عبد الجليل زيد المرهون

- بيئة أمنية وجلة
- نظام أمني في إطار الممكن
- مراقبة الممرات البحرية

استحوذت العقود الأربعة الماضية على كثير من النقاش الخاص بالسبل الكفيلة بإقامة نظام فعّال للأمن في منطقة الخليج العربي.

ولقد تغيّرت مضامين هذا النقاش بتغير معطيات البيئة الجيوسياسية على الصعيدين الإقليمي والدولي، بيد أن وتيرة التغيّر في المعطى الإقليمي ظلت على نحو دائم أكثر سرعة من تلك المعنية بالفضاء الكوني. وهنا تكمن إحدى إشكاليات القراءة المنهجية لهذا الأمن.

"
المعطيات الهيكلية للبيئة الأمنية في الخليج هي نتاج أحداث كبرى غيّرت وجه المنطقة، بقدر ما هي انعكاس لتكوين جيوسياسي يصعب القفز عليه
"
وتجلت المعضلة الأخرى، أو لنقل الإشكالية المنهجية الأخرى، في مضمون واتجاه المتغير الإقليمي ذاته، لأن هذا المتغير لا يزال عصيّاً على التوصيف استناداً إلى الأدوات الكلاسيكية في التحليل الإستراتيجي، خاصة أن مفاهيم توازن القوى والردع لا يمكن مقاربتها على الصعيد الخليجي على النحو الذي تم تثبيته في الكتب الدراسية المتداولة.

هذا يتم في وقت غابت فيه الجهود النظرية الهادفة إلى تطويع الأدوات التحليلية المتداولة بما ينسجم والكم المتزايد والمعقد من خصوصيات البيئتين الجيوسياسية والإستراتيجية للخليج.

وعلى صعيد ثالث، لم تكن بيئة الخيارات الدولية للنظام الإقليمي الخليجي، طوال العقود الأربعة الماضية سهلة التوصيف، استنادا إلى مفاهيم ومصطلحات الحرب الباردة.

فعراق ما بعد عام 1958 لم ينتم بالمدلول النظامي للمصطلح إلى أي من المعسكرين الاشتراكي والرأسمالي، كما أنه لم يكن في الوقت نفسه محايداً، وذلك على الرغم من انتمائه إلى كتلة عدم الانحياز، والأمر ذاته ينطبق على إيران ما بعد عام 1979، ولو ضمن سياقات مغايرة.

ومن هنا، بدت مقولة احتواء النفوذ السوفياتي في الخليج مقولة مبهمة إلى حد بعيد، وهذا ما لم يلحظه مبدأ كارتر الذي قال ضمناً، في ترجمته الإقليمية، بوجود تقارب في المعطيات الإستراتيجية بين أوروبا الغربية والخليج العربي.

ولقد تمت إعادة إنتاج مبدأ كارتر في خليج ما بعد "عاصفة الصحراء"، ولكن دون أن تحدد إعادة الإنتاج هذه ماهية العلاقة بين القوة والاحتواء، وهذه إحدى الإشكاليات التي لا تزال تفرض نفسها على المقاربة الأميركية لأمن الخليج، لكنها ليست إشكالية مرتبطة بهذه المقاربة وحسب، بل هي أيضاً تحد معرفي يفرض نفسه على أدوات التحليل المنهجي لهذا الأمن.

على صعيد رابع، لا تبدو المعايير التي تُوّجه التفاعلات البينية في النظام الإقليمي الخليجي واضحة، وما إذا كانت هذه التفاعلات مستندة إلى محددات ثقافية أو مرتكزة إلى معطيات اقتصادية، أو إلى مزيج من الأمرين، أو أنها مرتبطة بضرورات إدارة "التعايش" اليومي في الإقليم وحسب.

وترمي هذه التساؤلات بظلالها على أي مقاربة هيكلية لقضية الأمن في الخليج، وتستوجب بالضرورة الخروج عن المناهج الكلاسيكية في التحليل البنيوي للنظم الإقليمية.

هذا المقال يدعو إلى نظام جديد للأمن في الخليج، وهو يقوم بمقاربة هذا المقترح ضمن بُعدين أساسيين، يرتبط الأول بإجراءات الثقة والشفافية الأمنية، ويتصل الثاني بالسعي المشترك لحماية الممرات البحرية الملتصقة عضوياً بأمن الطاقة النفطية.

بيئة أمنية وجلة
في العقد الثامن من القرن العشرين، تمثل التداعي الأكثر خطورة للحرب العراقية الإيرانية في خروج العراق قوة متضخمة عسكرياً وخاوية من حيث قدراتها الاقتصادية، مما يجعلها معرضة لاحتمالات الانفجار الداخلي.

وقد مثلت الكويت الوجهة التي اختارها النظام العراقي للتنفيس عن احتقانه وأزمته الداخلية، فأعيد توجيه الجيش العراقي ليعبر الحدود ثانية، ولكن جنوباً هذه المرة.

وهنا كان غزو الكويت نتاجاً قاسياً للحرب العراقية الإيرانية نفسها، وبذلك استكمل النظام الإقليمي الخليجي تفاعلاته الصراعية، لكن ببعد دولي أكثر وضوحاً.

وضمن التداعيات بعيدة المدى للحرب العراقية الإيرانية، جاء دخول إيران في برنامج تسلّح كثيف ومتسارع الخطى، حيث إن إحدى العبر التي خلص إليها الإيرانيون من حرب السنوات الثماني قد تمثلت في أن هذه الحرب ما كان لها أن تدوم على النحو الذي دامت عليه لو لا تفوق العراق الجوي، وتفوق دفاعاته الجوية في الوقت ذاته.

كذلك، تمثلت إحدى العبر في حقيقة أن العراق قد تمكن من دفع إيران للقبول بالقرار 958 بفعل القصف الصاروخي الذي أصاب مساحات واسعة من المدن والأحياء الإيرانية، حين لم يكن لدى الإيرانيين ما يمكنهم من إجبار العراق على وقف هذا القصف.

أما الخلاصة الثالثة، فقد تمثلت في السؤال التالي: هل كان بمقدور العراق التفكير في شن حرب على إيران لو كان لديها سلاح غير تقليدي؟.

واليوم، يُعد برنامج إيران الصاروخي أحد الإفرازات بعيدة الأثر للحرب العراقية الإيرانية، حيث يهيمن هذا البرنامج على الحسابات الراهنة للأمن الإقليمي، بل وما فوق الإقليمي، فذلك يعني أن حرب السنوات الثماني لا تزال حاضرة بقوة في معادلة أمن الخليج. إنها الحرب التي لم تنته بعد.

"
الرؤية الواقعية للأمور لا تقود إلى دعوة دول الخليج إلى تبني خيارات أمنية من قبيل التحالفات أو الأمن الجماعي الذي بُنيت فلسفته في الأصل ليعمل على أساس عالمي أكثر منه إقليمي
"
نظام أمني في إطار الممكن
وهذه هي المعطيات الراهنة للبيئة الأمنية للخليج: انهيار للتوازن الإستراتيجي، وغياب للردع بشتى صوره، وتضخم متزايد للهواجس الأمنية لدى غالبية الفرقاء، وإن ضمن قراءات متباينة، لا وجود لأي نظام أمني قادر على احتواء التوترات والحيلولة دون نشوب نزاعات مسلحة.

إن المعطيات الهيكلية للبيئة الأمنية في الخليج هي نتاج أحداث كبرى غيّرت وجه المنطقة، بقدر ما هي انعكاس لتكوين جيوسياسي يصعب القفز عليه.

وإذا كان لهذه المعطيات أن تتغير فهذا لن يحدث إلا كنتاج تراكمي بعيد المدى لنسق كلي من التحولات البنيوية الطابع.

وعليه، فالأسلم هو البحث عن نظام للأمن الإقليمي يطوّق التناقضات الكامنة في بنية الإقليم، ويحول دون تسببها في حرب جديدة، تُعمق الصراع وتجعل فرص التعايش أكثر بُعداً.

وبطبيعة الحال، فإن الرؤية الواقعية للأمور لا تقود لدعوة دول الخليج إلى تبني خيارات أمنية من قبيل التحالفات، أو الأمن الجماعي الذي بُنيت فلسفته في الأصل ليعمل على أساس عالمي أكثر منه إقليمي.

كذلك، لا نرى فرصة واقعية للدعوة إلى فكرة المجتمع الأمني. وهذا المفهوم الأخير وضع في أواخر خمسينيات القرن العشرين ليعكس الأهداف التي تصل إلى آماد بعيدة للتكامل الأوروبي في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية التي وضعت بدورها أوروبا في مجتمع أمني أوسع يتمثل في الدول الصناعية الكبرى.

إن هذه الفكرة قائمة اليوم بالنسبة للاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي (الناتو).

هذا المقال يقترح نظاماً للأمن في الخليج يرتكز على بعدين أساسيين، الأول سوف نطلق عليه البعد النشط، والآخر سنضعه تحت عنوان البعد غير النشط.

نقصد بالبعد غير النشط مجموعة الإجراءات الهادفة إلى تعزيز الثقة وبناء الشفافية الأمنية. ويغطي هذا البعد قطاعاً متفقاً عليه من القواعد السلوكية، مثل عدم استخدام القوة، واحترام الحدود الدولية القائمة، ووضع تشريعات واضحة بالنسبة لاقتناء واستخدام أنواع معينة من الأسلحة.

ويشمل هذا الأمر أيضاً تعزيز الشفافية فيما يرتبط بنوعية وتوقيت الأنشطة العسكرية، وحجم واتجاهات الإنفاق الدفاعي.

وفي ضوء هذا البعد، وانسجاماً معه، يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي الست العمل على تعزيز دفاعاتها الجوية لمواجهة الطائرات والصواريخ البالستية والجوالة.

ويمكن لهذه الدول أن تسند دفاعها الجوي إلى أنظمة صاروخية متوسطة المدى، مثل صواريخ باتريوت (PAC-3) الأميركية أو صواريخ (S-300PMU1) الروسية، وتستعين في الوقت نفسه بأنظمة صاروخية قريبة المدى لحماية الأنظمة الصاروخية ذات المدى المتوسط من الصواريخ المضادة للرادار.

ويمكن لدول الخليج أن تسعى في الوقت نفسه لإنشاء شبكة رادارات مؤتمنة للاستطلاع ومراقبة المجال الجوي، إذ إن مثل هذه الشبكة يمكنها أن تساعد وزارات الدفاع على حل قضايا الدفاع الجوي بواسطة المعلومات المستقاة من دوائر الملاحة الجوية التي ستتمكن بدورها من التحكم في حركة الطائرات بصورة أكثر فعالية عبر البيانات التي تحصل عليها من أجهزة الدفاع.

"
النظام الأمني المقترح لدول الخليج على قدرٍ من المرونة يؤهله للتوليف بين خصوصيات دول المنطقة من جهة والمتطلبات المشتركة لأمن الخليج، بما هو أمن إقليمي، من جهة أخرى
"
مراقبة الممرات البحرية
العنصر النشط في النظام الأمني الذي يقترحه هذا المقال، يتمثل في إنشاء إدارة إقليمية مشتركة من دول الخليج الثماني (دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والعراق) لمراقبة المضايق والممرات المائية الإستراتيجية في المنطقة، على أن تتعاون في هذا السبيل، وفق آليات خاصة، مع دول المحيط الهندي ذات الصلة، وهي اليمن وباكستان والهند وسريلانكا وبنغلاديش وأقطار جنوب شرق آسيا.

وهناك أربعة مضايق أساسية يُعنى بها أمن الخليج، واستتباعاً أمن الطاقة النفطية، وهي مضايق: هرمز، وباب المندب، وبالك الواقع بين سريلانكا والهند، وملقا الواقع بين سنغافورة وماليزيا وإندونيسيا.

على أن دول الخليج ستكون مسؤولة حصراً عن الأمن في مضيق هرمز وممرات الملاحة في أجزاء أساسية من بحر العرب وخليج عُمان، وتعود المسؤولية القانونية بعد ذلك إلى دول المحيط الهندي، ضمن الخط الممتد من باكستان شمالاً إلى إندونيسيا جنوباً.

وهناك امتداد أقل ارتباطاً، لكنه حيوي في الوقت نفسه، يتمثل في بحر الصين الجنوبي الذي يشكل الطريق الحصري لإمدادات الطاقة النفطية من الخليج إلى كل من الصين وكوريا الجنوبية واليابان.

إن مستويات مختلفة من التنسيق يمكن أن تنشأ بين دول الخليج من جهة، والدول التي تشاركها في الإشراف على ممرات طاقتها النفطية من جهة أخرى.

ويمكن لدول المنطقة أن تستفيد من تجربة حلف الناتو في البحر الأبيض المتوسط ومناطق أخرى من العالم.

إن النظام المقترح أعلاه لأمن الخليج هو على قدرٍ من المرونة يؤهله للتوليف بين خصوصيات دول المنطقة من جهة والمتطلبات المشتركة لأمن الخليج، مع ما هو أمن إقليمي، من جهة أخرى.

ويدعو الكاتب دول الخليج والأمانة العامة لمجلس التعاون الخليجي إلى دراسة هذا التصوّر ووضع ملاحظاتها عليه، والعمل على تطويره، على النحو الذي يعزز من فرص الأمن والاستقرار، ويُبعد عن المنطقة شبح الحروب والتوترات.
__________________
كاتب بحريني

المصدر : الجزيرة

التعليقات