عاطف عبد الحميد

التنافس والصدام
أسئلة المرحلة
من السيد في البيت؟

حين اختارت مجلة تايم الأميركية الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أهم شخصية لعام 2007 اهتمت، وسائل الإعلام العربية بنقل جزء بعينه من حوار بوتين الطويل مع المجلة، خاصة قوله إن واشنطن تريد اتباعا لا حلفاء.

لقد كانت لهذا التصريح دلالات متعددة لا سيما ما يتضمنه من تطور العلاقة التنافسية بين روسيا والولايات المتحدة عند المستويات الجيوسياسية والاقتصادية والثقافية. فقد كشف هذا الحوار بعض خلفيات التنافس ومستقبله.

ففي تفاصيل اللقاء يعرب بوتين عن أسفه من أن "الولايات المتحدة تتعامل مع روسيا كضيف متطفل حضر إلى مائدة النظام الدولي دون أن يتلقى دعوة من أصحاب الحفل".

وفي ثنايا اللقاء اختار المحررون إحدى النكات الروسية التي صارت تروى حديثا للتدليل على محصلة مكاسب روسيا وخسائر الولايات المتحدة في العراق.

تصور النكتة بوتين وبوش يجلسان للصيد في أحد أنهار الأحراش الروسية وبعد نحو ساعة سأل بوش بوتين بانزعاج: لماذا يلدغني هذا البعوض الشرس بينما لا تقترب منك بعوضة واحدة؟ يجيب بوتين مبتسما: إن لدى البعوض حكمة أعمق مما تتصور!"

ولكي تساعد تايم القراء على فهم عبرة النكتة توجه السؤال لبوتين عن رأيه فيما يجرى في العراق، فجيب "اخترتم غزو دولة صغيرة على خريطة العالم ولم تدركوا أنها بالغة الكبرياء".

التنافس والصدام
من بين المواقف التي تسترعي الانتباه في لقاء بوتين مع مجلة تايم قوله وعروق جبهته منتفخة (على حد تصوير المجلة) "إن الصورة التي لا تزال مرسومة في الولايات المتحدة عن بلادنا مفادها أن الروس شعب بدائي هبط للتو من قمم الأشجار ويحتاج لأن يغسل الأقذار العالقة في شعر رأسه ولحيته!".

ولأن الكرملين يدرك أن الصورة التي يعرفها الأميركيون عن روسيا تحدد جزءا من مستقبل العلاقة بين البلدين، فإن جهدا كبيرا ومثمرا يبذل اليوم لتغيير هذه الصورة من خلال وسائل متعددة في العلاقات الخارجية لروسيا عند المستويين الدبلوماسي والإعلامي، تنجح عبر موسكو في تقديم عرض ذكي لقدرات روسيا العسكرية والصناعية والنهضة الثقافية في روسيا اليوم.

"
الدب الروسي يصحو من غفوته حقا، لكن ليس لمواجهة مع الولايات المتحدة بقدر ما يبحث لنفسه عن شرعية على مائدة النظام الدولي، ودون أن يشعر بذلك الحرج الذي يشعر به الضيف غير المرغوب في حضوره للمشاركة في تقاسم الكعكة
"
ورغم ما يبدو من مشاكسة بين البلدين للتنافس على "مائدة النظام الدولي" يقر عديد من الخبراء الروس وعلماء السياسة في الداخل الروسي بأن مستقبلا ناجحا لبلادهم لا يمكن أن يتشكل من دون التعاون والتحالف مع الولايات المتحدة، بغض النظر عما تنتظره كثير من وسائل الإعلام من قرب يوم التصادم بين القوتين ودنو ساعة صحوة الدب الروسي من غفوته.

فالدب الروسي يصحو من غفوته حقا، لكن ليس لمواجهة مع الولايات المتحدة بقدر ما يبحث لنفسه عن شرعية على مائدة النظام الدولي، ودون أن يشعر بذلك الحرج الذي يشعر به الضيف غير المرغوب في حضوره للمشاركة في تقاسم الكعكة.

ويود كثير من المتابعين في العالم الثالث أن يؤدي صعود روسيا إلى علاج الخلل في النظام العالمي وإيقاف الاستعمار الأميركي في بلادهم. كما ينظر كثير من كتاب الرأي والمحللين إلى طبيعة العلاقة بين موسكو وواشنطن بمفاهيم الصدام والصراع والمواجهة، لا بمفاهيم التنافس والسباق والتحدي الحضاري.

ومن اللافت للانتباه في هذا الصدد أنه في ذات المدة التي انشغلت فيها وسائل الإعلام في العالم بتصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الناقدة للولايات المتحدة، كان الإعلام الروسي يعرض فيلما وثائقيا من إنتاج قناة "نوفستي" الإخبارية وقناة "روسيا اليوم" عن شكل آخر من علاقات البلدين.

تناول الفيلم تلك المرحلة من الحرب العالمية الثانية التي قدمت فيها الولايات المتحدة الإمدادات العسكرية والغذائية للاتحاد السوفياتي ليواصل صموده أمام ألمانيا النازية، ضمن ما عرف تاريخيا باسم مساعدات الإعارة والتأجير (Lend-Lease) التي أنقذت من خلالها الولايات المتحدة ملايين من الشعب الروسي المحاصر من الموت جوعا وأتاحت إمداداتها الفرصة لجيش من الرجال السوفيات انتقلوا من أمام آلات المصانع إلى جبهات القتال.

العبرة التي يمكن الاستفادة منها من هذه المرحلة بحسب الأكاديميين والعسكريين في الفيلم هي استلهام الدرس في التوحد الروسي الأميركي في مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها "الإرهاب الدولي".

أسئلة المرحلة
هل تجاوزت موسكو الهامش الذي رسمته الولايات المتحدة لموقع روسيا في مجلس إدارة العالم؟ يبدو أن الإجابة بنعم تزداد ثقلا يوما بعد يوم، وعلامات ذلك كثيرة، أهمها نجاح روسيا في كسر سياسة الحصار التي رسمتها الولايات المتحدة لحبس روسيا في عقر دارها.

فقد نجحت روسيا في تقديم نفسها كمورد عالمي موثوق في قدرته للحفاظ على أمن الطاقة في العالم. وفي ذات الوقت نجحت روسيا في إفشال خطة واشنطن بدعم مشروعات الانفصال عن الأراضي الروسية، وبالمثل تمكن الكرملين من إفشال المشروع الأميركي بدعم منظمات في الداخل الروسي لتغيير الخريطة السياسية والتنظيمات الحزبية.

وانطلقت موسكو في ذلك من عقيدة سياسية تؤمن بأن ما يصلح لروسيا في هذه المرحلة هو ضمان الاستقرار ورفع مستوى معيشة السكان ولملمة أطراف الدولة من الانفراط قبل أن تفتح الأبواب للديمقراطية وصناديق الاقتراع ودعم الليبرالية والحكم الفدرالي.

"
روسيا تعرض اليوم بسخاء إقامة مفاعلات نووية للطاقة الرخيصة، ولو كانت لدى دول عربية مثل مصر وسوريا وليبيا والسعودية الإرادة السياسية غير المرتجفة من غضب واشنطن لكانت لروسيا صولة وجولة في الشرق الأوسط ولنافست الولايات المتحدة بالفعل
"
تعرف واشنطن أن روسيا الديمقراطية والحرة هي أقرب لروسيا التفسخ والتفكك. ففي هذه الدولة صاحبة التاريخ الطويل من الشمولية يكتنف تفعيل الديمقراطية والفدرالية واعتماد البناء السياسي على صناديق الاقتراع مخاطر عدة.

فالانفصال على أسس دستورية، ونمو تيارات قومية لدى الأعراق المتعددة، وزيادة رغبة المسلمين في روسيا (وهم بعد الروس ثاني أكبر جماعة سكانية) في التمايز القومي والديني، بمثابة القنابل الموقوتة التي تأمل واشنطن في أن تشغل روسيا بالداخل وتعرقل خطواتها نحو "مائدة" التنافس الدولي.

لذلك فإن ما تقوم به روسيا اليوم من جمع كل أوراق الداخل في قبضة الكرملين (والذي تسميه واشنطن ردة وانتكاسة لزمن القيصرية) ليس سوى خطوة فاعلة على طريق منافسة روسية قوية للولايات المتحدة على النظام الدولي.

الخطوات المزعجة للولايات المتحدة تقوم بها روسيا اليوم على أكمل وجه، وبردود فعل سريعة وبالغة التحدي، سواء بسرعة نصب صواريخ نووية موجهة نحو قواعد الدرع الصاروخي في شرق أوروبا، أو التغلغل بتصدير السلاح إلى عشرات الدول في أغلب قارات العالم، وإصرارها على شق طريقها بكفاءة لنشر تكنولوجيا الطاقة النووية التي جعلت العديد من دول العالم (في مقدمتها الصين وإيران) تدين بالفضل للدور البناء لروسيا في توفير الطاقة النووية.

وتعرض روسيا اليوم بسخاء إقامة مفاعلات نووية للطاقة الرخيصة، ولو كانت لدى دول عربية مثل مصر وسوريا وليبيا والسعودية الإرادة السياسية غير المرتجفة من غضب واشنطن لكانت لروسيا صولة وجولة في الشرق الأوسط، ولنافست الولايات المتحدة بالفعل والعمل وليس ببيع الأوهام وترويج بضاعة فاسدة اسمها السلام الشامل والعادل.

ومع تحسن التقنيات الروسية لا يمكن لواشنطن اليوم أن تسخر في أفلام هوليود من القدرات الروسية في الفضاء، على نحو ما صورت عدة أفلام في العقد الأخير رائد الفضاء الروسي شخصا ثملا أشعث الرأس يدير مركبته الفضائية بعد ركلها عدة مرات.

فاليوم تتدعم مكانة روسيا في الفضاء وعند عدة مستويات تنافسية أمام الولايات المتحدة، أهمها في أقمار الكشوف والأبحاث الكونية، وأقمار الاستشعار عن بعد، وأقمار الاتصالات، فضلا عن أقمار التجسس العسكري.

ولأن زمن التجسس التقليدي قد ولى، فقد نشرت وسائل الإعلام الروسي وبعدة لغات صورا وعروض فيديو لأحدث الأسلحة الروسية الحديثة، وفي مقدمتها القطع البحرية الروسية وحاملات الطائرات التي توجهت حديثا إلى مياه البحر المتوسط والمحيط العالمي.

لم تعد الولايات المتحدة في حاجة إذن لدلالات أكثر من ذلك بأن المارد الروسي قد أفاق من صدمة سقوط الشيوعية.

وعلى المستوى الثقافي يزداد الاعتناء الروسي بالثقافة الروسية خارج الحدود ودعم اللغة الروسية لأكثر من 25 مليون روسي بقوا في الجمهوريات السوفياتية السابقة.

من السيد في البيت؟

"
إذا عرفنا أن مقر الحكومة الروسية في موسكو يعرف أيضا باسم "البيت الأبيض" وهو مقر لرئيس الوزراء بينما يقطن الرئيس الروسي قصر "الكرملين" لأدركنا أن هناك صراعا آخر بين السيد والتابع في الداخل أيضا
"
حمل المقال في سطوره السابقة بعضا من ملامح العلاقة بين الولايات المتحدة وروسيا، وربما يبدو مفيدا لو عرج المقال على شكل آخر من الصراع الدائر اليوم في الداخل الروسي نظرا لأهمية ذلك في علاقة موسكو وواشنطن.

فإذا عرفنا أن مقر الحكومة الروسية في موسكو يعرف أيضا باسم "البيت الأبيض" وهو مقر لرئيس الوزراء بينما يقطن الرئيس الروسي قصر "الكرملين" لأدركنا أن هناك صراعا آخر بين السيد والتابع في الداخل أيضا.

ففي الأيام الأخيرة رتب "فريق الحكم" في روسيا الأوراق بحيث يتولى نائب رئيس الوزراء الحالي دميتري ميدفيدوف رئاسة روسيا في مارس/آذار المقبل على أن يختار هذا الرئيس الجديد فلاديمير بوتين رئيسا للوزراء.

لن تتم الانتخابات الرئاسية في مارس/آذار المقبل دون الالتزام بقواعد اللعبة، فالرئيس الجديد سيتم انتخابه من بين ستة مرشحين يتقدمهم زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيغانوف واليميني المتشدد فلاديمير جيرونوفسكي وفي آخر القائمة رئيس الوزراء الأسبق ميخائيل كاسيانوف الذي يتهمه الكرملين بالفساد.

هل هناك من احتمال إذن بألا يفوز صديق بوتين ومرشح الكرملين دميتري ميدفيدوف؟ لقد حسمت استطلاعات الرأي القضية وأعطت للمرشحين المنافسين ما بين 1 و5%، في حين حصل صديق بوتين على الأغلبية الكاسحة.

ونظرا لفارق الخبرة الكبير بين الشاب المغمور ميدفيدوف (42 سنة) والسياسي المخضرم بوتين (55 سنة)، فمن المتوقع أن تشهد العلاقة بين الكرملين والبيت الأبيض الروسي بعد مارس/آذار 2008 صراعا وتنافسا من نوع جديد، تترقب فيه الولايات المتحدة أحد احتمالين:

- أن بوتين في منصبه الجديد كرئيس للوزراء بعد مارس/آذار 2008 لابد أن يقبل بحدود هذا المنصب الذي لا يتجاوز في ثقافة الكرملين درجة "سكرتير الرئيس" وليس رئيسا للحكومة.

ولأن بوتين على الأرجح لن يقنع بهذا فمن المتوقع أن يحدث الشقاق والتناحر الذي تعول عليه واشنطن لكي تنشغل روسيا مرة أخرى بالداخل.

- أن ميدفيدوف وبوتين أبناء مدرسة واحدة وينتميان إلى ثقافة سياسية عرفها الكرملين منذ أيام يلتسين تقوم على اقتسام النفوذ بهدوء لأن البديل هو الخروج من اللعبة بأكملها (في غير مرة يكون الخروج دمويا).

"
إلى أن يتضح مستقبل روسيا بعد انتخابات مارس/آذار المقبلة يمكن الإقرار بأن روسيا تجاوزت الهامش الذي ظنت واشنطن أنها رسمته للكرملين بمثل ما تخطت موسكو مرحلة المناكفة إلى المنافسة
"
ومن ثم فإن هذا السيناريو سيدعم من موقف روسيا على الساحة الدولية ويزيد من قدراتها التنافسية أمام واشنطن ويقربها من لعب دور المنازع القوي.

وإلى أن يتضح مستقبل روسيا بعد انتخابات مارس/آذار المقبلة لا يسعنا سوى التقرير بأن روسيا تجاوزت الهامش الذي ظنت واشنطن أنها رسمته للكرملين، بمثل ما تخطت موسكو مرحلة المناكفة إلى المنافسة.

وقد جاء بعض من هذا النجاح بأيدي أميركية نتيجة الفشل في العراق وأفغانستان، وارتفاع أسعار النفط، وانهيار مشروع تصدير الديمقراطية في الجمهوريات السوفياتية السابقة، وجر روسيا إلى التسلح.

بينما جاء البعض الآخر بأيدي روسية، يعود أغلبها إلى القبضة الحديدية لبوتين التي أدت إلى الاستقرار المشفوع بالديناميكية والحركة وليس استقرار الركود الذي عرفته روسيا في مدد شيوعية سابقة.
ــــــــــ
كاتب مصري

المصدر : الجزيرة

شارك برأيك