نبيل شبيب

نبيل شبيب

كاتب وباحث إسلامي

- إغراء بمزيد من التبعية
- امتصاص طاقات المنطقة
- الهيمنة بلباس جديد
- تصفية قضية فلسطين
- مصر خارج قوسين

إذا كان من قاسم مشترك يجمع بين جولتي بوش الابن وساركوزي فهو أنّهما أكبر أصدقاء الإسرائيليين عقديا وسياسيا، بالمقارنة مع جميع من عرفتهم الولايات المتحدة الأميركية والجمهورية الفرنسية في سدّة الرئاسة.

وليس هذا "اتهاما"، لأن كليهما يتحدّث عن ذلك إلى درجة التبجّح به، ومواقفهما الفعلية وسيرهما السياسية أصرح من أن يحتاج المرء إلى البحث عن دليل على ذلك.

ولا مقارنة بينهما وبين ما كان عليه معظم أسلافهما، ولكن بشيء من المواربة وقليل من المداراة تجاه الطرف المتضرّر من تلك العلاقة، وهو في الوقت الحاضر وفي مختلف المراحل التاريخية قضية فلسطين وأكثر من عشرين طرفا عربيا أو خمسين طرفا إسلاميا، وليس "الطرف الفلسطيني" بالذات.

"
حجم الفائض الكبير الناتج عن ارتفاع سعر النفط ضاعف احتمال توظيفه لتحرير صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والأمني العربي، وهذا بالذات هو المحظور في المنظور الغربي، ولا يوجد أنسب من الصفقات الضخمة لامتصاص القسط الأعظم من ذلك الفائض
"
إغراء بمزيد من التبعية

حصيلة الجولتين ظهرت للعيان، وقد يكون ما استحوذ على الاهتمام أكثر من سواه خلالهما:
1- حديث اصطبغ بالوعيد أكثر من الوعود عن طريق ملغومة إلى دولة فلسطينية موهومة.

2- حملة تعبئة شاملة لتوليد نزاع عربي إيراني برعاية غربية.


3- تكرار التحذير من مخاطر "إرهاب" يقدم ما يكفي من الأسباب داخل بلادنا لجعله سنين عديدة شمّاعةً لا لمكافحته المشروعة فقط، بل لكل ما يتعلّق بالأمن من قمع، ولتمزيق المنطقة عبر عمليات حصار متنقل من بلد إلى بلد ومن شعب إلى شعب.

ولكنّ العلامات البارزة للعيان بالمقارنة مع كل جولة غربية سبقت، أخذت شكلا واضحا على محورين اثنين، يتجاوزان تلك النقاط الثلاث:


1- وعود بعقد صفقات بعشرات المليارات على أسلحة متطوّرة ومفاعلات نووية ضخمة.

2- تصريحات رسمية للخروج بالبقية الباقية من ربط قضية فلسطين بأرضية دولية ما، رغم انحيازها، لجعل المرجعية خارطة طريق أميركية فقط أشدّ انحيازا نحو تصفية القضية.

في هذا الإطار يأتي التركيز بكلّ وسيلة ممكنة على "خطر إيراني" بدلا من الخطر الإسرائيلي.

الوعود بالصفقات مهما بلغ شأنها مجرد وعود، وبغض النظر عن قابلية انتهاكها، فإنها جميعا مرتبطة بعقبات وقيود، مثل التمييز بين وعد الرئيس الأميركي وموقف "الكونغرس" الأميركي بشأن السلاح.

ولكن على افتراض تنفيذ الوعود يبقى عنصر الزمن من أهمّ عناصرها، فإقامة مصنع نووي وتشغيله مثلا يحتاج سنوات عديدة، ناهيك عن ربطه إلى ما بعد تشغيله بالخبرة التقنية الأجنبية، واستحالة الانتقال إلى مستوى الاستغناء عنها مستقبلا، إذا كانت بداية الطريق مرتبطة بها.

كما أن عقود السلاح إذا انعقدت لا ترتبط فقط بالعنصر الزمني، بل ترتبط قطعا بالخبراء والمدربين والمناورات والتخطيط وقطع الغيار وانخفاض مستوى تجهيزاتها عن المعتاد في أمثالها، فضلا عن نصوص تحرّم استخدامها ضدّ الإسرائيليين بالذات، لاسيّما إذا لم تتعرّض الدولة المستوردة لعدوان إسرائيلي مباشر.

ولا قيمة هنا لتعرّض "دولة شقيقة" للعدوان، ولا شعب فلسطين للإبادة، ولا أرض فلسطين للتهويد، ولا قضية فلسطين للتصفية.

امتصاص طاقات المنطقة
رغم ذلك يبقى السؤال: ما الذي يحرّك الدولتين الغربيتين فجأة إلى الحديث العلني عن "حقّ الدول العربية" في الحصول على الطاقة النووية وعن قابلية تزويدها بسلاح متطوّر؟ أو بتعبير آخر: ما الذي تغيّر في الساحة العربية ليحدث تغييرا في النظرة الغربية لها؟

بعيدا عن الجانب السياسي والأمني يظهر للعيان ارتفاع أسعار النفط رغم جهود عشرات السنين لإبقائها متدنية، والاقتناع باستحالة أن تعود إلى ما كانت عليه في المستقبل المنظور، مما يعني وجود فائض بعائدات ضخمة، بعد الاضطرار إلى الاقتراض في التسعينيات من القرن الميلادي العشرين.

المال يفقد قيمته بتخزينه، ويضيع بهدره كما يقع في التركيز على ناطحات السحاب والجزر السياحية دون تنمية مستديمة، كما يضيع بتوظيفه في غير موطنه عبر ما بلغ ألوف المليارات "استثمارا" في هذه الأثناء في البلدان الغربية.

وحجم الفائض الكبير ضاعف احتمال توظيفه لتحرير صناعة القرار الاقتصادي والسياسي والأمني العربي، وهذا بالذات هو المحظور في المنظور الغربي، ولا يكاد يوجد أنسب من الصفقات الضخمة لامتصاص القسط الأعظم من ذلك الفائض، جنبا إلى جنب مع تحقيق أهداف أخرى، أهمها الهيمنة، وتصفية قضية فلسطين.

ليس من الضروري القول بوجود اتفاق بين الرئيسين الفرنسي والأميركي على الظهور بمظهر السخاء في الوعود، ولكن التزامن في ظل ظروف معينة، يكشف عن وجود "توافق" في التفكير يصدر عنه التصرّف السياسي.

الهيمنة بلباس جديد
ورغم هذا "السخاء" تغيب صفقات تحقق تطوّرا علميا أو كفاية غذائية أو تصنيعا مدروسا، وتبقى عروض هذه الصفقات في ميادين أنسب لبقاء القرار "الأمني العسكري" و"الأمني الاقتصادي" تحت السيطرة.

"
 لن تعقد أي صفقة ضخمة وفيها بند يقول إن الثمن هو تمرير تصفية قضية فلسطين، ولكن تلك الصفقات الملغومة يمكن أن تؤدّي إلى تصفية الإرادة الرسمية العربية، لا تصفية قضية فلسطين وحدها
"
ويستهدف هذا السخاء مواجهة احتمالات تنويع مصادر السلاح، أو تطوير صناعة سلاح عربية مشتركة، أو تطوير التقنية النووية السلمية بالتعاون مع جهات أخرى بدءا من إيران التي لا تنقطع جهود الغرب لترسيخ وتد العداء بينها وبين الدول العربية، مرورا بالاتحاد الروسي المتمرّد على زعامة أميركية انفرادية وأداة أطلسية تنفيذية، ومن جوانب تمرّده الاستعداد للتحرّك عالميا -بشروط أهون شأنا- في ميادين التسلح العسكري والطاقة النووية، وانتهاء بباكستان إن تعافت من وباء ارتباطها بالهيمنة الأميركية، وأخفقت جهود تشويه "حق التعاون" بينها وبين دول عربية وإسلامية أخرى من خلال لعبة الحملة المعروفة ضدّ عبد القدير خان، ولا بأس هنا من تجاهل التعاون الهندي الإسرائيلي النووي.

يبدو أن الدول الغربية ولاسيما الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا استوعبتا الإشارات الأولى التي رصدتاها، ومحورها أنّ بعض الدول العربية بدأ يعمل على تنويع مصادر السلاح، ويتحدّث علنا عن الرغبة في تنفيذ برامج صناعة نووية سبق تجميدها في ثلاجات السياسة، علاوة على ما ظهر من حرص على عدم تحويل العلاقات مع إيران إلى علاقات عداء.

تصفية قضية فلسطين
بطبيعة الحال لن تعقد أي صفقة ضخمة وفيها بند يقول إنّ "الثمن" هو تمرير تصفية قضية فلسطين، ولكن إذا كانت صياغة البيانات الرسمية، وصياغة العقود والاتفاقات والصفقات المالية والتجارية، لا تحتمل مثل ذلك الربط المباشر، لأسباب عديدة أبرزها ما يعنيه ذلك تجاه الشعوب، فإنّ استقراء الارتباط الوثيق بين تلك الصفقات ومجرى الجهود المبذولة لتصفية القضية لا يحتاج إلى جهد كبير.

الرئيس الأميركي بوش الابن يزور المنطقة بنفسه لأول مرة وهو في هذا المنصب، وقد جعل من عام توديعه منصبه عام الجهد المكثف على صعيد قضية فلسطين، التي يسمّيها أزمة الشرق الأوسط، ورؤيا الدولتين... وذاك شأنه.

وجاءت الزيارة بعد المهرجان الخطابي في أنابوليس، وكان من المفروض -منطقيا- أن يقدّم للطرف العربي شيئا ملموسا لا مجرّد رؤية هائمة هيولية، وبدلا من ذلك قدّم رؤيا جديدة واضحة كل الوضوح لا يختلف فيها مع الرئيس الفرنسي، من معالمها:

1- إسقاط كل مرجعية دولية سابقة، قبل التفاوض.

2- انتهاك مختلف الخطوط المرسومة على الخرائط قديما وعلى الأرض في منحدر النكبات، بدءا بخطوط التقسيم قبل النكبة الأولى، فهدنة 1949 الجائرة، فخطوط ما قبل حرب 1967 العدوانية، وانتهاء بخطوط خارطة الطريق الفسيفسائية.

3- إنكار حق العودة والحديث المباشر عن تعويضات.

4- تثبيت التهويد السكاني وتهويد الأرض معا من خلال تعبير "الدولة اليهودية".

5- تجديد ضمان "الأمن" الاندماجي بين "الراعي النزيه" والطرف الإسرائيلي في النزاع.

والحديث عن جميع ذلك بوضوح كامل على الأرض العربية، يعني في مختلف الأعراف الدبلوماسية والواقعية السياسية أنّ المطلوب من الحكومات العربية هو أن تنطلق في تعاملها مع القضية وأحداثها، ومع شعب فلسطين ومعاناته، ومع الأرض ومستقبلها تبعا لتلك الرؤية.

الثمن -وإن لم يذكر نصا- هو تلك الصفقات الملغومة التي يمكن أن تؤدّي إلى تصفية الإرادة الرسمية العربية، لا تصفية قضية فلسطين وحدها.

مصر خارج قوسين
ويلفت النظر أن التركيز على نقل مركز الثقل في التعامل مع المنطقة العربية خارج مصر انتقل إلى مرحلة متقدّمة، فأصبح التعامل الرسمي مع مصر هو تعامل "تحجيم دورها العربي".

ولا يقتصر ذلك على عدد الساعات التي حددّها بوش الابن للسلطة المصرية وتساوت مع عدد الساعات التي حدّدها للسلطة الفلسطينية، إذ المضمون أهم من الشكليات.

"
كل استجابة للرغبات الغربية في الوقت الحاضر هي بمثابة عملية إنقاذ لمشروع صهيوأميركي أصبح على طريق الانهيار
"
والمطلوب في الوقت الحاضر من ساسة مصر هو الانحياز المطلق لمشروع ترسيخ الانقسام الفلسطيني أرضا وشعبا ومنظمات، والانحياز المطلق في اتجاه حصار غزة، ولاسيما منافذ التواصل بين أهلها ومنظماتها والمحيط الشعبي المصري والعربي.

ولم يكن يكفي أن يبادر المسؤولون في مصر إلى الجمع بين تأكيد بعض المواقف السياسية "الممانعة" لهذا الانحياز وبين الكشف عن جهود سابقة وآنية لتنفيذ المطلوب، لاسيما على صعيد الكشف عن الأنفاق والحيلولة دون "تهريب" السلاح!

ولكن ما هو أهمّ من المطلوب آنيا هو المطلوب في مرحلة حاسمة للتصفية، ولا تزال مصر -على ما يبدو- في موضع العقدة المستعصية، فهي رغم ما قدّمته منذ كامب ديفد إلى اليوم، ليس من السهل تطويعها لتقديم ما يمكّن من تصفية قضية فلسطين في هذه المرحلة، لا بسبب الغليان الشعبي الداخلي المتصاعد فحسب، بل لأنّ أي سياسي مصري مهما كانت اتجاهاته، يدرك أن الخطر على مصر نتيجة تصفية القضية أكبر من كل خطر سابق، وأكبر حتى من إنهاء مسيرة كامب ديفد نفسها.

فمصر كانت ولا تزال مستهدفة بذاتها كسوريا، وليس دورها المرجوّ والممكن على صعيد فلسطين هو وحده المستهدف.

وخطوات استهدافها قطعت مرحلة واسعة النطاق من ثلاث جهات، في الجنوب السودان والصومال والحبشة.

وفي الغرب ليبيا، ومن الشمال مشاريع قنوات البحرين إضافة إلى أصل الوجود الإسرائيلي.

وكأنّ المطلوب في المرحلة التالية هو زرع وتد شقاق بينها وبين السعودية، لتكتمل حلقات الحصار من الغرب أيضا.

ولا ريب أن الوصول بمصر إلى مرحلة خطيرة على صعيد الأمن الغذائي، وهو من المصادر الأكثر فعالية في حدوث تغيير مستقبلي محتمل، هو من وراء العمل على تطويع سياساتها في اتجاه مرحلة قادمة لتصفية قضية فلسطين باتباع أسلوب التهديد أكثر من الإغراء، والعمل على ضبط مجرى التغيير الداخلي بما يضمن الارتباط بالغرب عن طريق "الحاجة" إليه لا "التعاون" معه.

ولكن لا يبدو أن الثغرة في الجهود الغربية الجديدة لاسيما الأميركية والفرنسية، هي الثغرة المصرية والسورية فقط، أو ثغرة المقاومة والصمود فحسب، بل الأرجح أن تبقى نتائج الجولتين الأخيرتين حبرا على ورق في منطقة الخليج أيضا، لأن ما صنعته عسكرة الهيمنة الأميركية حتى الآن بلغ حدّا لا يمكن معه المضي في تحقيق أهدافها، وهي في أشدّ مراحل انكسارها.

وكلّ استجابة للرغبات الغربية في الوقت الحاضر، هي بمثابة عملية إنقاذ لمشروع صهيوأميركي أصبح على طريق الانهيار.

وعلى قدر رفض الاستجابة يمكن الاقتراب خطوة أخرى من طريق تصفيته، وليس من طريق تصفية قضية فلسطين، الباقية من قبل بوش الابن وساركوزي وبعدهما، قضية اغتصاب واستعمار وعدوان وتهويد يغتال التاريخ والحاضر والمستقبل، وقضية صمود ومقاومة وصحوة ونهوض حضاري يستعيد التاريخ ويبني المستقبل.

المصدر : الجزيرة