عبد الله الحسن

- ظاهرة فياض
- إزالة المعوقات

- خطة إنتاج النموذجين
- واقعة تأسيسية

- حق العودة مقابل الدولار

ينطوي سلوك السلطة الفلسطينية على نبذ وإقصاء كلي لثلاثية الكفاح والتحرير والعودة التي حكمت مسار الحركة الوطنية الفلسطينية منذ عام 1965، وأبرزت فلسطين على الخريطة الدولية لصالح ثلاثية جديدة هي: النقود والوقود والدقيق، ثلاثية تستمد مفرداتها من قاموس الليبرالية الجديدة، حيث تغيب المجتمع والوطن وتستحضر الإنسان الفرد بصفته كائناً بيولوجياً مستهلكاً فقط، يتلبس معها الفلسطيني صورة الإنسان "الكوسموبوليتي" المتحلل من أي انتماء وطني، كما هو حال اليهودي في القرون الوسطى، ومن ثم تعميق المقولة الصهيونية بأن لا وجود لشيء اسمه الشعب الفلسطيني.

أما ما هو موجود على أرض فلسطين فهو مجرد فائض بشري على "أريتز إسرائيل"، لكن لذلك شروطاً يجب أن تستوفى، أبرزها بلا شك ضرب الحركة الوطنية الفلسطينية المقاومة، بما تيسر من أدوات وتخليق تيار مدني على نسق قيادات "عصرية" تحت غطاء "التكنوقراط" وتغييب مظاهر المقاومة بأشكالها وبرامجها المختلفة، ويؤدي سلام فياض رئيس وزراء حكومة تسيير الأعمال في رام الله دور القابلة في ذلك.

"
فياض ليس مجرد رئيس وزراء فلسطيني يرغب فيه الغرب، وإنما هو ظاهرة ولدت في إطار رؤية غربية تريد نسف النظام السياسي الفلسطيني وإعادة هيكلته بقصد إقصاء خيار المقاومة من الحالة الفلسطينية
"
ظاهرة فياض
وعليه فقد ذهب بعض المحللين إلى القول إن سلام فياض ليس مجرد رئيس وزراء فلسطيني يرغب فيه الغرب، وإنما هو ظاهرة (ظاهرة فياض) ولدت في إطار رؤية غربية أميركية أوروبية صهيونية لتصفية القضية الفلسطينية.

وهي تريد ذلك عبر نسف النظام السياسي الفلسطيني وإعادة هيكلته بقصد إقصاء خيار المقاومة من الحالة الفلسطينية لـ"تمدينها" و"دولنتها" ونقل الدورة الدموية الفاسدة من السلطة إلى الشعب بتدمير فكرة المواطنة والاندماج المدني، وإجهاض العقد الاجتماعي القائم على التحرير والعودة، وتفكيك النسيج الاجتماعي لصالح فكرة السكان والمجاميع.

يضاف إلى ذلك استبدال سياسات التخطيط الاقتصادية الاجتماعية لصالح شكلين من "السياسات الجديدة": صناديق المعونة والمشاريع الصغيرة، والأسواق الهامشية من جهة والسوق السوداء لغسيل العملة من جهة أخرى، ومن ثم استكمال نهاية الإيديولوجية بالإعلان عن نهاية السياسة، والانطلاق من ذلك لتصفية الحركة الشعبية.

ويبدو أن جزءا من هذا الدور قد أنيط بالمنظمات غير الحكومية، إذ إن تلك المنظمات كما هو معلوم مبرمجة لأخذ دور النقابات والحركات السياسية، وبقية قوى المجتمع المدني.

من هنا نلاحظ الاهتمام الكبير الذي توليه دوائر المخابرات الأميركية والأوروبية والصهيونية لنشاط هذه المنظمات، لكن ما يثير القلق العميق هو ذهنية استبطان القبول بما يريده العدو.

وقد أخذت "ظاهرة فياض" تحوز على ركائز سياسية واجتماعية، يقع في مقدمها "منتدى فلسطين" الذي أنشأه المليونير الفلسطيني منيب المصري، بشخوصه الاقتصادية والثقافية وبخطابه المعلن.

إزالة المعوقات
تستدعي "ظاهرة فياض" بثلاثيتها الخاصة التي جاءت بديلا للثلاثية الوطنية الفلسطينية، إفراغ الساحة الفلسطينية من أي معوقات تعترض طريق إحلال ثلاثيتها، وقد باشرت الخطوات اللازمة لذلك، منذ أن تقلدت مهمة حكومة تسيير الأعمال في رام الله، وكان أول هذه الخطوات إعلان أن حركات المقاومة "مليشيات خارجة على القانون".

وفي سياق ترجمة حكومة فياض هذا الإعلان واقعًا أدخلت، وبموافقة صهيونية في شهر نوفمبر/تشرين الثاني الفائت قوة أمنية قوامها 500 رجل أمن إلى عاصمة الانتفاضة الفلسطينية والمقاومة مدينة نابلس، لتجريد عناصر المقاومة من سلاحهم وإجبارهم على توقيع تعهدات بوقف عملياتهم العسكرية ضد الاحتلال.

علاوة على ذلك خطت حكومة فياض خطوة أخرى على نفس الطريق حين أعلنت خطوات عملية لتجفيف المنابع المالية للمقاومة الفلسطينية، ترجمت بإغلاق 103 جمعيات أهلية فلسطينية في الضفة الغربية، ثم أعقبتها بخطوة أخرى هي حل لجان الزكاة البالغة 92 لجنة عاملة في الضفة الغربية تحت نفس الذريعة، وإعادة تشكيلها في 11 جمعية تحت سيطرة حكومة فياض.

تجدر الإشارة إلى أن هذه القرارات جاءت في نفس الوقت الذي أعلن فيه الجيش الصهيوني تشكيل وحدة جديدة مهمتها رصد ومتابعة كل المؤسسات المدنية التابعة لحماس في الضفة الغربية بهدف تصفيتها وتقديم المسؤولين عنها إلى المحاكمة بتهمة "الإرهاب".

ولا شك أن هذا تدمير ممنهج لمؤسسات المجتمع الأهلي الفلسطيني، وتهشيم لقيم التكافل الاجتماعي التي اعتمد عليها الشعب الفلسطيني في مواجهة المحن والصعاب وفي قدرته على الاستمرار، وبالتالي جعله رهينة لسياسات الدول المانحة للمساعدات، ومن ثم إفساح المجال أمام المنظمات غير الحكومية الممولة أميركيًا وأوروبيا لتفرض أجندتها وأولوياتها، بديلاً عن الأجندة الوطنية الفلسطينية.

"
المبالغ التي تدفع لحكومة تصريف الأعمال بموجب خطة التنمية والإصلاح ليست إلا فاتورة الحرب الأهلية المطلوبة بين الفلسطينيين وسيادة "الفوضى الخلاقة" وفق منطق دعوى "الغوييم يقتلون الغوييم" كما قال مناحيم بيغن غداة مذابح صبرا وشاتيلا
"
خطة إنتاج النموذجين
تحاول حكومة سلام فياض بالارتكاز على الدعم الدولي، إنتاج نموذجين في الحياة الفلسطينية، يخدم كل منهما مردودا ونهجا سياسيا: نموذج غزة "البائس" ونموذج الضفة الغربية "المزدهر".

وقد بدا ذلك واضحاً في منطوق "خطة التنمية والإصلاح" التي قدمتها حكومة فياض إلى مؤتمر الدول المانحة للسلطة الفلسطينية في باريس.

وبالرغم من أن حكومة فياض ترى في الخطة فرصة للعمل في أربعة مسارات تنموية، فإن الخبراء الاقتصاديين يرون أنها تفتقر إلى فلسفة وأهداف ورسالة تنموية، إضافة إلى أنها تسمي فلسطينيي قطاع غزة بالغزيين، مما يعتبر تمييزاً عنصريا.

كما توغل الخطة في التعامل مع القطاع باعتباره كيانا معزولا ومحاصرا، لا يجوز التعامل معه إلا وفقاً لموقف إنساني تماماً كما تتعاطف بعض الدول مع الشعب الفلسطيني، فترسل له مساعدات عينية.

رئيس مركز "باك ثنك للدراسات الإستراتيجية" الخبير الاقتصادي عمر شعبان قال إن الخطة تعمل كما لو كان الانفصال بين الضفة الغربية وغزة سيستمر ثلاث سنوات هي عمر الخطة التي لم تطرح بدائل في حال عودة غزة إلى الوحدة مع الضفة.

أما رجل الأعمال علاء الدين الأعرج فرأى أن الخطة تعطي المجتمع الدولي مبررا لمنع الدعم عن نحو 40% من الشعب الفلسطيني هم سكان القطاع، أو تأجيل هذا الدعم، أو استبدال مناطق أخرى به كالضفة.

وهذا يعني خنق القطاع، وأن الخطة بدلاً من أن تحمل الاحتلال الصهيوني المسؤولية بشكل واضح، جاءت في بعض عباراتها كأنها تبرر إجراءاته، فضلاً عن أنها لم تشر إلى الاستيطان ولا جدار الفصل والتهويد.

تجدر الإشارة إلى أن خطة حكومة فياض ليست سوى انعكاس وترجمة لمتطلبات ونصائح البنك الدولي المقدمة إلى السلطة الفلسطينية عام 2005.

اللافت في الأمر أن خطة "التنمية والإصلاح" حددت المبالغ المطلوبة خلال السنوات الثلاث (من 2008 إلى 2010) بمبلغ 5.6 مليارات دولار، وهي لم تنمح هكذا تعبيراً عن فضيلة الكرم.

فالدول والجهات المانحة وهي أكثر من 90 دولة وهيئة ليست جمعيات خيرية، بل هي صاحبة أهداف ومصالح، يمكن استشرافها من تأكيد أن تطبيق الخطة رهن باستقرار الوضع الأمني.

وبمعنى أو آخر فإن هذه المبالغ ليست إلا فاتورة الحرب الأهلية المطلوبة بين الفلسطينيين وسيادة "الفوضى الخلاقة" وفق منطق دعوى "الغوييم يقتلون الغوييم" كما قال مناحيم بيغن غداة مذابح صبرا وشاتيلا.

واقعة تأسيسية
لا يمكن بأي حال وصف "خطة التنمية والإصلاح" بأنها خطة عابرة، لكونها تندرج في خانة الواقعات "التأسيسية"، التي تؤسس لخراب واسع النطاق على المستويات كافة: السياسية والاجتماعية والثقافية والنفسية، تنقلنا من المراوحة على حافة الهاوية إلى السقوط فيها.

ولعل أخطر ما فيها هو انهيار الأبعاد الأخلاقية والإنسانية لأعدل قضية عرفتها الإنسانية، وفي ذلك تقويض لمشروعية القضية، وتبديد لمكتسبات النضال الوطني الفلسطيني.

وفضلا عما تقدم نشير إلى الشرخ الاجتماعي الذي بدأ يصيب النسيج الوطني بفعل المزاوجة بين الانتماء السياسي والعشائري وما يستدعيه من طغيان لثقافة الثأر والانتقام في النفوس.

هذا هو حال الضفة الغربية وقطاع غزة تحت قسوة الحصار الصهيوني وظاهرة فياض.

"
إذا كانت أوسلو قد ذهبت بالأرض الفلسطينية، فإن "ظاهرة فياض" ستذهب بالإنسان الفلسطيني لو قيض لها النجاح والاستمرار
"
حق العودة مقابل الدولار
غير أن أسوأ مظاهر ثلاثية "ظاهرة فياض" هي ترجمة الحقوق التاريخية والوطنية للشعب الفلسطيني، وبالتحديد حق عودة اللاجئين إلى مركبات اقتصادية تصل كلفتها إلى ما يقارب 90 مليار دولار، كما جاء في نص "وثيقة إكس" التي وضعتها المجموعة "الإسرائيلية الفلسطينية الدولية" عشية أنابوليس.

تجدر الإشارة إلى أن المجموعة المذكورة شكلت قبل خمس سنوات بناء على مبادرة تقدم بها البروفيسور زيلبر بخيون اليهودي الفرنسي المغربي المولد، وحظيت بتمويل الاتحاد الأوروبي والبنك الدولي وجهات في مرسيليا وجنوب فرنسا، بالتنسيق مع مركز "بيريس للسلام" ومعهد "داتا" للدراسات في بيت لحم، وجامعة "بول سزان" في مرسيليا.

وقد استندت الوثيقة إلى معطيات نسبت إلى الأونروا تشير إلى أن عدد اللاجئين في عام 2006 قد وصل إلى 4.4 ملايين لاجئ، من بينهم 1.3 مليون في مخيمات اللجوء، غالبيتهم في الأردن وسوريا ولبنان والضفة الغربية وقطاع غزة، حيث يعيش في مناطق السلطة 1.7 مليون لاجئ منهم 550 ألف لاجئ في المخيمات.

وقد انطلقت الوثيقة في تصورها للحل من رؤية ترتبط بسيادة الدول ذات الصلة، بما في ذلك "إسرائيل وفلسطين" وأضافت الوثيقة أنه بنظرة أولى فإن المقياس الاقتصادي المالي لتطبيق حل متفق عليه لقضية اللاجئين يبدو خياليا، ولكن بالمقارنة مع البدائل، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن ذلك سيمتد على 10 سنوات، ويتم تغطيته بمساعدات دولية سخية فإن المهمة ليست مستحيلة، حيث تصل تكلفتها إلى ما بين 55 و85 مليار دولار، حسب حسابات المجموعة.

وحسب المعايير الاقتصادية للمجموعة فإن المبلغ الكلي يتراوح بين 15 و30 مليار دولار، وعليه فإن المجموعة توصي بإقامة صندوق رابع، يحتاج إلى 22 مليار دولار، من أجل التعويض عن عملية اللجوء، بدون أي علاقة بدعاوى الأملاك أو الخطط الأخرى، فكل لاجئ مسجل سيحصل على خمسة آلاف دولار.

تجدر الإشارة إلى أن حكومة أولمرت قامت في أكتوبر/تشرين الأول المنصرم برصد مبلغ مائة مليون دولار من أجل تسويق خطة لشطب حق العودة للاجئين تقوم على ثلاثة مبادئ هي:

1- إعادة تأهيل اللاجئين الفلسطينيين في الدول المضيفة على أن يستقروا فيها.
2- إلغاء المخيمات.
3- خلق شراكة إستراتيجية مع الأردن، بحيث تكون هناك مساهمة في إدارة الضفة الغربية، بينما تبقى السيادة للكيان الصهيوني.

ومما يعطي مصداقية لما تقدم أن رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس قد أبدى استجابة للرغبة الصهيونية في تصفية حق العودة حتى قبل عقد لقاء أنابوليس. وهذا ما أشارت إليه صحيفة معاريف بقولها: "إن محمود عباس لم يعد يصر على تضمين أي اتفاق مستقبلي مع إسرائيل عبارة تنص على عودة اللاجئين إلى ديارهم وممتلكاتهم".

ونقلت الصحيفة بالحرف الواحد عن عباس قوله لإيهود أولمرت في الاجتماع السادس بينهما "متى سمعتني أطالب بحق العودة لإسرائيل، فنحن نطالب بحق العودة لفلسطين؟ وأين هي فلسطين هذا ما سنتفق عليه"؟

إذا كانت أوسلو قد ذهبت بالأرض الفلسطينية، فإن "ظاهرة فياض" ستذهب بالإنسان الفلسطيني لو قيض لها النجاح والاستمرار، وبالتالي يتحقق الحلم الصهيوني الذي قالته غولدا مائير ذات يوم: ليس هناك شعب فلسطيني.
__________________
كاتب سوري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك