الطيب بوعزة

كاتب مغربي

التباس مفهوم الحداثة
الحداثيون العرب مقلدون
الحداثة الفلسفية

لقد كثر الحديث في الأوساط الثقافية والسياسية العربية حاليا عن الحداثة والتحديث، وتجاوز صيت الكلام المجال الأدبي والفكري إلى المجال السياسي أيضا.

وكثافة تداول الاصطلاح تؤدي أحيانا إلى عكس المتوقع، أي أنها لا تؤدي إلى وضوح المفهوم ومعرفة مدلوله بفعل كثرة استعماله وتداوله، بل تؤدي إلى اختلال دلالته، والتباسها عند المتحدثين به والمستمعين إليه على حد سواء.

وذلك راجع أولا إلى أن الأمر في مثل هذه الاصطلاحات المتداولة في المجالات المعرفية والسياسية لا يرجع إلى مطلب المعرفة والوضوح المفاهيمي حتى يتوسل له بالنقاش الفكري القائم على الحوار، بل يرجع إلى اعتبارات سياسية وإيديولوجية، ولذا من الطبيعي أن يستعاض عن الحوار المعرفي بالمزايدات والحسابات السياسية.

التباس مفهوم الحداثة
ومما يزيد الأمر التباسا أن الفكر العربي المعاصر لا ينتج مفاهيمه بل يتلقاها من الغرب بعقلية استهلاكية لا بعقلية الفهم والوعي النقدي، حتى تحول واقعنا الثقافي بسبب عقلية التقليد هذه إلى سوق شعارات لا إلى موطن لازدهار الفكر والتماع الاجتهاد والتأسيس للتفاعل النقدي مع منتجات الفكر الإنساني.

لقد أصبحت الحداثة اليوم مصطلحًا سائغًا تتداوله كل الألسن على اختلاف توجهاتها وتياراتها الفكرية، بل أصبح بعضهم يتحدث عنها وعن ضرورتها، وعن المشروع الحداثي وقيمته، وعن احتياجنا له بوصفه الإكسير المعالج لإشكالات وإخفاقات الوضع الراهن.

"
المشروع الحداثي العربي عنده معطى جاهز للتقليد والنسخ، ولا يدرك أن الحضارة ليست سلعة تباع وتشترى بأوراق البنكنوت، ولا ينتبه إلى السائد في مختلف التجارب الحضارية للشعوب
"
هكذا يتحدث هؤلاء وكأنهم اكتشفوا شيئا جديدا يستحق كل هذه الضجة، بينما الحقيقة أن المشروع المتحدث عنه مجرد تكرار للإجابة التي تبلورت تجاه سؤال النهضة منذ أزيد من قرن بالتفاصيل ذاتها، وبمنهجها الخاطئ القائم على مطلب تقليد الآخر لا مطلب مراعاة الخصوصية والتحفيز على الإبداع.

ومن ثم أقول إن النقاش الدائر اليوم في موضوع الحداثة لا يختلف في شيء عن سابقه الذي دشنه الطهطاوي في مصر والحجوي في المغرب، بل حتى منهجية التفكير نراها تتكرر هي الأخرى ليس فقط في طريقة صياغة الأسئلة بل في بلورة الأجوبة كذلك.

وهذا دال في حدّ ذاته على استعصاء السؤال وعقم التفكير. فالسؤال الحالي: كيف نرقى بواقعنا إلى مستوى الحداثة؟ لا يختلف عن السؤال "الدرامي" ذاته الذي طرحه شكيب أرسلان: ما سبب تأخر المسلمين وتقدم غيرهم؟

والإجابة الحداثية القائلة بضرورة استنبات المشروع الحداثي الغربي هي الإجابة التغريبية ذاتها التي تبلورت في بداية القرن العشرين، حيث يتخذ الحداثيون الغرب مرجعا في القياس ومصدرا لاستلهام النموذج المجتمعي البديل، الذي يعول عليه في الارتقاء بواقعنا العربي الإسلامي.

فيكون مرجع القياس هو الواقع الغربي بنمط حياته وأساليب انتظام معاشه وعلاقاته المجتمعية، فهو "النموذج المنشود" الذي يجب تجسيده إن أردنا لأنفسنا الخلاص من التخلف.

وهكذا نرى الفكر "الحداثي" العربي يؤسس لحداثة تقليدية في فكرها ومنهجها على حد سواء، فالمشروع الحداثي عنده معطى جاهز للتقليد والنسخ، ولا يدرك أن الحضارة ليست سلعة تباع وتشترى بأوراق البنكنوت، ولا ينتبه إلى السائد في مختلف التجارب الحضارية للشعوب، حيث يتأكد باستمرار أن النهوض هو نتاج مقومات تتفاعل داخل الأمة، مقومات لا بد لها من مخاض خاص لتفرز نموذجها الملائم لها.

الحداثيون العرب مقلدون
كان أولى بدعاة الحداثة وهم الذين يكررون مقولات التجديد وينزعون نحو كسر النماذج الجاهزة –حسب قولهم- أن يدركوا أن النهوض هو حصيلة فعل إبداعي ذاتي لا تقليد جاهز، وأن يسائلوا أنفسهم ابتداء عن حقيقة الحداثة الغربية ومدلولها، وعن الشروط التاريخية التي أنتجتها، وينتبهوا إلى الصيرورة التطورية التي لحقتها حتى أدخلتها -في الواقع الغربي- داخل خناق أزمة فتحت أمام لحظة مراجعة نقدية، وتأسيس فلسفي وثقافي لما بعد الحداثة.

فالحداثة الأوروبية ليست كينونة جوهرانية معزولة عن سياق التاريخ بإحداثياته الزمانية والمكانية، بل هي نتاج صيرورة تاريخية تمتد بجذورها إلى قرون عديدة، ولذا لا يمكن فهم مشروع الحداثة الغربية إلا باستحضاره عبر جدله وتطوره منذ تأسيسه الفلسفي مع ديكارت، وتقعيده المفهومي السياسي مع مونتيكسيو وروسو (أقصد مفهوم فصل السلطات، والعقد الاجتماعي)، مرورا بلحظة المراجعة النقدية لأداته الإبستمولوجية (العقل) مع كانت، وانتهاء بالثورة عليه مع فلسفة ما بعد الحداثة لدى نيتشه وفرويد وهيدغر.

إن مقاربة مشروع الحداثة كفكرة مفصولة عن حقل التاريخ إخلال بمنهج الفهم، وعطالة في الوعي التاريخي، وتغييب لآلياته، وهو ما يسقط الفكر الحداثي العربي في مزلق التقليد والمناداة باستنساخ النموذج الغربي، لأنه يراه برؤية أفلاطونية، أي بوصفه نموذجا مثاليا متعاليا عن شرط التاريخ وسياقه السوسيولوجي.

لذا لابد من إعمال الوعي التاريخي النقدي، فهذا الوعي الغائب هو الشرط المنهجي الأول لفهم الحداثة بوصفها نبتة ذات جذور وبيئة خاصة بها.

وأتساءل: هل حقق الفكر العربي بالفعل هذا الشرط المنهجي ولو في أدنى صوره؟

"
فيما يخص الحداثة باعتبارها مشروعا ثقافيا نحتاج إلى الوعي التاريخي أشد الاحتياج، إذ به نتحرر من النظرة الماهوية الأفلاطونية للحداثة بوصفها مقولات مثالية مفصولة عن سياقها التاريخي، وقابلة من ثم للتكرار في كل سياق مجتمعي مهما اختلفت الظروف
"
للأسف ليس ثمة إنجاز فعلي لهذا الشرط المنهجي. ويكفي دليلا على ذلك أن نراجع المكتبة العربية، حيث سنفاجأ بكمّ هائل من المقالات والكتب التي تعرض لمنتجات العقل الغربي بحس الاندهاش والانبهار، مع تغييب الفكر النقدي القادر على فهم التجربة الغربية وإدراك خصوصيتها، ونقد مزالقها، والتأسيس لإمكانية الاعتبار بها والاستفادة الواعية منها لا تقليدها.

ليس في مكتبتنا المعاصرة إلا كتب تقرّظ الغرب إن لم نقل تدعو إلى تبجيله، وما عندنا من بحوث تستلهم الحس النقدي المطلوب هي بسبب قلتها دليل يحق أن يدرج ضمن الاستثناء المؤكد للقاعدة.

إن ما ينقص الفكر العربي في قراءته لمشروع الحداثة الغربية هو الوعي التاريخي. فماذا أقصد بالوعي التاريخي؟ وما وجه ضرورته؟ وما ثمار تشغيله في قراءة الحداثة الغربية؟

نقصد بالوعي التاريخ ذاك الأسلوب في التفكير الذي يعامل الفكرة بوصفها نتاج لحظتها التاريخية، ومشروطة بأفق تلك اللحظة وأحلامها وإخفاقاتها.

ولا نقصد بالمشروطية هنا ذاك المعنى الآلي الذي يجعل علاقة الفكر بالواقع علاقة متبوع بتابع، أو علاقة معلول بعلة. فتلك النظرة الفلسفية التي ترجع الفكرة إلى المادة نظرة مختلة في طبيعة فهمها للفكر وللمادة على حد سواء.

فالفكر لا يتأثر بالواقع فقط، بل يؤثر فيه أيضا، ويغيره ويتجاوزه بطاقة التخييل والاستبصار. لكن مهما كانت هذه القدرة التجاوزية يظل الفكر في نشأته وتبلوره وصيرورة تطوره متعالقًا مع شرطه التاريخي، ومستجيبًا لهواجسه وأسئلته، الأمر الذي يبرر بل يفرض معاملته وتحليله ضمن سياقه المجتمعي وصيرورته التاريخية.

وفيما يخص الحداثة باعتبارها مشروعا ثقافيا نحتاج إلى هذا الوعي التاريخي أشد الاحتياج، إذ به نتحرر من النظرة الماهوية الأفلاطونية للحداثة بوصفها مقولات مثالية مفصولة عن سياقها التاريخي، وقابلة من ثم للتكرار في كل سياق مجتمعي مهما اختلفت الظروف والشروط.

إضافة إلى هذا فإن الوعي التاريخي يعلمنا أن كل مجتمع له خلفيته التاريخية التي تعبر عن خبرته وتراكمات تجاربه ومثله ورموزه. تلك الخلفية التي لابد من وعيها واستثمارها في كل فعل يستهدف النهوض بالمجتمع، ودفق حوافز النمو داخله.

ومن ثم فإن الوعي التاريخي يدفعنا إلى إعادة قراءة الحداثة الغربية بوصفها نتاج واقع وتجربة تاريخية خاصة. ومن هنا يغدو السؤال ضروريا حول الصيرورة التاريخية لمشروع الحداثة الغربية، أي نشأتها ولحظات تطورها.

الحداثة الفلسفية
لقد كان ميلاد الحداثة الأوروبية ثمرة مخاض تاريخي طويل، أخذ يتبلور منذ عصر النهضة حيث بدأ صراع العقل مع الفكر الكنسي، وهو الصراع الذي انتهي بانتصار العقل.

لكن هذا المخاض الجدلي بين الإيمان والعقل سيكون مترافقا مع سلسلة من التحولات المجتمعية العميقة التي مست بنيات المجتمعات الأوروبية، ونقلتها من النظام الزراعي الإقطاعي إلى النظام الصناعي التجاري، فولدت المدن الصناعية وبدأ فيها نمو تدريجي للطبقة البرجوازية.

"
جهود الديكارتيين تضافرت على الرفع من شأن العقل وتأكيد اعتباره مرجعية معرفية، ومعيارا للحقيقة وأداة إنتاجها, إلا أن هذه الثقة المطلقة في العقل بوصفه جوهرا ومرجعية إبستملوجية تزعزعت قليلا بفعل الفلسفة التجريبية
"
وسيخلص هذا المخاض المجتمعي في القرن السابع عشر إلى تأسيس فلسفي للحداثة بدأ في التبلور الفعلي مع ديكارت في كتابيه "المقال في المنهج" و"تأملات ميتافيزيقية"، وهو في هذين الكتابين المثيرين سيضع لعصر الحداثة مرجعيته المعرفية المتمثلة في العقل (أو بلغة ديكارت "الأنا أفكر" أو "الكوجيتو") الذي كان أول حقيقة توصل ديكارت إلى تأكيد وجودها.

فما معنى العقل بوصفه مرجعية وأداة لإنتاج الحقيقة؟ لقد اعتبر ديكارت العقل مرجعية معرفية، وجوهرا مفكرا قادرا على بلوغ الحقيقة بمفرده وبمعزل عن أي سند ماورائي.

ورغم أن ديكارت كان رجلا متديّنا، فإنه سواء وعى ذلك أم لم يعه أرسى لأوروبا عقيدة جديدة تم فيها تأليه العقل ورفعه إلى مقام المطلق.

ثم سار القرن السابع عشر في ذات المسار الذي دشنه "أبو الفلسفة الحديثة" (ديكارت)، فانتشر تيار ما سمي بالديكارتيين، مع دنيال ليبستورب، وجولنكس، وكريستيان فيتيش، بل حظي هذا التيار بالدفاع عنه من قبل مفكرين بارزين يمكن أن ندرج من بينهم أسماء عمالقة الفكر الأوروبي في هذا القرن بدءا من مالبرانش وانتهاء بلايبنز.

فحتى عندما استهدفت الديكارتية في الصميم من قبل جون لوك، نجد لايبنز ينافح عنها بجدارة واقتدار في كتابه "محاولات جديدة في الفهم الإنساني"، الذي تعقب فيه كتاب لوك فقرة فقرة، منتصرا لنظرية العقل الديكارتية، مع إضافات واجتهادات جديدة.

وباختصار، لقد تضافرت جهود الديكارتيين على الرفع من شأن العقل وتأكيد اعتباره مرجعية معرفية، ومعيارا للحقيقة وأداة إنتاجها, إلا أن هذه الثقة المطلقة في العقل بوصفه جوهرا ومرجعية إبستملوجية تزعزعت قليلا بفعل الفلسفة التجريبية، التي كانت التقليد الفكري الشائع في الضفة الأخرى لأوروبا، أي في إنجلترا مع فرنسيس بيكون وجون لوك ثم مع دفيد هيوم.

غير أن هذا النقد التجريبي للعقلانية لم يكن نقدا لأساس الحداثة، فإذا كان ديكارت يؤسس للذاتية لجعلها أرضية للحداثة حسب تعبير هيغل فإن هذه الأرضية لم تتم الثورة عليها من خلال الفلسفة التجريبية، بل تم تأكيدها من ناحية أخرى.

حيث أصبح الحس مصدر المعرفة، هذا الحس الموصول بالواقع المادي. وهكذا تمت إقامة التجربة الحسية بوصفها مرجعية معرفية بدلا من النص الذي كان في القرون الوسطى مرجع الحقيقة. فأصبح معيار الحقيقة هو التجربة لا التناغم والانسجام مع المعتقد الموروث ومفاهيمه.

لقد كانت الفلسفة التجريبية في عمقها تجذيرا للحداثة من حيث علاقتها الصراعية مع الدين، وهي في حقيقتها تأكيد لذات المقولة الحداثية، أي الكائن الإنساني.

إلا أن التجريبية خاصة في نموذجها الشكي مع دفيد هيوم ستدق أول ناقوس المراجعة النقدية ضد تلك الوثوقية العقلانية، في نموذجها الديكارتي واللايبنيزي.

فالفلسفة الشكية التي أرساها هيوم بينت أن العقل -الذي تم تأليهه مع ديكارت- لا يستحق هذا المقام، لكن هيوم لم يقدم بديلا للوعي الأوروبي، وإنما أيقظه من وثوقيته العقلانية فقط، فكان بشكيته مزعزعا للعقلانية ويقينها! ألم يقل كانط واصفاً تأثير كتب هيوم فيه: "أيقظني هيوم من سباتي الاعتقادي"!!

وهي كلمة وإن كان كانط يعبر بها عن صيرورة تطوره الفكري الذاتي، فهي عندنا حلقة معبرة عن صيرورة تطور المشروع الحداثي في لحظة حرجة من تاريخه، وهي لحظة بدء مراجعة أدواته ومعاييره المعرفية.

"
صيرورة تطور الحداثة أكدت أن معنى الوجود أثقل من أن تحمله المرجعية العقلية. وهذا هو جوهر الدرس الذي يمنحنا إياه التأمل في تاريخها، فيفرض علينا النظر إلى المشروع الحداثي بوعي نقدي
"
كانت لحظة هيوم بداية التشكيك في المرجعية العقلانية، ولم يكن بإمكانه أن يرسي بديلا أفضل وأوثق من العقل، فالحس الذي تعلق به هيوم يؤول في النهاية إلى العقل الذي سيصوغ المعطيات الآتية من الحواس. ولذا كان من الطبيعي لهيوم الذي شك في العقل ألا يقدم أي بديل ينأى عن الشك.

لكن لحظة كانط كانت لحظة مشروع أعمق وأوسع من تشكيكات هيوم، فقد كانت لحظة مساءلة شاملة لأرضية الحداثة سواء في ثوبها العقلاني أو في ثوبها التجريبي.

والخلاصة التي انتهى إليها كانط هي أن العقل محدود، وليس قدرة معرفية مطلقة، إنه محدود بحدود عالم التجربة والظاهر. إلا أن هذا الفكرة المنهجية التي فجرها كانط كانت إرهاصًا بضربة ماحقة للوعي الفلسفي الحداثي.

فالمراجعة النقدية التي أرادها كانط تعيينا لحدود اشتغال العقل، ستنقلب إلى التشكيك في العقل بأكمله، لتخلص إلى تخطيه مع فلسفات ما بعد الحداثة التي بدأت في التبلور في نهاية القرن التاسع عشر.

إن الحداثة بوصفها إرساء لمرجعية العقل، أكدت صيرورة تطورها أن معنى الوجود أثقل من أن تحمله المرجعية العقلية. وهذا في تقديري هو جوهر الدرس الذي يمنحنا إياه التأمل في تاريخها، فيفرض علينا النظر إلى المشروع الحداثي بوعي نقدي.

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك