علي بدوان

علي بدوان

كاتب فلسطيني

علي بدوان

مع إطلالة يناير/ كانون الثاني 2008، تشرق شمس الذكرى الثالثة والأربعين لميلاد حركة فتح والثورة الفلسطينية المعاصرة، بعد سنوات طويلة من النكبة التي لحقت بفلسطين وأهلها على يد الغزو الاستيطاني الاستعماري الإجلائي الصهيوني.

وتنامت إلى جانب حركة فتح -لحظات وما بعد لحظات انطلاقتها- العديد من الروافد الفدائية الفلسطينية المسلحة التي تعاظمت معها وغذتها خلال سنوات أواخر الستينيات من القرن العشرين.

فسارت حركة فتح خطوات متصاعدة وأمسكت بزمام القيادة والهيمنة التامة على منظمة التحرير الفلسطينية بعد تخلي مؤسسها الراحل أحمد الشقيري عام 1969 عن موقعه القيادي الأول في المنظمة لصالح برنامج العمل الفدائي والمقاومة الذي أطلقته حركة فتح وجناحها العسكري آنذاك قوات العاصفة، إلى جانب الجبهة الشعبية لتحرير فلسطن والجبهة الشعبية/القيادة العامة ومنظمة الصاعقة، فضلاً عن بعض المجموعات الفدائية الفلسطينية التي انتشرت كالفطر في الساحة الفلسطينية بين أعوام 1966 و1970.

"
المشوار الطويل الذي قطعته حركة فتح وهي تقود قاطرة العمل الوطني الفلسطيني لم يكن مساراً تصاعدياً على طول الخط، فقد امتلأت المسيرة بالمطبات الهائلة السياسية والتنظيمية في ميدان العمل اليومي
"
ومن نافلة القول أن المشوار الطويل الذي قطعته حركة فتح وهي تقود قاطرة العمل الوطني الفلسطيني لم يكن مساراً تصاعدياً على طول الخط، فقد امتلأت المسيرة بالمطبات الهائلة السياسية والتنظيمية في ميدان العمل اليومي، خصوصاً مع التعقيدات الإضافية التي كانت وما زالت سمة أساسية من سمات الحالة الفلسطينية في ظل التوزع الفلسطيني بين الداخل والشتات، فضلاً عن التوزع الإضافي في الشتات المحيط بفلسطين وطغيان التلون السياسي والأيدولوجي في فسيفساء الخريطة الفلسطينية، مع تنوع الانتماءات.

ومع التقاطها للحلقة القيادية في إطار منظمة التحرير الفلسطينية، صاغت حركة فتح برنامج المنظمة المعروف منذ العام 1974، وهو البرنامج الذي شكل نقطة البداية في البحث الفلسطيني اللاحق عن موطئ قدم في عملية تفاوضية مع الدولة العبرية الصهيونية لإرساء حل يقوم على أساس قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة وبناء دولة فلسطينية فوق الأرض المحتلة عام 1967.

وخاضت حركة فتح في هذا الميدان صراعاً مريراً بين اتجاهات متباينة في صفوف الحركة الوطنية الفلسطينية سنوات السبعينيات، وداخل حركة فتح ذاتها، بين اتجاهات رفض المساومة على برنامج المقاومة والحل الجذري التام للقضية الفلسطينية على قاعدة دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية، وبين أنصار ودعاة الحلول المرحلية في سياق إستراتيجية البناء التراكمي.

لكن ومن بين دعاة المرحلية نما تيار ثالث لاهث وراء التسوية، فتوغل وسار بعيداً في اتجاهات التفتيش عن أي تسوية وبأي ثمن كان، كما يجري الآن على الجناح القيادي الضيق من اللجنة المركزية والممسك بالقرار الفتحاوي ومعه بعض غلاة الاندفاع في التسوية الراهنة من خارج حركة فتح، خلافاً لمواقف غالبية القواعد الفتحاوية وجزء كبير من كوادرها الوسطى وجناحها العسكري في الداخل الفلسطيني "كتائب الأقصى".

ومع أن حركة فتح استعادت شيئاً من صحتها وعافيتها وحيويتها وفعلها المؤثر، متحلقة بأغلبية قواعدها حول قيادة ياسر عرفات التاريخية في السنوات الأولى من الانتفاضة الكبرى الثانية، والتي جاءت بعد فشل مفاوضات كامب ديفد الثانية في يوليو/ تموز 2000، فإنها انتكست وتراجعت مع رحيل الرئيس عرفات، بل وتفاقمت أزماتها الداخلية على خلفية بعض التباينات السياسية، وعلى خلفيات تنظيمية تتمثل في غياب الأطر والهيئات والمؤسسات والتهميش المتواصل الذي أصابها، إلى جانب تنامي الغضب والاحتقان لدى القاعدة الشعبية الفتحاوية نتيجة الجمود المسيطر على الأطر التنظيمية للحركة، وتعرض القادة الميدانيين من أبناء غزة والضفة الغربية -خصوصاً اللاجئين منهم- للتهميش، بينما كانوا هم الأكثر التصاقاً وقرباً من الشعب الفلسطيني.

ففي وقائع أزمات حركة فتح بعد التحولات التي جرت على أرض قطاع غزة في يونيو/ حزيران طفت على السطح نتائج الحال الداخلية الفتحاوية، وهي حال تعكس أزمات خارجية تحاصرها من الخارج (صراع على فتح لتطويعها) وأزمات داخلية مركبة تنظيمية وسياسية داخل الأطر والهيئات القيادية في فتح والسلطة الوطنية الفلسطينية على حد سواء، ولتلخص إلى حد بعيد ما يعتمل داخل صفوف فتح، كبرى أحزاب الخارطة السياسية الفلسطينية.

"
الأوضاع الفتحاوية الداخلية حدت ببعض المتشائمين والشامتين إلى القول إن الحركة طارت وإنها سائرة نحو التفكك أو الانقراض، في حين شبهها البعض الآخر منهم بالعجوز المصابة بالشيزوفرينيا التي بدأ جسدها يتآكل
"
فقد بانت هشاشة الأوضاع الفتحاوية الداخلية، وبان معها مدى النخر الذي أصاب مؤسساتها التي ترهلت وأصبحت عبئاً عليها وعلى قاعدتها الجماهيرية الواسعة في الداخل الفلسطيني وفي الشتات، إلى درجة حدا ببعض "المتشائمين والشامتين" إلى القول إن حركة فتح "طارت" وإنها سائرة نحو التفكك أو الانقراض، في حين شبهها البعض الآخر منهم "بالعجوز المصابة بالشيزوفرينيا" التي بدأ جسدها يتآكل.

وقال آخرون من المقربين والمخلصين لفتح بأنها باتت "كاللبؤة الجريحة غير القادرة على النهوض"، خصوصاً أن أزمات أوضاعها الداخلية بقيت تراوح مكانها، بل وتزداد تأزماً مع اتساع هوة التباين الداخلي بين عدد من قياداتها الموجودة في الداخل والموجودة خارج الضفة الغربية.

وما فاقم من اتساع التباين استمرار الخلافات بشأن انعقاد المؤتمر العام للحركة بعد سنوات طويلة من انعقاد المؤتمر السابق، رغم إقرار الجميع بأهمية إلتئام المؤتمر لتقييم المرحلة الماضية وانتخاب قيادة جديدة (مجلس ثوري+لجنة مركزية) يتم رفدها بالدماء الشابة التي نمت وترعرعت في صفوف الانتفاضة في الداخل منذ العام 1987 ومن الشتات الفلسطيني خصوصاً من التجمعات الفلسطينية في سوريا ولبنان التي أصبحت -على ما يبدو- نسياً منسياً.

وبالنتيجة فإن راوحت الأمور مكانها عند حدود المؤتمر العام الخامس لحركة فتح الذي عقد في تونس العاصمة قبل أكثر من ثمانية عشر عاماً، بينما تطلبت المرحلة والهزات العنيفة التي وقعت خلال الفترات الماضية السير نحو مؤتمر حركي موحد، لتقييم أداء فتح ووضع التجربة على مقياس التقييم والمراجعة، وإعادة انتخاب الهيئات القيادية المركزية بطريقة شفافة ونزيهة تضمن انتقال حركة فتح من حالة حزب التحرر الوطني إلى حالة المزاوجة بين حزب التحرر الوطني وحزب بناء الكيان الفلسطيني وتجسيده على أرض فلسطين.

ويمكن القول إن عدم انعقاد المؤتمر العام لحركة فتح منذ زمن طويل أدى إلى استمرار نمو الأزمة التنظيمية الداخلية وتفاقم مظاهر الخلل، عدا عن التهميش الذي أصاب تنظيمات حركة فتح في الشتات الفلسطيني.

ومما لا شك فيه أن غياب الأب الروحي والمؤسس لحركة فتح ياسر عرفات، أفقدها الجامع القادر على توحيد كل أجنحة "الفتوح" تحت سقف البيت الواحد، وجعلها تعيش في أزمات تتفاقم كل يوم فوق أزماتها القديمة مع التعطيل المتواصل لأطرها وهيئاتها القيادية خصوصاً منها اللجنة المركزية التي باتت تجتمع بمن حضر عند الضرورة فقط، ولتمرير قرارات وتوجهات معينة وإكسابها الشرعية الشكلية، تماماً كما يجري الآن التعاطي مع منظمة التحرير الفلسطينية ومع لجنتها التنفيذية التي أصبحت تدعى للاجتماعات وبمن حضر وعند الضرورة لتمرير قرارات محددة باسم المنظمة والشعب الفلسطيني.

ومن حينها اشتدت وقائع أزمات حركة فتح وانتقلت من أزمات داخلية ليضاف إليها صراع خارجي على فتح بهدف تطويعها التام والكامل وإعادة صياغتها وقولبتها على أساس المقاسات الحصرية للتسوية الأميركية الإسرائيلية المعروضة على الفلسطينيين.

وفي هذا السياق، ومع فجر الذكرى الـ43 لتأسيس الحركة، يمكن القول إن فتح -ومن موقعها كتيار وطني عريض- معنية الآن قبل الغد بإعادة النظر في أوضاعها الداخلية، والإسراع بإنجاز بناء الهياكل الحية للمؤسسات الجماعية قولاً وعملاً، وليس بناء مؤسسات المجموعة الضيقة أو مؤسسة الفرد كما عند العديد من الأحزاب والقوى الفلسطينية التي يمكن اختصار مؤسساتها وقرارها بشخصين أو ثلاثة على أبعد تقدير.

"
حركة فتح تجد نفسها الآن أمام امتحان عسير وتحد بالغ الخطورة، فإما أن تعبر وتحافظ على ديمومتها، وتطور من أدائها الداخلي، وإما أن يحملها القدر ويدفع بها نحو التقوقع والتكلس والتحول إلى حزب سلطوي
"
فعوامل ارتقاء الوعي السياسي والفكري داخل مجموعات الشبيبة التي نهضت في ميدان العمل والمقاومة والانتفاضة، وفي ظل الأصوات التي تتعالى كل يوم من أجل تحقيق الإصلاح داخل الجسم الفتحاوي، وتجديد شبابه، وإحالة الحالات التي ترهلت على التقاعد بعدما أصبحت عبئاً ثقيلاً، تعشق الثرثرة السياسية والتنظيمية، وتعطل إمكانية دوران عجلة التطور المنشود كما هو حالها عند أغلبية قوى وأحزاب الساحة الفلسطينية، فإن كل هذه العوامل تضع حركة فتح أمام جملة من المهام لاستعادة أو تجديد شبابها قبل أن تصاب بالشيخوخة والترهل، وتطرح عليها ضرورة إعادة تطوير هياكلها، وبناء مؤسسات قيادية يتواصل عبرها القديم بالجديد وبالمياه الصاعدة.

فالتحدي الجديد بالنسبة لحركة فتح ومستقبلها في الخارطة السياسية الفلسطينية، تحدٍّ بالغ الخطورة وعميق الأثر، ويطرح عليها تجديد أدواتها ومؤسساتها المتواضعة، ودفع الجيل الجديد الرابع من قياداتها الميدانية نحو المواقع المقررة، فهو بحق الجيل القيادي الشباب الصاعد المنتمي إلى اللون السياسي المقاوم في الانتفاضة.

فالجيل الأول هو جيل المؤسسين الذي لم يتبق منه على قيد الحياة سوى فاروق القدومي، ومحمود عباس، ومحمد راتب غنيم، والثاني هو جيل الصعود على امتداد السبعينيات من القرن الماضي، والثالث هو جيل ما بعد بيروت 1982، في حين ينتمي الجيل الرابع إلى الصف القيادي الثاني، أي إلى عضوية المجلس الثوري للحركة، وهو الجيل الذي نما وترعرع في الداخل الفلسطيني في ظل الانتفاضتين الأولى والثانية، وتالياً لم يحمل من نتوءات وتشوهات وأمراض وخطايا ثورة الشتات سوى "قدره" الذي وضعه في وعاء اختبار فسيفسائي مع ما تراكم من مثالب بعد نشوء "سلطة فلسطينية وبريق الامتيازات" بعد العام 1994.

وخلاصة القول.. إن حركة فتح تجد نفسها الآن أمام امتحان عسير وتحد بالغ الخطورة، فإما أن تعبر الامتحان وتحافظ على ديمومتها، وتطور من أدائها الداخلي، وتعيد تجديد حيويتها وبناء مؤسساتها بشكل معتبر، وإما أن يحملها القدر ويدفع بها نحو التقوقع والتكلس والتحول إلى حزب سلطوي جديد في الخارطة السياسية العربية..

شأنها في ذلك شأن الأحزاب السلطوية الحاكمة في بعض بلدان العالم الثالث، حيث انتقلت الأحزاب المشار إليها من " الراديكالية العالية " الملونة بالألوان الجيفارية والكاستروية والماوية والتروتسكية وحتى الديمقراطية الليبرالية.. إلخ، إلى أحزاب "أيدولوجية" المنافع والجمهور الفضفاض "وبلباس" البراغماتية المفتوحة السقف.

المصدر : الجزيرة

التعليقات