينية لا يماثل غيره في استنساخ متسرع
"
فهاني الحسن عضو اللجنة المركزية المعارض حاليا لسلوك ونهج الرئاسة الفلسطينية، يعتبر أن كتائب شهداء الأقصى ماسة ودرة حركة فتح ويعارض حلها، ويطالب بحل الأزمة المعيشية لأفرادها، كما يعتبر أن أي مساس بكتائب شهداء الأقصى يعني تلقائيا ترك حركة فتح بلا أسنان.

أخيراً، ومن موقع المتابع أستطيع القول بأن وقائع التجربة التي عاشتها الأجنحة الفدائية المسلحة تؤكد أن العمل الفلسطيني المسلح تنقصه ضرورات يجب تداركها، فواقع المقاومة الفلسطينية لا يماثل غيره في استنساخ متسرع.

فالموقف الأقرب للنضج والاعتدال يقر بأن تطور العمل الفلسطيني المقاوم داخل فلسطين يجب أن يساير حركة الانتفاضة ذاتها، وأن يأخذ بناصية إستراتيجية دقيقة، تنبع من أهمية استمرار الطابع الجماهيري لرفد الانتفاضة، وهو ما يتطلب دخول أوسع قطاعات الشعب وطبقاته وفئاته وقواه, في حين يتم توجيه العمل المسلح، وهي دعوة بداية لا نهاية.

المصدر : الجزيرة

التعليقات