فيوليت داغر

فيوليت داغر

ولدت فيوليت داغر في تنورين- لبنان في منتصف الخمسينيات وتعيش في فرنسا منذ أكثر من ثلاثة عقود، وهي متزوجة ولها ابنة.


توجهت أواخر نوفمبر/تشرين الثاني 2007 إلى مدينة كالكوتا الهندية، أو كولكاتا كما باتت تسمى، ضمن الحملة الدولية لإغلاق معتقل غوانتانامو، وما كنت أعرفه عن كالكوتا هو أنها رابع أكبر مدينة في الهند، لكنها الأشد اكتظاظا بالسكان في العالم.

وهي معروفة بفقرها الشديد، حيث عاشت الأم تيريزا تعنى بالجائعين والمضطهدين والمشردين والعاجزين والمنبوذين والعراة والعميان والمرضى الميؤوس من شفائهم والمحتضرين.

"
هند الجهل والكسل والارتخاء في أشعة الشمس تنقرض الآن باكتشاف أبنائها شيئا اسمه العلم، فهم يصدرون الآن إلى الدول الأخرى بما فيها أميركا وكندا وأستراليا الأطباء المتفوقين والمهندسين المتفوقين وخبراء المال المتفوقين
"

فمنذ 1690 احتلت البحرية البريطانية ميناء كالكوتا، وبدأ التغلغل الإنجليزي في الهند إلى أن احتلت بالكامل عام 1815، وقد بقيت على هذا الحال إلى أن استقلت عن بريطانيا قبل ستين سنة.

ينقل تشومسكي عن نهرو قوله، "الحقيقة المهمة البارزة أن تلك الأجزاء من الهند التي عاشت أطول من غيرها تحت الحكم البريطاني هي الأفقر اليوم، في أواسط القرن الثامن عشر كانت الهند متطورة بالمعايير النسبية، ولم يكن ذلك في صناعة النسيج فقط.

تحت حكم بريطانيا لم تتهاو صناعة النسيج وحدها، بل صناعات أخرى مؤسسة جيدا. كلها انهارت وأوقف تطور الهند، وسد طريق نمو صناعات جديدة، وصارت الهند مستعمرة زراعية لإنجلترا الصناعية.

وبينما تمدنت أوروبا، كانت الهند تتريف بسرعة مع زيادة كبيرة في نسبة السكان المعتمدين على الزراعة، السبب الحقيقي والأساسي للفقر المرعب للشعب الهندي".

واقع كالكوتا كان أشد إيلاما من الصورة المكونة في البال، كان وقعه كاللطمة أو بالأحرى الصدمة التي لا يمكن أن يختفي أثرها ولو بعد حين.

وجوه كالحة تطالع عابر السبيل، صغار وكبار حفاة وشبه عراة، نساء يحملن أطفالا ويمددن أيديهن رجاء بضعة دراهم لإطعامهم. إنهم آلاف مؤلفة من المهددين بالموت جوعا. أعداد كبيرة منهم يعيشون دون مأوى، في زواريب الطرقات، وعلى أرصفة الشوارع، يفترشون الأرض ويلتحفون السماء. يلدون ويكبرون، يعيشون ويتناسلون تحت أبصار المارة. وعندما يموتون هناك من ينقله عمال التنظيف إلى مكبات النفايات مباشرة.

التسول مستشر، وتجد من يمنعك من مد اليد لهم ببضع دريهمات. وينظّر عليك بأنهم يعملون لمافيات ويجب عدم تشجيعهم على ذلك.

تبدو كالكوتا مدينة رجال حيث لا تظهر النساء بأعداد معقولة في شوارعها. قيل لنا إنه بالزواج تتحول الكثير من النساء إلى جواري للمتعة الجنسية دون الحصول على كثير من حقوق الزوجية.

هذه المشكلة لا تعود للفقر وحده، وإنما لعادات اجتماعية تضاعف من معاناة المرأة. منها بالطبع عدم المساواة بين الجنسين، وكذلك نظام المهور الذي ما زال منتشرا على الرغم من إلغائه، وزواج الأطفال وإجهاض المولود إن كان فتاة، إلخ.

بعد الانفجار الديمغرافي بين 1920 و1944 بفعل ارتفاع الولادات وانخفاض الوفيات، عملت الدولة منذ 1975 على تحديد النسل وتنظيم الأسرة ورفع سن الزواج وتشجيع تعليم البنات. لكن هذه السياسة اصطدمت بالتقاليد الاجتماعية، ولم تطبق إلا من طرف الفئات الاجتماعية الأكثر تقدما.

الزراعة هي باب الرزق لأكثر من نصف السكان. وقد عمدت الدولة إلى تشجيع التنظيمات الفلاحية، وإلى إصلاحات زراعية للحد من سوء توزيع ملكية الأراضي واستيلاء كبار الملاكين على أراضي الفلاحين الصغار.

لكن هذه الإصلاحات بقيت أيضا سطحية ودون كبير تأثير، إضافة إلى الخسارة المتسارعة لملايين الهكتارات من الأراضي الزراعية والأحراج.

ففي العقدين الأخيرين فقدت المنطقة المحيطة بنيودلهي وحدها بفعل استعمال الأشجار لأغراض الطبخ والتدفئة 60% من غاباتها.

ولا ننسى أن الهند تتعرض لأخطار طبيعية كثيرة، إذ تجتاحها أعاصير قوية وسيول جارفة تودي بحياة الكثيرين كل عام. وتأتي كالكوتا وبومباي في طليعة المدن الأكثر عرضة للخطر في آسيا.

إلى جانب ذلك يعيش سكان الهند في هواء شديد التلوث بسبب الانبعاثات، ومع آلاف الأميال من الأنهار الملوثة بالمواد السامة الكيميائية، مما يزيد من نسب الإصابة بالأمراض، فما يصل إلى 80% من المرضى في المستشفيات الهندية هم ضحايا التلوث البيئي.

بقي أن نضيف أنه يوجد في الهند أكبر قطيع للماشية في العالم، لكن الاستفادة من الثروة الحيوانية ضعيفة نظرا لتحريم الديانة الهندوسية أكل اللحوم وتقديس الأبقار. أما الصناعة التي تشكل نسبة 15% من النشاط فتساهم بنحو 27% من الناتج الوطني الإجمالي.

بوجودنا في كالكوتا أطلعنا مضيفونا على قصة نانديغرام، وتوجه البعض ومنهم السيد رامزي كلارك لعين المكان لزيارة الضحايا.

"
الهند تعمل جاهدة للخروج من مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن لا يبدو أن قادة البلاد قادرين على قيادة حركة اجتماعية تواكب الهبة الاقتصادية
"

كانت أعمال عنف واسعة النطاق قد اندلعت عقب احتجاجات ضخمة نظمها السكان إثر محاولة السلطات الاستيلاء على آلاف الهكتارات من أراضي المزارعين في عدد من القرى الهندية في نانديغرام. بحيث تحولت هذه المنطقة في شهر آذار/مارس الفائت لساحة معركة بين السلطات والسكان المحليين، ذهب ضحيتها عشرات الأشخاص واعتقل المئات.

لقد أطلقت الشرطة النيران عليهم بعد أن رفضوا التخلي عن أراضيهم لإقامة منطقة اقتصادية للبتروكيماويات تشيدها مجموعة "سالم" الإندونيسية.

الشركات القادمة من خارج الهند تلجأ للحكومة لتأمين الأرض، مقابل وعود بأن الصناعات الجديدة تسهم في زيادة الوظائف المحلية وتحفيز الاقتصاد.

لقد استدعت السلطات المحلية الجيش لمساعدتها في السيطرة على أعمال الشغب، وفرضت حالة الطوارئ في بعض المناطق. وترافق ذلك بقيام الشرطة باعتداءات جنسية واسعة النطاق ضد النساء، وضد بعض كوادر الحزب الحاكم المسلح أيضا.

ومن المعروف وفق معطيات الأمم المتحدة أن 90% من النساء الموظفات في الهند يعملن في الزراعة أو في الأعمال المتصلة بها.

عبث المسؤولون في المستشفيات الحكومية في نانديغرام وتاملوك بالسجلات لتدمير الأدلّة على الاعتداءات الجنسية. لكن بفضل التغطية الإعلامية العالمية لهذه الأحداث، أوقفت حكومة الولاية متابعة صفقة الأرض هذه.

قبل أكثر من سنة، نقلت جريدة الشرق الأوسط عن الأمير طلال بن عبد العزيز قوله لرئيس وزراء الهند إن عدد السكان في بلده يزداد بسرعة، وأن ذلك عبء كبير عليهم، سائلا إياه كيف يمكنهم تأمين المعيشة والمعالجة والتعليم لهم؟

وكان الجواب، "لم يعد المولود الجديد عبئا إضافيا في الهند"، مؤكدا أن هند الجهل والكسل والارتخاء في أشعة الشمس تنقرض الآن، "لقد اكتشفنا يا صديقي الكريم شيئا اسمه العلم. علم الهندسة وعلم الطب وعلم الاقتصاد. ونحن نصدّر إلى الدول الأخرى الآن، بما فيها أميركا وكندا وأستراليا الأطباء المتفوقين والمهندسين المتفوقين وخبراء المال المتفوقين".

لكن نضمن أولا أن نقيم هنا مستشفيات حديثة تنافس أميركا وأوروبا، وسوف نحول الهند في وقت قريب إلى أحدث وأرخص مستشفى في العالم.

والآن تنتقل إلينا شركات أوروبا ومصارفها ومصانعها، لأننا نقدم لها هنا العلم واليد العاملة الرخيصة. إن أبناءنا يأخذون الآن أمكنة موظفي البنوك الأوروبية وشركات الطيران وشركات الاتصالات. لقد اكتشفنا العلم. ومن دونه سوف نظل بلدا يأكله الفقر.

اذهب الآن إلى كولكاتا وانظر كيف أصبحت الساحات التي كان ينام فيها مليون فقير في العراء، ربما لم يعد هناك مليون فقير في العراء، لكن مناظر البؤس في الشوارع تقول إنه ما زال يلزم الكثير للانتقال بالهند إلى ما تصبو إليه شعوبها، مع أن هذا البلد يخطو خطوات كبيرة في مجال الصناعة والتنمية، ويعد أسرع سوق لنمو نشاط الإنترنت في العالم.

وكمثال على هذا النشاط يتبين أنه من ثلاثمائة ألف وصلة إنترنت عام 1999 بلغ ما يزيد عن 80% عدد الهنود الذين يستخدمون الإنترنت اليوم للمراسلة. كما أن أعلى نسبة من "المبتكرين" في عالم الاختراعات والتجديدات المتعلقة بالإنترنت في البلاد -من مثل برنامج الآي شير- تحظى بها كالكوتا.

لكن مع تخطي عدد سكان الهند مليار شخص منذ أمد طويل يبقى السؤال عن كيفية تأمين الحد الأدنى لهذا البحر المائج من البشر، وتوزيع الثروات ومداخيل الناتج المحلي عليهم بشكل عادل يحترم كرامتهم البشرية، وحقهم الطبيعي في اقتسام الثروة الوطنية؟

يراقب العالم الهند وهي تعمل جاهدة للخروج من مرحلة ما بعد الاستقلال، لكن لا يبدو أن قادة البلاد قادرين على قيادة حركة اجتماعية تواكب الهبة الاقتصادية.

وتشير منظمة الشفافية الدولية إلى أن الفساد أكثر انتشارا في الدول الفقيرة، وأن الفقراء هم ضحايا الفساد في الدول ليس فقط الفقيرة وإنما أيضا الغنية.

ففي كثير من الأحيان، يجب على الفقراء التنازل عن جزء من الأموال التي حصلوا عليها بمشقة لتأمين الخدمات التي يفترض أن تقدم لهم دون مقابل. أما القطاعات الأكثر فسادا فهي الأكثر تماسا مع حياة الناس مثل الصحة والتربية والقضاء والشرطة.

"
أثبتت تجربة القروض الصغيرة في دول فقيرة أنه يمكن الجمع بين النمو الاقتصادي والتضامن مع الأكثر فقرا، وهي تجربة آن لها أن تعمم في عالم ما زال يتمتع 20% من سكانه فقط بنحو 80% من موارده الطبيعية المتاحة
"

250 مليون شخص على أقل تقدير يعيشون في الهند بأقل من دولار واحد في اليوم! وهذه الآفة ليست اقتصادية بحتة، وإنما سياسية وأخلاقية وثقافية. إنها مرتبطة بسياسات دولية مجرمة، تسخر من العدل واحترام كرامة وحقوق الإنسان، وتنبطح أمام خيار اقتصاد السوق والانفتاح المتوحش.

وما زالت تمارس سياسات غبية في توزيع الثروات دون مساواة في الحظوظ والكفاءات، ودون العمل على تصحيح ما أفسدته الأعراف والتقاليد التي تقبل بالممارسات التمييزية بين البشر، انطلاقا من تصنيفهم أبناء ست وأبناء جارية، وتوزعهم بين طبقات لا يمكن القفز منها والصعود اجتماعيا.

ولا يبدو أن من يطبقون هذه السياسات على صعيد مدينة كالكوتا قد استطاعوا اجتراح المعجزات رغم اعتبار أنفسهم ماركسيين.

قد يكون هذا العامل هو الذي جعلنا أكثر تململا من الوضع القائم، حيث التفاوت الصارخ بين البشر غير مبرر في ظل هذا النوع من القيادة والحيف الواقع على من هو أضعف.

الكثيرون من البائسين لديهم طاقات هائلة، لكن مجرد انتمائهم لشرائح اجتماعية معينة أو عيشهم في ظروف لم تسمح لهم بالتعبير عن أنفسهم، يحرمهم من الاستفادة من هذه الطاقات وإفادة مجتمعهم منها.

نتساءل أين منا هذا الحلم بالمساواة وبحصول كل امرئ على ما يستحقه لقاء الجهد الذي يبذله، في الوقت الذي نعلم فيه علم اليقين أن من يسير في المقدمة ليس بالضرورة الأذكى والأقدر والأفضل.

ألا يحق للمغلوبين على أمرهم أن يطالبوا مجتمعهم بما يعوض لهم أوضاعهم المتردية من عمل وعلم ليصبحوا في مرتبة أفضل تساعدهم على مبارزة الآخرين؟

لكن الانفتاح الحر الجاري على قدم وساق يقدم لنا نموذجا فظا للقرش الكبير الذي يلتهم السمك الصغير، ولشريعة الغاب التي تحكم البشر، لإعلاء المصالح الشخصية على مفهوم التضامن الاجتماعي وقيم العدالة، لعلاقات الهيمنة الاجتماعية التي تقف حائلا ضد العدالة والمساواة الحقيقية بين بني البشر.

لقد أثبتت تجربة القروض الصغيرة في دول فقيرة أنه يمكن الجمع بين النمو الاقتصادي والتضامن مع الأكثر فقرا، وهي تجربة آن لها أن تعمم في عالم ما زال 20% من سكانه يسكنون البلدان الأكثر تقدما ويستخدمون وحدهم 80% من موارده الطبيعية المتاحة.

المصدر : الجزيرة

التعليقات